فيليب لاركن Philip Larkin (1922–1985)
ولد فيليب لاركن في مدينة كوفنتري الإنجليزية، ونشأ في منزل يزخر بالأدب بفضل والده الذي كان مقتنياً شرهاً للكتب. هذا الجو الأدبي المبكر صقل طموحه ليصبح كاتباً مرموقاً، لكنه في المقابل خلّف لديه شعوراً بالنقص العاطفي؛ حيث وصف بيئته الأسرية بأنها تفتقر للدفء، مما ولّد لديه نفوراً دائماً من فكرة الزواج، وإحساساً بالعزلة تعمق بسبب معاناته من ضعف البصر والتلعثم في صغره، ثم الصمم في أواخر حياته.
بعد تخرجه من جامعة أكسفورد عام 1943 بمرتبة الشرف الأولى في الأدب الإنجليزي، سلك مساراً مهنياً هادئاً كأمين مكتبة، قضى ثمانية وعشرين عاماً منها في جامعة "هال". بدأ مسيرته الأدبية بنشر ديوان "سفينة الشمال" (1945) وروايتين هما "جيل" و"فتاة في الشتاء"، إلا أن شهرته العالمية لم تتحقق إلا في عام 1955 مع صدور ديوانه "الأقل انخداعاً"، وتبعه بأعماله الخالدة "أعراس العنصرة" (1964) و"نوافذ عالية" (1974).
يُصنف لاركن كشاعر مقلّ، لكن نقاد القرن العشرين يضعون نتاجه ضمن الأجود إطلاقاً. انتقل في مسيرته من التأثر برومانسية "ييتس" إلى واقعية "توماس هاردي" الصارمة، حيث استبدل الحزن الشاعري بعالم واقعي شديد التحديد يغوص في تفاصيل الحياة اليومية الإنجليزية. تميز شعره بلغة مكثفة ترفض الأوهام وتجابه قسوة الحياة بصدق ونزاهة، مما جعل الناقد أندرو موشن يصف أسلوبه بـ "الدقة الإنجليزية حول المشاعر الحزينة".
إلى جانب الشعر، كان لاركن ناقداً موسيقياً بارزاً لموسيقى الجاز في صحيفة "ديلي تليغراف"، وجمع مقالاته في كتاب "كل ما هو عن الجاز" (1985). نال تقديراً رسمياً واسعاً تمثل في وسام "رفقاء الشرف" وميدالية الملكة الذهبية للشعر، ووصل تقدير الدولة له إلى عرض منصب "شاعر البلاط" عليه عام 1984، لكنه رفضه وفاءً لنمط حياته الانعزالي وكراهيته للأضواء والشهرة.
تكمن عبقرية لاركن في كونه المتحدث الرسمي باسم "الإنسان الحديث" الذي فقد اليقين؛ فعبّر في قصائده عن الاحباطات السيكولوجية، والخوف من العلاقات العاطفية، والبحث عن معنى في عالم مادي. ورغم الجدل الذي أثير حول حياته الشخصية ومراسلاته مع والدته "إيفا" التي نُشرت لاحقاً، إلا أن مكانته الأدبية لم تتزحزح؛ فقد نُصّب عام 2008 كأعظم كاتب بريطاني بعد الحرب، وظل حتى يومنا هذا الشاعر الأكثر قرباً وتأثيراً في الوجدان الشعبي البريطاني.