الديوان » إبراهيم محمد أبو طالب » فصل من معلقة الجرح

حلل القصيدة بواسطة BAYAN AI

قَد ضَاقَ صَدري وضَاقت دُوني السُّبلُ

وازورَّتِ الأَرضُ إذ فَاضَتْ بِيَ المقَلُ

كُلُّ الكآباتِ فِي الدُّنيا قَد اجتَمَعتْ

واستَوطَنتْ فَوقَ صَدري مَا لها بَدَلُ

وأيُّ كَربٍ إذا يمَّمتُ يَلحَقُ بي

مَهمَا رَجَوتُ لَهُ النُّقصَانَ يَكتَمِلُ

شَعبي يَموتُ وقَد قَامَتْ قِيامتُهُ

وكُلُّ مَا حَولَهُ بالبُؤسِ يَشتَعِلُ

أنَّى اتجهتَ تَرَى الأَهوالَ مُحدِقَةً

الخَوفُ يمتَدُّ والإيمانُ يَرتَحِلُ

والفِتنَةُ الْتَهَمَتْ أَحلامَ فِتيتِنَا

واستَعبَدَتهم فَمَا فَاقوا ومَا عَقلوا

الكُلُّ يَزعمُ أنَّ الحقَّ وِجهَتُهُ

وأنَّه بجِهَادِ الحَقِّ مُنشَغِلُ

وأَنَّ دَعوَاهُ حَقٌّ لا ادِّعَاءَ بها

وأنَّه فِي سَبيلِ اللهِ يَحتَفِلُ

ضَاعوا وضَاعَتْ بلادي والسَّلامَ بها

ومَزَّقتهم دُروبُ الشَّرِّ والنِّحَلُ

وضَلَّتِ اليمنُ الأَنقَى ودَولتُهَا

تَكَالَبَتْ فوقَهَا الأَهواءُ والدُّولُ

مَاذا جَرَى لمنَارِ الشَّمسِ؟ كَيفَ غَدا

تاريخُهَا فِي مَهَبِّ الرِّيحِ مُبتَذلُ

وصَارَ لِلجَهلِ والجُهَّالِ مَهزَلَةً

وكُلُّ حِزبٍ نَما فِي فِكرِهِ هُبَلُ

لا خَيرَ فِيها.. بها ذَاتٌ منَفَّخَةٌ

ولَاؤها طُولَ مَسعَاها لمن بَذَلوا

يا بِنتَ (ذِي يَزنٍ) يا فَخرَ مُفتَخِرٍ

هيَّا أَفِيقي ويكفِي كُلُّ مَا فَعَلوا

هَلَّا انتفَضتِ وأَلقَيتِ تَفَاهَتَهُم

وثُرتِ فِي وجهِ مَن بَاعُوا ومَن خَذَلوا

لكِن بثَورةِ صِدقٍ لا مِراءَ بها

ولا صُراخٌ ولا كَذبٌ ولا خَلَلُ

وعَلِّميهم دُروسًا مِن كَرامَتِنَا

تُنهِي وتَكتَسِحُ البَاغِي وتَرتَجِلُ

ولتُشعِلِي نَخوَةَ الأَحْرَارِ واغتَسِلي

فَالدَّمُّ فِي قَلبِكِ المجروحِ يَنهَمِلُ

لا تَرحَمِي مُجرمًا قَد لجَّ فِي سَفَهٍ

تَخلَّصِي مِنهُ إنَّ النَّصرَ يَعتَمِلُ

وصُبحكِ المشرقُ الوضَّاءُ كَم بُذِلَت

لَهُ نُفُوسٌ أَراهُ الآنَ يَندَمِلُ

هَل ضَاعَ عُمركِ والأَعمارُ تَردِفُهُ

منَّا بِكُلِّ أَمَانِينا وتَبتَهِلُ

مَا خَابَ ظَنُّ بَنيكِ فِيكِ دَهرَهم

ولا تَنَاسَوكِ فِي يَومٍ ولا غَفَلُوا

لأنَّكِ فِي خَبَايا العَينِ أُغنِيةٌ

وفِي دَقائقِ شُريانِ الهوَى قُبَلُ

فِي رُوحِكِ العِطرُ والأَخلاقُ نَابِضَةٌ

أَنتِ الجمالُ لمن حَلُّوا ومَن رَحَلُوا

وقَد حَويتِ فُنونًا لا نَفَادَ لها

وعَنكِ قَد حَمَلُوا فِي الُّلطفِ مَا حَملوا

علَّمتِ كُلَّ جميلٍ كَيفَ يُمتِعُنا

حُبًّا وفِينَا جَمَالٌ مِنكِ يَنتقلُ

فِيكِ الرِّجَالُ ومَا خَابَتْ مَنَابِتُهم

فِيكِ الأباةُ فمَا هَانوا ولا ضَؤلوا

مَا زالَ مجدُكِ والتَّاريخُ مَدرسةً

تَناقَلتهُ جِبالُ العِزِّ والقُلَلُ

وطَافَ حُسنُكِ فِي كُلِّ النُّفوسِ كَمَا

يَطُوفُ بالشَّمسِ فِي أَفلاكِها زُحَلُ

وحَلَّ فِي سَفحِكِ الإبداعُ مُبتَسِمًا

فِي كُلِّ شِبرٍ بَديعٍ وَابِلٌ هَطِلُ

قَد عمَّروكِ بإِخلَاصٍ وأَنفسُهم

تَفدِي حِمَاكِ فَمَا حَادوا ولا انتَقَلوا

لأنَّكِ الأُمُّ طِينُ الأَرضِ قُوَّتُهم

والشَّامِخَاتُ فِدَى عَلياكِ والبَطَلُ

كَم عَالمٍ فِيكِ أَعطَى العِلمَ كِلمَتَهُ

كَم قَائِدٍ مِن هَوى عَينَيكِ يَكتَحِلُ

كَم مَاجدٍ أَنتَجتْ أَرضِي وكَم عَلَمٍ

كَم شَاعرٍ حَرفُهُ مِن حَرفِها ثَمِلُ

كَم فَاضِلٍ مَدَّ للأَرحَامِ رَحمتَهُ

فعَانَقَتْ بِرَّهُ الأيتامُ إِذْ كُفِلُوا

فأَضحَتِ الأَنفُسُ الحَيرى مُجلَّلةً

نَشِيدُها العِلمُ والإنتَاجُ والعَملُ

شَبابُنا رَفعوا بُنيانَ حَاضِرهم

مَواهبُ الخيرِ فِي أَرجَائِهَا أَمَلُ

(صَنعاءُ) أُعجُوبَةُ الدُّنيا ودُرَّتُها

طِيبُ الحِكَاياتِ والتَّاريخُ والدُّولُ

وأختُها (عَدَنٌ) رُوحُ الجَمَالِ بها

والفَنُّ والصِّدقُ والإخلاصُ والحُلَلُ

قَد جَرَّحَتها جَهَالاتٌ مُشوِّهةٌ

أَصَابها طَمعُ البَاغينَ والخَولُ

ودَمعُها السَّائلُ المكلومُ يُؤلمنا

كَمَا تألَّمتِ يا صَنعا بما جَهِلوا

كِلتَاكَما أَثقَلَ الفُسَّادُ كَاهِلَهَا

وقَد أَصَابَكما الإرهَاقُ والشَّلَلُ

هَل مِن مُغِيثٍ؟ وهَل يُشفَى لنَا وطنٌ

قَد استبدَّت بِهِ الأحقادُ والخَطَلُ؟

وشَقَّ وَحدتَه والصَّفَّ مُنتَقِمٌ

لا يَرعَوي وهو بالأَشرارِ مُشتَملُ

وقَد غَدَت مُدُنُ التَّاريخِ مَحرَقَةً

وصَارَ بُنيَانُها يَزهُو بها الطَّلَلُ

والقَتْلُ أَصبحَ مَألوفًا فَلستَ تَرَى

إلا الدِّماءَ وعِرضُ النَّاسِ مُبتَذَلُ

يا قومَنَا مَا جَرى يَكفِي.. وضَجَّ بِنَا

"خُلْفُ الرِّجالِ"، وخُلْفُ الدَّهرِ والوجلُ

عُودُوا إلى رُشدِكم والحِكمَةَ الْتَمِسُوا

نَهجُ اليَمَانينَ لا غَدرٌ ولا مِيَلُ

نحنُ اليَمَانِينَ قَولُ الحَقِّ يَجمعُنَا

لَسنَا نُؤيِّدُ مَن فِي البَغي قَد سَدَلوا

لَسنَا عَبِيدًا لمَن يَسعَى لِذلَّتِنا

ومِن جِراحِاتِ هَذا الشَّعبِ قَد نَهَلُوا

وجُوهُهم أَصبَحت لَا شَيءَ يَسترُها

مِن القِنَاعَاتِ إِنْ جَدُّوا وإِن هَزَلوا

إنَّ اليَمَانينَ خَاضُوا كُلَّ مَعركَةٍ

وعمَّروا حَيثُمَا فِي الأَرضِ قَد نَزلوا

هَل يَعجزونَ إذا طَافَتْ بِسَاحتِهم

غَمامَةُ الحِقدِ أَو غَطَّاهمُ البلَلُ؟

أَن يَستَفِيقوا كـ(فِينِيقٍ) قَد انبعَثَتْ

مِن طِينَةِ القَهرِ رُوحٌ مَا لها حِوَلُ

سَيخرُجُ الماردُ العِملاقُ مِن دَمِنَا

حُرًا يُدمِّرُ مَن خَانُوا ومَن فَشِلُوا

نبذة عن القصيدة

المساهمات


معلومات عن إبراهيم محمد أبو طالب

إبراهيم محمد أبو طالب

188

قصيدة

إبراهيم محمد أبو طالب، أستاذ الأدب والنقد الحديث بجامعة الملك خالد حاليًّا، وجامعة صنعاء سابقًا. شاعر، وأكاديمي وكاتب في أدب الطفل. صدر له حتى الآن (12) ديوانًا شعريًا، و(24) كتابًا في الأدب والنقد والتحقيق. و(9) أعمال ودواوين شعرية مطبوعة في أدب الطفل، نشر أكثر من (26) بحثًا علميًّا في مجلات علمية محكَّمة، و(15) بحثًا في مجلات غير محكمة. وله ما يزيد عن (100) مقال أدبي ونقدي في الصحف والمجلات اليمنية والعربية. عضو في عددٍ من هيئات تحرير المجلات العلمية في الجامعات العربية. وعضو لجان تحكيم جوائز عربية ومحلية، وعضو الاتحاد الدولي للغة العربية. حاصل على عدد من الجوائز العربية منها: جائزة السعيد الثقافية في أدب الأطفال، 2004م. وجائزة راشد بن حميد للثقافة والعلوم لدورتين: 2014 و2016م، في مجال النقد الأدبي.

المزيد عن إبراهيم محمد أبو طالب

أضف شرح او معلومة