جاري تحليل القصيدة... قد تستغرق العملية بضع ثوانٍ.
يا هذا...
لا تخفْ من خذلانِ الحواسّ،
فالسرُّ العفنُ الذي أخفيتَهُ طويلًا
تعرفهُ الحروفُ
قبلَ أن تفضحَهُ الشعوب.
ستمنحهُ رعشةُ جفنٍ خائن
جناحين،
وسيعودُ إليكَ
من الطريقِ قبلَ الغروب.
توقّف...
ليس بيننا
إلا غبارُ سوء فهم.
أنا لا أحملُ مواعظَ الأنبياء،
ولا مفاتيحَ خزائنِ البيان.
أنا فقط...
حين تختلطُ إشاراتُ العبور
بعرقِ الولائم،
وحين يُعلَّقُ حلاجٌ جديد
على ظلالِ المنصات
بتهمةِ الزندقة
في حقِّ الولاءات،
أكسرُ زجاجةَ الاستعارة،
وأتركُ شظاياها
توقظُ ما نامَ
وطُردَ خفيةً
من البيانِ والتبيين.
أعلمُ أنهم...
لا يسقطون
كما في النبوءات،
لكنهم لا ينامون.
يمشونَ في أحلامهم
بأحذيةٍ ثقيلة،
وفي كبدها
حصواتُ جراحٍ مؤجلة،
تخفيها
كؤوسُ الليالي القاسية.
فهل أنا حاقدٌ؟
لأنني لم أتعلم
فنَّ الرقصِ
في ليالي الأدعياء؟
أم أنني من رعاعِ الأهواء،
لأنني لم أتقن
لغةَ الانحناء؟
أراكَ...
تعبرُ الشاشات
بوجهِ الحكيم.
تغسلُ صوتكَ بالبلاغة،
وتفتحُ أبوابَ النقدِ كلها،
وتوزّعُ أسرارَ الخلود
من علبةِ المديحِ والمقامات.
لكنني أراكَ أيضًا...
حين ينطفئُ الضوء.
أراكَ تمشّطُ خصلةَ الوهم،
وتخشى فرسَ الخيال.
فالحصانُ الأصيل
لا يسيرُ في موكبٍ
يقودُهُ
من يخصي الصهيل.
يا هذا...
ليس لغزًا فريدًا
أنك تعرفُ البحورَ والجسور.
فاللصُّ يعرفُ المفاتيح،
ويعرفُ متى يغيبُ أهلُ الدار،
ومن يختارُ من الخدم.
أنتَ تعرفُ الثاءَ والضاد،
وتتقنُ الوقوفَ على الساكن،
لكنّكَ لم تسمعْ أنينَ الحرفِ
حين تُذبحُ القضيةُ القصية.
فالقضيةُ ليست شبهةً،
إنها جرحٌ مفتوح.
ومن لا يحملُ وجعَ الناس،
يحملُ مرآةً
يتزيّنُ بها القهر.
كيف لمن دفنَ الوجع
أن يحرسَ البهاء؟
وكيف لمن باعَ الغفوة
أن يدّعي
أنه شمعةٌ في ليلِ القصيدة؟
يا هذا...
أنتَ لا تكتبُ الشعر،
أنتَ تزيّنُ الغياب.
تحتسي والشهوةَ
فنجانَ قهوةٍ على الشرفة،
وتمنحُ النزوةَ
اسمًا يليقُ باللحظة.
تعرفُ أبوابَ القلاع،
وظلالَ الشرفاتِ المزيفة،
ومقاعدَ الصفوفِ الأولى.
افسحوا لهُ الطريق...
لقد جاءَ
شاعرُ المرآة.
يمدحُ الوجهَ
حين يبتسم،
ويحطمُ المرآةَ
حين تفضحُه.
أما أنا...
فسأبقى ذلك الصوتَ
الذي يفسدُ الحفل،
حين تُكتبُ المقالاتُ
عن نصوصٍ
تبرّرُ جموحَ اللصوص.
وأعرفُ أن القصيدةَ التي تُباع
تعودُ من السوقِ
بلا شروق.
وأن الشاعرَ
الذي يربحُ كلَّ المنصات
قد يخسرُ
المقعدَ الوحيد
الذي لا يراه أحد:
نفسَه.
لكن...
في آخر الليل،
حين تنطفئُ الشاشات،
وتعودُ الجوائزُ
إلى خزائنها الباردة،
يبقى السؤال:
من كنتَ
حين لم يكن أحدٌ يراك؟
شاعرًا؟
أم صدىً جميلًا
في قاعةٍ فارغة؟
فالقصيدةُ لا تسكنُ المنابر،
ولا تنامُ
تحت أضواءِ الاحتفال.
القصيدةُ تسكنُ قلبًا منكسِرًا.
هناك...
حيث لا لجنةَ تنتظر،
ولا يدٌ سخيةٌ تصفّق،
ولا كاميرا
تبحثُ عن وجهٍ مناسب.
هناك فقط...
يجلسُ الحرفُ
عاريًا من الزيف،
ويقولُ للشاعر:
هل حملتني
لأنني جميل؟
أم لأنني كنتُ
آخرَ ما تبقّى
من ضميركَ؟
يا هذا...
سيأتي يومٌ
لا تسألُ فيه المطبعاتُ
عن عددِ الجوائز،
ولا عن صورِ المنصات،
ولا عن أسماءِ المانحين.
ستسألُ فقط:
كم قلبًا
أيقظتَ؟
كم جرحًا
أنصتَّ إليه؟
كم مرةً
رفضتَ أن تكونَ
مصفّقًا للجحيم؟
فانتبه...
فالكلماتُ التي تخونُ أصحابَها
تعودُ يومًا
شهودًا عليهم.
والقصيدةُ التي تنحني
تفقدُ ظلَّها.
أما الحرفُ الجريح...
فلا يموت.
قد ينامُ في منفى،
قد يُنسى في زاوية،
قد لا يحملُهُ موكبٌ،
ولا تُفتحُ لهُ بوابة.
لكنه...
حين يأتي أوانه،
ينهضُ وحده.
ويكتبُ، بلا ضجيجٍ،
اسمَ الحقيقة
في الجهةِ التي لا تصلُها
أضواءُ المنصّات.
خالد أخازي هو كاتب وروائي وشاعر وإعلامي مغربي، يُعد من الأصوات الأدبية والإعلامية التي تجمع بين الإبداع السردي والاشتغال الصحفي والنقد الثقافي. عُرف باهتمامه باللغة العربية الفصيحة وبناء نصوص روائية ذات بعد إنساني واجتماعي، كما يشتغل في مجالات القيادة التربوية والتكوين في البيداغوجيا والديداكتيك. المسار الأدبي يتميز مشروعه الإبداعي بالجمع بين الرواية والشعر والمقالة الفكرية، مع انشغال واضح بقضايا الهوية والذاكرة والإنسان والتحولات الاجتماعية والثقافية. وتصفه بعض القراءات النقدية بأنه كاتب «لا يه…