الديوان » العصر المملوكي » ابن الوردي »

ما للزمان عن المروءة عار

ما للزمانِ عنِ المروءَةِ عارٍ

ما عندَهُ في منكرٍ من عارِ

أشكو إلى اللّهِ الزمانَ فدأبُهُ

عزُّ العبيدِ وذلَّةُ الأحرارِ

لاغرْوَ إنْ حدتْ بنوهُ مناقبي

كلٌّ على مَجْرى أبيهِ جارِ

وارحمتا للحاسدين فنارُهُمْ

قَدْ سعِّرَتْ بُعْداً لها منْ نارِ

وإذا جرى ذِكري تكادُ قلوبُهمْ

تنشقُّ أو تغتالني بشرارِ

كرهوا عطاءَ اللهِ لي يا ويحَهم

لشقائِهم كرهوا صنيعَ الباري

ويزيدُهُم ناراً وقودُ قريحتي

وبلوغُ أخباري إلى الأقطارِ

يا سعدُ ساعدني على هجرانِهم

في اللّهِ هجرُ مجانبٍ متوارِ

واحذرْ بني الدنيا وكنْ في غفلةٍ

عنهمْ وجانبْ كلَّ كلبٍ ضارِ

واحفظْ لصاحبِكَ القديمِ مكانَهُ

لا تتركِ الودَّ القديمَ لطارِ

وإذا أساءَ وفيكَ حملٌ فاحتملْ

إنَّ احتمالكَ أعظمُ الأنصارِ

سارعْ إلى الفعلِ الجميلِ وقلِّدِ ال

أعناقَ حسناً فالزمانُ عوارِ

واجعلْ إلى الأُخرى بدارِكَ بالتُّقى

تغنمْ فما الدنيا بدارِ بِدارِ

واعملْ لتلكَ الدارِ ما هي أهلُهُ

عملَ المداري أهلَ هذي الدارِ

واقصدْ فعالَ المكرماتِ تبرعاً

فالمكرماتُ حميدةُ الآثارِ

لا تأسفنَّ لما مضى واحرصْ على

إصلاحِ ما أبقيتَ باستكثارِ

فالجاهلونَ بنو كلابٍ عندَهُمْ

واليومَ أهلُ الفضلِ آلُ يسارِ

جاورْ إذا جاورْتَ بحراً أوْ فتى

فالجارُ يشرفُ قدرُهُ بالجارِ

كنْ عالماً في الناسِ أو متعلّماً

أو سامعاً فالعلمُ ثوبُ فخارِ

منْ كلِّ فنٍّ خذْ ولا تجهلْ بهِ

فالحرُّ مطَّلعٌ على الأسرارِ

وإذا فهمتَ الفقهَ عشتَ مصدَّراً

في العالمينَ معظَّمَ المقدارِ

وعليكَ بالإعرابِ فافهمْ سرَّهُ

فالسرُّ في التقديرِ والإضمارِ

قِيَمُ الورى ما يحسنونَ وزينُهُمْ

ملَحُ الفنونِ ورقةُ الأشعارِ

واعملْ بما علَّمْتَ فالعلماءُ إنْ

لم يعملوا شجرٌ بلا إثمارِ

والعلمُ مهما صادفَ التقوى يكنْ

كالريحِ إذْ مرَّتْ على الأزهارِ

يا قارئَ القرآنِ إنْ لمْ تتبعْ

ما جاء فيه فأينَ فضلُ القاري

وسبيلُ منْ لم يعلموا أنْ يحسنوا

ظنّاً بأهلِ العلمِ دونَ نفارِ

قدْ يشفعُ العلمُ الشريفُ لأهلهِ

ويُحِلُّ مبغِضَهُمْ بدارِ بوارِ

هلْ يستوي العلماءُ والجهّالُ في

فضلٍ أم الظلماءُ كالأنوارِ

احرصْ على إخمالِ ذكرِكَ في غنى

وتملَّ بالأورادِ والأذكارِ

ما العيشُ إلاّ في الخمولِ معَ الغنى

وفي الاشتهارِ نهايةُ الأخطارِ

واقنعْ فما كنزُ القناعةِ نافداً

وكفى بها عزّاً لغير ممارِ

واسألْ إلَهكَ عصمةً وحمايةً

فالسيئاتُ قواصفُ الأعمارِ

وإن ابتليتَ بزلةٍ وخطيئةٍ

فاندمْ وبادرْها بالاستغفارِ

إياكَ منْ عسفِ الأنامِ وظلمِهِمْ

واحذرْ منَ الدعواتِ في الأسحارِ

وتجنَّبْ السلطانَ غيرَ مقاطعٍ

وإذا سطا فحذارِ ثمَّ حذارِ

أطلِ افتكارَكَ في العواقبِ واجتنبْ

أشياءَ محوجةً إلى الإعذارِ

ودعِ الورى وسلِ الذي أعطاهمُ

لا تطلبِ المعروفَ منْ إنكارِ

جمدَ الندى لبرودةِ الكُبَرا وما

جمدَ الندى لبرودةِ الأشعارِ

لمْ يبقَ خلٌّ للشدائدِ يُرتجَى

في نشرِ إحسانٍ وطيِّ عوارِ

منْ أينَ يوجدُ صاحبٌ متحسِنٌ

للخيرِ أو زارٍ على الأوزارِ

احذرْ عدوَّكَ والمعاندَ مرَّةً

واحذرْ صديقَ الصدقِ سبعَ مرارِ

فالأصدقاءُ لهم بسرِّكَ خبرةٌ

ولهم بهِ سببٌ إلى الإضرارِ

واصبرْ على الأعداءِ صبرَ مدبِّرٍ

قدْ أظهرَ الإقبالَ في الإدبارِ

كمْ نالَ بالتدبيرِ مَنْ هو صابرٌ

ما لمْ ينلْهُ بعسكرٍ جرارِ

الدينُ شينُ الدينِ قالَ نبينا

فتوقَّهُ واصبرْ على الإقتارِ

دارِ العدى منْ أهلِ دينكَ جاهداً

ما فازَ بالعلياءِ غيرُ مُدارِ

أما النصارى واليهودُ فخصَّهُمْ

بالمقتِ في الإعلانِ والإسرارِ

أفيضمرونَ لمسلمٍ حباً وقدْ

شرقوا ببغضِ محمدِ المختارِ

وإذا رأيتَ الضيمَ مشتداً فلا

تلبثْ وحاولْ غيرُ تلكَ الدارِ

أيقيمُ حيثُ يضامُ إلاّ جاهلٌ

قدْ عادلَ الأشرارَ بالأخيارِ

لا تودعِ السرَّ النساءَ فما النسا

أهلٌ لما يُودَعْنَ مِنْ أسرارِ

كيدُ النساءِ ومكرُهُنَّ مروِّع

لا كانَ كلُّ مكايدٍ مكّارِ

إنْ كنَّ خلاّتِ الشبيبةِ والغنى

صِرْنَ العدى في الشيبِ والإعسارِ

أقللْ زيارةَ مَنْ تحبُّ لقاءَهُ

إنَّ الملالَ نتيجةُ الإكثارِ

لا تكثرنْ ضحكاً فكمْ مِنْ ضاحكٍ

أكفانُهُ في قبضةِ القصّارِ

كم حاسدٍ كم كائدٍ كم ماردٍ

كم واجدٍ كم جاحدٍ كم زارِ

لولا بناتي متُّ مِنْ شوقٍ إلى

موتٍ أُراحُ بهِ من الأشرارِ

يا ربُّ أشكو منْ بناتي كثرةً

وأبو البناتِ يخافُ ثوبَ العارِ

واللهُ يرزقني بهنَّ وإنما

أرجو لهمُ السترَ مِنْ ستّارِ

يا ربُّ إنَّ بقاءَ بنتٍ فردةٍ

كافٍ كذاكَ اخترْتَ للمختارِ

يا ربُّ فارزقهنَّ قربَ جوارِ مَنْ

شتّانَ بينَ جوارِهِ وجِواري

أترى أُسرُّ بدفنِ بنتٍ قائلاً

اللهُ جارُكِ إنّ دمعي جارِ

فبناتُ نعشٍ أنجمٌ وكمالُها

بالنعشِ فاطلبْ مثلَهُ لجواري

أقسمتُ ما دفنوا البناتِ تلاعباً

دفنوا البناتِ كراهةَ الأصهارِ

يا لائمي في تركِ أوطاني لقدْ

بالغْتَ في الإعذارِ والإنذارِ

أصلي ترابٌ والأنام بأسرِهمْ

لي أقربونَ فكلُّ أرض داري

أأطيلُ في أرضٍ مقامي لاهياً

وقرارُ داري غيرُ دارِ قراري

مَنْ كانَ للجيرانِ يوماً مسخِطاً

فأنا لما يرضاهُ جاري جارِ

أَمِنَتْنِيَ الجاراتُ تجربةً فما

يسبلْنَ دونَ لقايَ مِنْ أستارِ

عجبي لشاربِ خمرةٍ ما خامرتْ

لبَّ امرئٍ إلاّ عرتْهُ بعارِ

أنفَتْ مِنَ العصَّارِ وهْو يذلُّها

دوساً فقدْ ثارتْ لأخذِ الثارِ

يا ربَّ أمردَ كالغزالِ لطرفِهِ

حكمُ المنيةِ في البريةِ جارِ

تأليفُ طرَّتِهِ ونورُ جبينِهِ

تأليفُ ماءِ خدودِهِ والنارِ

ومعذَّرٍ كالمسكِ نبتُ عذارِهِ

والخالُ فهْوَ زيادةُ العطّارِ

وبديعةٍ إنْ لمْ تكنْ شمسَ الضحى

فالوجهُ منها طابعُ الأقمارِ

أعرضْتُ إعراضَ التعفّفِ عنهمُ

وقطعتُ وصلَهمُ وقرَّ قراري

ما ذاكَ جهلاً بالجمالِ وإنما

ليسَ الخنا مِنْ شيمةِ الأحرارِ

إنْ أبقَ أوْ أهلَكْ فقدْ نلتُ المنى

وبلغتْتُ سؤْلي قاضياً أوطاري

وحويتُ منْ علمٍ ومنْ أدبٍ ومن

جاهٍ ومن مالٍ ومنْ مقدارِ

ورأيتُ بالأيامِ كلَّ عجيبةٍ

وسئمت من صفوٍ ومن أكدارِ

وعلمتُ أن الناسَ بالأقدارِ قدْ

أُعطوا ولم يُعطَوا على الأقدارِ

فموفقُ الحركاتِ لا يرجو ولا

يخشى سوى ذي العزَّةِ القهارِ

واللّهِ لو رجعَ الكرامُ ودهرُهُمْ

عرضاً وعادتْ دولةُ الأخيارِ

لأنفْتُ مِنْ مدحي لهم متكسِّباً

فالكسبُ بالأمداحِ ثوبُ صَغارِ

أَأُعدُّ منْ قصّادهم طلباً لما

يفنى وتبقى وصمةُ الأخبارِ

أينَ الكرامُ وأينَ أهلُ مدائحي

غيرُ النبيِّ الطاهرِ المختارِ

معلومات عن ابن الوردي

ابن الوردي

ابن الوردي

عمر بن مظفر بن عمر بن محمد ابن أبي الفوارس، أبو حفص، زين الدين ابن الوردي المعرّي الكندي. شاعر، أديب، مؤرخ. ولد في معرة النعمان (بسورية) وولي القضاء بمنبج، وتوفي بحلب...

المزيد عن ابن الوردي

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة ابن الوردي صنفها القارئ على أنها قصيدة هجاء ونوعها عموديه من بحر الكامل


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس