الديوان » العصر المملوكي » لسان الدين بن الخطيب »

سلا هل لديها من مخبرة ذكر

سَلا هلْ لدَيْها من مُخَبّرَةٍ ذِكْرُ

وهلْ أعشَبَ الوادي ونمّ بهِ الزّهْرُ

وهلْ باكَرَ الوَسْميّ داراً على اللِّوى

عفَتْ آيُها إلا التوهُّمُ والذِّكْرُ

بلادِي التي عاطَيْتُ مشْمولةَ الهَوى

بأكْنافِها والعيْشُ فَيْنانُ مخْضَرُّ

وجوّي الذي ربّى جَناحيَ وَجْرُهُ

فَها أنا ذا ما لي جَناحٌ ولا وَكْرُ

نَبَتْ بيَ لا عنْ جفْوَةٍ وملالَةٍ

ولا نسخَ الوصْلَ الهَنيَّ بِها هَجْرُ

ولكنّها الدُّنْيا قليلٌ مَتاعُها

ولَذّاتُها دأباً تَزورُ وتَزْوَرُّ

فمنْ لي بقُرْبِ العَهْدِ منْها ودونَنا

مَدىً طالَ حتّى يوْمُهُ عنْدَنا شهْرُ

وللّهِ عَيْنا مَنْ رآنا وللأسى

ضِرامٌ لهُ في كلِّ جانِحةٍ جَمْرُ

وقد بدّدَتْ دُرَّ الدّموعِ يدُ النّوى

وللشّوْقِ أشجانٌ يَضيقُ لها الصّدْرُ

بكَيْنا على النّهْرِ الشّروبِ عشيّةً

فعادَ أُجاجاً بعْدَنا ذلكَ النّهْرُ

أقولُ لأظْعاني وقدْ غالَها السَّرى

وآنسَها الحادي وأوْحَشَها الزَّهْرُ

روَيْدَكِ بعْدَ العُسْر يُسْرٌ أنِ ابْشِري

بإنْجازِ وعْدِ اللهِ قد ذهَبَ العُسْرُ

وللهِ فينا سِرُّ غيْبٍ وربّما

أتى النّفْعُ منْ حالٍ أريدَ بها الضّرُّ

وإنْ تَخُنِ الأيامُ لمْ تَخُنِ النُّهى

وإنْ يخْذُلِ الأقْوامُ لمْ يخْذُلِ الصّبْرُ

وإن عرَكَتْ منّي الخُطوبُ مجَرِّباً

نِقاباً تَساوَى عنْدَهُ الحُلْوُ والمُرُّ

فقد عجَمَتْ عوداً صَليباً على الرّدى

وعزْماً كَما تمْضي المهنّدَةُ البُتْرُ

إذا أنتَ بالبيضاءِ قرّرْتَ منزِلي

فَلا اللّحمُ حِلَّ ما حَييتُ ولا الظّهْرُ

زجَرْنا بإبْراهيمَ بُرْءَ هُمومِنا

فلمّا رأينا وجْهَهُ صدَقَ الزّجْرُ

بمُنْتخَبٍ منْ آلِ يعْقوبَ كلّما

دَجا الخَطْبُ لمْ يكْذِبْ لعَزْمَتِهِ فجْرُ

تناقَلَتِ الرّكْبانُ طيبَ حَديثِهِ

فلمّا رأتْهُ صدّقَ الخَبَرَ الخبرُ

ندىً لو حَواهُ البحْرُ لذّ مذاقُهُ

ولمْ يتعقّبْ مَدَّهُ أبداً جَزْرُ

وبأسٌ غَدا يرْتاعُ منْ خوْفِهِ الرّدى

وترْفُلُ في أثْوابِهِ الفَتْكَةُ البِكْرُ

أطاعَتْهُ حتّى العُصْمُ في قُنَنِ الرُّبى

وهشّتْ الى تأمِيلِهِ الأنْجُمُ الزّهْرُ

قصدْناكَ يا خيْرَ المُلوكِ على النّوى

لتُنْصِفَنا ممّا جَنى عبْدُكَ الدّهْرُ

كفَفْنا بكَ الأيّامَ عنْ غُلَوائِها

وقدْ رابَنا منْها التعسّفُ والكِبْرُ

وعُذْنا بذاك المجْدِ فانْصَرَم الرّدى

ولُذْنا بذاكَ العزْمِ فانهزَمَ الذّعْرُ

ولمّا أتيْنا البحْرَ يُرْهِبُ موْجُهُ

ذكَرْنا نَداكَ الغَمْرَ فاحْتُقِرَ البحْرُ

خلافَتُك العُظْمى ومَنْ لم يدِنْ بِه

فإيمانُهُ لغْوٌ وعِرْفانُهُ نُكْرُ

ووَصْفُكَ يهْدي المَدْحَ قصْدَ ثَوابِهِ

إذا ضلّ في أوْصافِ مَنْ دونَكَ الشِّعْرُ

دعَتْكَ قُلوبُ المؤمِنينَ وأخْلَصَتْ

وقد طابَ منْها السّرُّ للهِ والجَهْرُ

ومُدّتْ إلى اللهِ الأكُفُّ ضَراعَةً

فقال لهنّ اللهُ قد قُضيَ الأمْرُ

وألْبَسَها النّعْمى ببَيْعَتِكَ التي

لَها الطّائِرُ المَيْمونُ والمحْتِدُ الحُرُّ

فأصْبَحَ ثغْرُ الثّغرِ يَبسِمُ ضاحِكاً

وقد كانَ ممّا نابَهُ ليسَ يفْتَرُّ

وأمّنْتَ بالسَّلْمِ البِلادَ وأهْلَها

فلا ظُبَةٌ تُعْرى ولا روْعَةٌ تعْرو

وقد كانَ موْلانا أبوكَ مصَرِّحاً

بأنّكَ في أبنائِهِ الولَدُ البَرُّ

وكُنْتَ خَليقاً بالإمارَةِ بعْدَهُ

على الفوْرِ لكِنْ كلُّ شيْءٍ لهُ قَدْرُ

وأوْحَشْتَ منْ دارِ الخِلافةِ هالَةً

أقامَتْ زَماناً لا يَلوحُ بها البدْرُ

فردَّ عليْكَ اللهُ حقَّكَ إذْ قضى

بأنْ تشْمَلَ النّعْمى وينْسَدِلَ السّتْرُ

وقادوا إليْكَ المُلْكَ رِفْقاً بخَلْقِهِ

وقد عدِموا رُكْنَ الإمامةِ واضْطَرّوا

وزادَكَ بالتّمحيصِ عِزّاً ورِفْعَةً

وأجْراً ولوْلا السّبْكُ ما عُرِفَ التِّبْرُ

وأنت الذي تدْعى إذا دهَمَ الرّدى

وأنتَ الذي تُرْجى إذا أخْلَفَ القَطْرُ

وأنتَ إذا جارَ الزّمانُ محكَّمٌ

لكَ النّقْضُ والإبْرامُ والنّهيُ والأمْرُ

وهَذا ابْنُ نصْرٍ قد أتى وجَناحُهُ

مَهيضٌ ومنْ عُلْياكَ يُلْتَمَسُ الجَبْرُ

غريبٌ يرجّي منْكَ ما أنتَ أهْلُهُ

فإنْ كنتَ تبْغي الفخْرَ قد جاءَكَ الفخْرُ

ففُزْ يا أميرَ المؤمنينَ ببَيْعَةٍ

موثّقَةٍ قد حلّ عُرْوَتَها الغَدْرُ

ومثلُكَ مَنْ يرْعى الدّخيلَ ومَنْ دَعا

بِيا لمَرينٍ جاءَهُ العِزُّ والنّصْرُ

وخُذْ يا إمامَ الحقِّ بالحقِّ ثأرَهُ

فَفي ضِمْنِ ما تأتي بهِ العِزُّ والأجْرُ

وأنتَ لها يا ناصِرَ الحقِّ فلْتَقُمْ

بحقٍّ فَما زَيْدٌ يرَجّى ولا عَمْرو

فإنْ قيلَ مالٌ مالُكَ الدّهْر وافِرٌ

وإنْ قيلَ جيْشٌ عنْدَكَ العسْكَرُ المَجْرُ

يُكَفّ بكَ العادي ويُحْيَ بكَ الهُدى

ويَبْني بكَ الإسْلامُ ما هَدَمَ الكُفْرُ

أعِدْهُ الى أوْطانِهِ عنْكَ راضِياً

وطوِّقْهُ نُعْماكَ التي مالَها حصْرُ

وعاجِلْ قُلوبَ النّاسِ فيهِ بجَبْرِها

فقدْ صدّهُمْ عنْهُ التغَلّبُ والقَهْرُ

وهُمْ يرْقُبون الفِعْلَ منْكَ وصَفْقَةً

تُحاولُها يُمْناكَ ما بعْدَها خُسْرُ

مَرامُكَ سهْلٌ لا يَؤودُكَ كُلْفَةً

سِوى عرَضٍ ما إنْ لهُ في العُلا خطَرُ

وما العُمْرُ إلا زينَةٌ مُستَعارَةٌ

تُرَدُّ ولكنّ الثّناءَ هوَ الُعمْرُ

ومَنْ باعَ ما يَفْنى بباقٍ مُخَلَّدٍ

فقدْ أنْجَحَ المسْعى وقد ربحَ التّجْرُ

ومن دونِ ما تَبْغيهِ يا ملِكَ العُلا

جيادُ المَذاكي والمحجَّلَةُ الغُرُّ

وِرادٌ وشُقْرٌ واضِحاتٌ شِياتُها

فأجْسامُها تِبْرٌ وأرْجُلُها دُرُّ

وشُهْبٌ إذا ما ضُمِّرَتْ يوْمَ غارَةٍ

مطَهّمةٌ غارَتْ بها الأنْجُمُ الزُّهْرُ

وأسْدُ رِجالٍ منْ مَرينٍ مُخيفَةٌ

عَمائِمُها بيضٌ وآسالُها سُمْرُ

علَيْها منَ الماذي كلَّ مُفاضَةٍ

تَدافَعَ في أعْطافِها اللّجَجُ الخُضْرُ

همُ القوْمُ إنْ هبّوا لكَشْفِ مُلمّةٍ

فَلا المُلْتَقى صَعْبٌ ولا المُرْتَقى وَعْرُ

إذا سُئِلُوا أَعْطَوْا وإنْ نوزِعوا سَطَوْا

وإنْ واعَدوا وَفَوْا وإنْ عاهَدوْا برّوا

وإنْ مُدِحوا اهْتَزّوا ارْتِياحاً كأنّهم

نَشاوَى تمشّتْ في مَفاصِلِهِمْ خَمْرُ

وإنْ سَمِعوا العَوْراءَ فرّوا بأنْفُسٍ

حَرامٌ على هاماتِها في الوَغى الفَرُّ

وتَبْسِمُ ما بيْنَ الوَشيجِ ثُغورُهُمْ

وما بيْنَ قُضْبِ الدّوْحِ يبْتَسِمُ الزّهْرُ

أمَوْلايَ غاضَتْ فكْرَتي وتبلّدَتْ

طِباعي فلا طَبْعٌ يُعينُ ولا فِكْرُ

ولوْلا حَنانٌ منْكَ دارَكْتَني بهِ

وأحْيَيْتَني لمْ تَبْقَ عيْنٌ ولا أثَرُ

فأوْجَدْتَ منّي فائِتاً أيَّ فائِتٍ

وأنْشَرْتَ ميْتاً ضمّ أشْلاءَهُ قَبْرُ

بدأْتَ بفَضْلٍ لمْ أكُنْ لعَظيمِهِ

بأهْلٍ فحلّ اللُّطْفُ وانفرَجَ الحَصْرُ

وطوّقْتَني النّعْمى المُضاعَفةَ التي

يقِلُّ علَيْها الحمْدُ منّيَ والشُّكْرُ

وأنتَ بتَتْميمِ الصّنائِعِ كافِلٌ

الى أن يعودَ الجاهُ والعِزُّ والوَفْرُ

جَزاكَ الذي سَنّى مقامَكَ عِصْمَةً

يُفَكُّ بِها عانٍ ويُنْعَشُ مُضْطَرُّ

إذا نحْنُ أثْنَيْنا عليْكَ بمِدْحَةٍ

فهيْهاتَ يُحْصى الرّمْلُ أو يُحْصَرُ القَطْرُ

ولكنّنا نأتي بِما نسْتَطيعُهُ

ومَنْ بذَلَ المَجْهودَ حُقّ لهُ العُذْرُ

معلومات عن لسان الدين بن الخطيب

لسان الدين بن الخطيب

لسان الدين بن الخطيب

محمد بن عبد الله بن سعد السلماني اللوشي الأصل، الغرناطي الأندلسي، أبو عبد الله، الشهير بلسان الدين ابن الخطيب. وزير مؤرخ أديب نبيل. كان أسلافه يعرفون ببني الوزير. ولد ونشأ..

المزيد عن لسان الدين بن الخطيب

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة لسان الدين بن الخطيب صنفها القارئ على أنها قصيدة رومنسيه ونوعها عموديه من بحر الطويل


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس