الديوان » العراق » معروف الرصافي »

ما للديار تراءى وهي أطلال

عدد الأبيات : 43

طباعة مفضلتي

ما للديار تراءى وهي أطلال

هل خفّ بالقوم عنها اليوم ترحال

كانت بها السمرات الخضر زاهية

واليوم لا سمر فيها ولا ضال

ما بالها وهي أنقاض مبعثرة

تغبرّ فيهن أبكار وآصال

هل هذّ بنيانها من فوقُ صاعقة

أوهدَ بنيانها من تحتُ زلزال

بل قد عفتها فلم تترك بها أثراً

ريح لها من لهيب النار أذيال

شبّ الحريق بها ليلاً مشيّدةً

فما أتى الصبح إلاّ وهي أطلال

أنارت النار في أطرافها رهجاً

من الدخان كأن النار أبطال

حتى حكت معركاً خرّت بساحته

صرعى بُيوت وأموال وآمال

دار السعادة أمست من تحرّقها

دار الشقاء وقد ضاقت بها الحال

ترنو إلى البحر ترجو نقع غلَتها

لحظ المهّجر إذ يبدو له الآل

تنهال كالرمل بالنيران أدؤرها

حتى تكاد لها الأرواح تنهال

يا ريح مهلاً فلا تُذري الرماد بها

إن الرماد الذي تذرين أموال

قد رُحت للحيّ مذعوراً أيمّمه

ولي عن الزُمَر الباكين تسآل

وفي العراص ديار القوم خاوية

وفي الشوارع نِسوان وأطفال

جلسنَ والشمس فوق الرأس دانية

وللغبار بعرض الحيّ تجوال

ولا خمار فيرددن الغبار به

ولا يقيهنّ حرّ الشمس سربال

حتى وقفت وقلبي كلّه جزع

وأدمعي لجج طوراً وأوشال

ما أنسَ لا أنس أم الطفل قاتلةَ

وفوق وجنتها للدمع تهطال

إني تجرّدت من دنياي حاسرةً

مالي سوى طفليَ الباكي بها مال

أي امرئ بعد هذا اليوم ذي جدة

يَعُولني حيث لا زوج ولا آل

أودى الحريق بدار كنت أسكنها

وكنت من بعضها للقوت اكتال

واليوم أصبحت لا دار ولا وزر

آوي إليه ولا عم ولا خال

أن الحريق خبت نيرانه ومضت

وما خبت في فؤادي منه أو جال

يا ربّ رحماك إني اليوم عاجزة

عمّادها وبظهري منه أثقال

يا رب قد ضقت ذرعاً بالحياة فما

أدري حنانيك ربّي كيف أحتال

وعندما قد شجاني من مقالتها

لفظ يقطعّه في البين أعوال

دنّوت منها قليلاً وهي باكية

ومن بكاها بقلبي هاج بلبال

حتى وقفت وإيناساً لوحشتها

حنَيت رأسي وحني الرأس اجلال

وقلت يا أخت لا تستَيئسي جزعاً

فإنما الدهر ادبار واقبال

أتَجزعين ابتئاساً بين أظهرنا

وكلّنا عنك للبأساء حمّال

مالي أراك بعين اليأس باكيةً

كأنّ أمرك عند القوم اهمال

ألست من أمة أيدي الرجال بها

قد فكّ عنهنّ بالدستور أغلال

حتى لقد أصبحوا أبناء واحدة

في المرزئات وهم في الحكم أشكال

مستعصمين بحبل من أخُوَّتهم

يسمو بهم للعلا فضل وافضال

أمسى التعاضد كالحصن الحصين لهم

إذا تصادم بالأهوال أهوال

فاستبشري اليوم فيما مسّ من ظمأ

بأنّ وردك عند القوم سلسال

وإن حقَّك عول في مساكنهم

وما همو بأداء الحق بخّالَ

تلك التي قد شجتني في مقالتها

وكم لها في نساء الحيّ أمثال

فهل يصدّق قومي ما ظننت بهم

حتى تقوم لهم في المجد أفعال

فالمجد يدرك مرماه البعيد فتىً

رحب الذراعَين طلق الكف مفضال

وأكثر المال حمداً ما يعان به

من عضّهم من نيوب الدهر اقلال

يا قوم هذي سبيل العرف واضحةٌ

فَليمض فيها بكم وخد وارقال

ومَن تك الحال فيها لا تساعده

فليُسعِد النطق أن لم تسعد الحال

معلومات عن معروف الرصافي

معروف الرصافي

معروف الرصافي

معروف عبد الغني البغدادي الرصافي. شاعر العراق في عصره. من أعضاء المجمع العلمي العربي (بدمشق) أصله من عشيرة الجبارة في كركوك، ويقال أنها علوية النسب. ولد ببغداد ونشأ بها في..

المزيد عن معروف الرصافي

تصنيفات القصيدة