الديوان » المغرب » شاعر الحمراء »

رعى الله أيام الصبا واللياليا

عدد الأبيات : 44

طباعة مفضلتي

رعَى اللهُ أيَام الصِّبا واللَّياليَا

وأمطَرَ أوقاتَ الدِّراسةِ هَامِيا

سِنونُ بها الأحلاَمُ يَفتَرُّ ثَغرُها

وتبدُو كما شَاء الشبَابُ زوَاهيَا

زَمانٌ له في طيِّ كلِّ دَقيقَةٍ

لَذائِذُ لا يأتِي بهَا الدَّهرُ ثَانيا

ليالٍ يَبيتُ المَرءُ فيها وَيغتدِى

طَرُوبا مِن الأشجَانِ والهَمِّ خَاليَا

تُضَاحِكهُ الآمالُ وهىَ جميلةٌ

وتبدُو لعينَيهِ الأمَانِي دَوانِيا

فَيحسُب أنَّ الأرضَ عَرشٌ وأنَّهُ

سَيغدُو عَليه جَالسا مُتَعاليا

ويحسِبُ أَن لا شخصَ في الكَون فوقَهُ

ذَكاءً وعِزاًّ لِلنُجوم مُنَاغِيا

وحُسنا وأخلاَقا ووَفرَ سَعادةٍ

وعزماً يردُّ الدَّهرَ إن جاءَ غَازِيا

وعِلماً وآداباً وشِدَّةَ فِطنةٍ

يَرَى ما ورَاءَ الغيبِ كالشَّمسِ بَادِيا

رعَى اللهُ ذاكَ العهدَ رغمَ غُرُورِهِ

وحيَّاه عني بالزُّهُور نَوَاديا

وسُقيا لأيَّام الدراسَة إنَّها

ربيعُ حَياتي ليتَه كانَ بَاقيا

زمانٌ سَمِيري فيه كُتبِي وفِكرَتِي

وطِرسِي وأقلامِي إزاءَ دَواتِيا

اُصاحِبُ أسفارِي نَهارِي وليلَتي

ولم أرَ كالأسفارِ خِلاًّ مُصَافِيا

ولاَ هَمَّ لي إلاَّ دُروسِي وفَهمُهَا

وتَثقيفُ عقلِي واغتِنامُ شَبابيَا

أُطالعُ درسِي ثم ألهُو وبعدَه

أنامُ مَناماً مِلءَ جَفنِىَ هَاديا

فلاَهَمَّ يَغشانِي فَيُقِلقُ مَضجَعِي

ولَم أرَ حُلما مُزعِجا في مَنَاميا

أروحُ وأغدُو في المَسرَّة رافلاً

أردِّدُ في روضِ الأمانِي الأَغَانيا

كَطيرٍ تَقَوَّى ثم طَار مُرَفرِفا

علَى الرَّوضِ في حِضنِ الطبيعَةِ شَادِيا

سلاَمٌ عليهِ مِن زمانٍ سُلِبتُهُ

وَواهاً عليهِ مِن زمَأنٍ صَفالِيا

ووَاعَجَبي أمَّا عجِبتُ لغَيرِ مَن

يَرَى ضَجَراً وقتَ الدِّراسة شَاكِيا

يرومُ بِجِذع الأنفِ لو بَان عَهدُه

فَيُمسِي عَن الأستاذِ والدرسِ نَائِيا

ولو علمَ المغرُورُ قَدرَ مُصَابهِ

لعَضَّ بنَانا للندَامَة دامِيا

فيَا مَن يرَى أن المدارَس سِجنُه

عَدِمتُك غِراًّ في ضلاَلِك غَاويا

فأنتَ برَوضٍ لو فَطنتَ لِحُسنِه

لمَا كنتَ عَنه مُعرِضا مُتَلاهِيَا

أتساَمُ في رَوضٍ زَهت زَهَراتُه

وقامَ علَى أغصَانِه الطيرُ شَادِيا

وتَظمَأُ والماءُ النَّمِيرُ مُدَفق

أمَامَكَ يَجرِي في الجَدَاولِ صَافِيا

ويا مَن يَرى عهَد الدِّراسَةِ محنَةً

رُوَيدَكَ بعدَ اليومِ تَدرِي مَقَاليا

إذا مَا مَضَى عَهدُ التَّعلُّمِ وانقَضَى

وأصبَحتَ مِن سُكرِ الشبِيَبةِ صَاحيا

وسِرتَ إِلى حِضنِ الكُهُولَةِ مُسرِعاً

سَتَلقَى بِميدَان الحَياةِ الدَّواهِيا

فتندَمُ لو كانت تُفيدُ نَدَامةٌ

وتُمسي علَى عَهدِ الدِّراسَةِ باكيا

نَصَحتُكَ دَع عَنكَ السَّآمةَ واغتَنِم

لَذائذَ لا تَلقَى لَهُنَّ ثَوانِيا

فَديتُكَ خَلِّ الوَهمَ والهمَّ واغتنم

لذائذَ أيَّامِ الشَّبَابِ غَوَالِيا

فأنتَ بِرَوضٍ عَن قَريبٍ يَؤمُّهُ

خريفٌ يُعَفِّيه فَيُصبِحُ ذَاويا

غَداً وامُصَابَاهُ تَتِمُّ دِرَاسَتِي

وأُصبِحُ مِن بردِ الشَّبيَبة عَارِيَا

وداعاً وداعاً يا شبَابي فإنَّنِي

أُرَانِي برَغمِي في الكُهُولَةِ سَاعيا

وإنِّي عَلى أقوَى يَقينٍ بِأَنَّنِي

اُفارقُ فيك اليومَ جُلَّ هَنَائِيا

فَإنِي عَلَى أبوابِ مُعتَركٍ به

خُطُوبٍ وأهوالٍ تُشِيبُ النَّواصِيَا

سَأدخُلُ لا أدرِي أَأَقضِي بصَدمةٍ

حَياتِي شَقِيا أم سَأخرُجُ نَاجِيا

ولَستُ بِرَاجٍ في الكُهُولَةِ لَذَّةً

بحَسبي نَجاتِي لا علَىَّ ولاَ لِيا

وَداعاً وَداعاً لاَ مُلاَقاة بَعدَهُ

وداعاً وداعاً ياخَلِيلِي المُوَاليا

وليسَ كَثيراً يا شَبابِي إذا جَرَى

عليكَ سَخِينا دَمعُ عينِىَ نَائِيا

وَداعاً وداعاً يا دُروسِي فَإنَّنِي

اُرَانِي برَغمِي عن مَغانِيكَ نَائِيا

ولو ملَكَت نفسِي زِمامَ اختِيارهَا

لَقَضَيتُ عُمرِي في المدَارِسِ ثَاويا

ولكنَّهُ دهرٌ لَجوجٌ مُعاكسٌ

يَعزُّ عليه أَن أنالَ مَرَاميا

معلومات عن شاعر الحمراء

شاعر الحمراء

شاعر الحمراء

حمد بن إبراهيم ابن السراج المراكشي، المعروف بشاعر الحمراء (مراكش) ويقال له ابن إبراهيم. شاعر، كان أبوه سراجا، أصله من هوارة إحدى قبائل سوس. ومولده ووفاته بمراكش. تعلم بها وبالقرويين...

المزيد عن شاعر الحمراء

تصنيفات القصيدة