الديوان » العصر المملوكي » الشريف المرتضى »

سل الجزع أين المنزل المتنازح

عدد الأبيات : 52

طباعة مفضلتي

سَلِ الجِزْعَ أينَ المنزلُ المتنازحُ

وهل سَكَنٌ غادٍ من الدّار رائحُ

وَقَد كنتُ قَبل البينِ أَكتتمُ الهوى

فباح به دمعٌ من العين سافحُ

يَجود وَإِنْ أَزرى وأنَّبَ ناصحٌ

ويهمِي وإنْ أغرى وألّبَ كاشحُ

ألا إنّ يوماً نلتُ فيه مُنى الهوى

برغم العدى يومٌ لَعَمْركَ صالحُ

ولمّا تلاقينا بشِعْبِ مُغَمِّسٍ

على شَرَفٍ فيه الوكورُ الجوارحُ

خَلَطنا نُفوساً بالنفوسِ صبابةً

وَضاق اِعتناقٌ بيننا وتصافحُ

وليلةَ أضْللنا الطّريقَ إليكُمُ

فَلم يهدِ إلّا العنبرُ المتفاوحُ

وَإلّا سَقيطُ الدرّ زعزع سِلكَهُ

غُصونٌ تثنّيها الرّياحُ النّوافحُ

فإِنْ لم يُشَافِهنا بكمْ أبطَحُ الحِمى

فلا سُقيتْ ماءَ السّحاب الأباطحُ

وإنْ لم تكنْ تلك المسارحُ مُلتقىً

لأهل الهوى فلا عَمِرْن المسارحُ

يضَنّونَ بالجدوى عليَّ وإنّني

لأمنحهُم مِن خيرِ ما أنا مانحُ

وَمن قبلُ شَاقَتنِي وَنَحنُ عَلى مِنى

حمائمُ من فرعِ الأراكِ صوادحُ

ينُحْنَ ولم يُضمِرْنَ شجواً وإنّما

شَجىً وَاِشتِياقاً ما تنوحُ النّوائحُ

فللهِ يَومُ الحُزْنِ حين تطلّعت

لنا من نواحيهِ العيونُ الملائحُ

شَبَبْن الهوى فينا وهنّ سوالِمٌ

وغادرننا مَرْضى وهنّ صحائِحُ

أمِنْ بعد أنْ دُسْتُ الثّريَّا بأَخمصي

وطأطأ عنِّي الأبلخُ المتطامحُ

تَرومين أَنْ أَغنى بِدارِ دناءَةٍ

ولِي عن مقامِ الأدنياءِ منادِحُ

وَقد عَلمتْ أحباءُ فِهْرِ بن مالكٍ

بأنِّيَ عن تلك العَضائِهِ نازحُ

وأنَّيَ لا أدنو من الرّيبةِ الّتي

تسامحُ فيها نفسُه من تسامحُ

وأنِّيَ لا أرضى بتعريضِ معشرٍ

يُذعذِعُ عِرْضِي قولُهُ وهو مازِحُ

يَحُزّ فلا يدرِي لمن هو جارحٌ

ويقدح لا يدرِي بما هو قادحُ

وما غرّنِي من مومضٍ فيَّ مِدْحَةً

وَما غَرّت الأقوامَ إلّا المَدائحُ

وَلَولا فَخارُ الملكِ ما كنتُ ثاوياً

وَرَحلي عَلى ظهرِ المطيّةِ بارحُ

وَلا طالعاً إِلّا مخارمَ لم يكنْ

ليطلعها إلّا الشّجاعُ المُشايحُ

وقلْقَلَها رُكبانُها نحو بابِه

كما طاح من أعلامِ ثَهْلانَ طائحُ

إِذا ما بَلغناه فَقل لمطيِّنا

حرامٌ على أخفافكُنَّ الصّحاصِحُ

أنِخْنَ بمنْ لا نبتغِي بَدَلاً بهِ

فما ضرّ شيئاً أنّكنَّ طَلائحُ

بحيثُ الجفانُ الغُرُّ تُفْهَقُ للقِرى

ملاءً وميزانُ العطيّةِ راجحُ

إِلى ملكٍ لا يأْلَفُ الهَزْلَ جدُّهُ

ولا تُضمرُ الفحشاءَ منه الجوانحُ

وَقورٌ وأحلامُ الأنامِ طوائشٌ

وَيبدِي اِبتِساماً والوجوه كوالحُ

سَقى اللَّه أيّاماً لَنا في ظِلالِهِ

فَهُنّ لأظلامِ الزّمانِ مصابحُ

ليالِيَ تنهَلُّ الأَمانيُّ حُفَّلاً

عَلينا كَما اِنهلّتْ غيومٌ طوافحُ

وَلَمّا تَناهبنا الثّناءَ بفضلِهِ

وجاشتْ بما تولِي يداهُ القرائحُ

ثناءً كنشرِ المندلِيِّ تعبّقتْ

بهِ في اِبتِلاجِ الصّبحِ هوجٌ بوارحُ

تَقاصر عن علياءِ مَجدك قائلٌ

وَقصّر عن إتيانِ حقّك مادحُ

وَمَن كَتم النُّعْمى عن النّاس راجياً

تناسِيَها نمّتْ عليه المنائحُ

وَقد عَلِموا لَمّا عرا الملكَ داؤهُ

وَلا مَنهجٌ يَشفِي من الدّاءِ واضحُ

بِأنّك عَن ساحاتِه الدّاءَ طاردٌ

وَأَنّك عَن أكتادِه الثِّقْلَ طارحُ

وَما شَعروا حتّى صَبَحْتَ دِيارَهُمْ

بِمَلمومَةٍ فيها القنا والصّفائحُ

وَجُردٍ تَهاوى كالقِداحِ أجالَهَا

على عَجَلٍ يبغِي الغِلابَ مُرابحُ

فَما رمْتَ حتّى الطّيرُ تعترِقُ الطُّلى

وَحتّى جَبينُ التُّربِ بالدّمِ راشحُ

وكَم لكَ من يومٍ له أَنت حاقرٌ

وَفي مثلِهِ نُجْحٌ لو اِنّك ناجحُ

أتيتَ بِهِ عَفواً مراراً ولم يَطُرْ

سِواك بهِ في عمرهِ وهوَ كادحُ

وَما أَنا إلّا من مَدَدْتَ بِضَبْعِهِ

إلى حيثُ لا ترنو العيونُ الطّوامحُ

أَروحُ وأَغدو كلّ يومٍ وليلةٍ

وظَهْرِيَ من أعباءِ سَيْبِكَ دالحُ

أَأنساك تُدنيني إلى الجانِبِ الّذي

نصيبيَ فيهِ من عطائك رابحُ

وَتوسِعُ لي في مَشهدِ القومِ موضعاً

تضيق بهِ مِنهمْ صدورٌ فسائحُ

فَما أَنا إلّا في رِياضك راتعٌ

وَلا أَنا إِلّا مِن زنادكَ قادحُ

هَنيئاً بِيَومِ المِهْرَجانِ فإنّهُ

وَكلَّ زَمانٍ نَحوَ فَخرك طامحُ

تَعِزُّ بكَ الأيّامُ وهيَ ذَليلةٌ

وَتَسخو اللّيالي منك وهْيَ شحائحُ

فَهذا أَوانٌ مِيسمُ اليُمْنِ بَيِّنٌ

عَليهِ وعُنوانُ السعادةِ لائحُ

وَلا زِلتَ تَستقرِي الزّمانَ وأهلَهُ

لَكَ الخلدُ فيهِ وَالمَدى المتطاوحُ

معلومات عن الشريف المرتضى

الشريف المرتضى

الشريف المرتضى

علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم، أبو القاسم، من أحفاد الحسين بن علي بن أبي طالب. نقيب الطالبيين، وأحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر. يقول بالاعتزال...

المزيد عن الشريف المرتضى

تصنيفات القصيدة