الديوان » العصر الاموي » النابغة الشيباني »

ألا طال التنظر والثواء

عدد الأبيات : 113

طباعة مفضلتي

أَلا طالَ التَنَظُّرُ وَالثَواءُ

وَجاءَ الصَيفُ وَاِنكَشَفَ الغِطاءُ

وَلَيسَ يُقيمُ ذو شَجَنٍ مُقيمٍ

وَلا يَمضي إِذا اِبتُغِيَ المَضاءُ

طَوالَ الدَهرِ إِلّا في كِتابٍ

لِمِقدارٍ يُوافِقُهُ القَضاءُ

وَلا يُعطى الحَريصُ غِنىً لِحِرصٍ

وَقَد يَنمي لِذي الجودِ الثَراءُ

غَنِيُّ النَفسِ ما اِستَغنَت غَنِيٌّ

وَفَقرُ النَفسٍ ما عَمِرَت شَقاءُ

إِذا اِستَحيا الفَتى وَنَشا بِحِلمٍ

وَسادَ الحَيذَ حالَفَهُ السَناء

وَلَيسَ يَسودُ ذو وَلَدٍ وَمالٍ

خَفيفُ الحِلمِ لَيسَ لَهُ حَياءُ

وَمَن يَكُ ذا حَياً لَم يُلقِ بُؤساً

يَنُخ يَوماً بِعَفوَتِهِ البَلاءُ

تَعاوَرَهَ بَناتُ الدَهرِ حَتّى

تُثَلِّمَهُ كَما اِنثَلَمَ الإِناءُ

فَكُلُّ شَديدَةٍ نَزَلَت بِحَيٍّ

سَيَأتي بَعدَ شِدَّتِها الرَخاءُ

فَقُل لِلمُتَّقي حَدَثَ المَنايا

تَوَقَّ فَلَيسَ يَنفَعُكَ اِتِّقاءُ

وَلا تُبكِ المُصابَ وَأَيُّ حَيٍّ

إِذا ما ماتَ يُحييهِ البُكاءُ

وَقُل لِلنَفسِ مَن تُبقي المَنايا

فَكُلُّ حينٍ يَنفَعُها العَزاءُ

تَعَزَّي بِالأَسى في كُلِّ حَيٍّ

فَذلِكَ حينَ يَنفَعُها العَزاءُ

سَتَفنى الراسِياتُ وَكُلُّ نَفسٍ

وَمالٍ سَوفَ يَبلُغُهُ الفَناءُ

يُعَمَّرُ ذو الزَمانَةِ وَهُوَ كَلٌّ

عَلى الأَدنى وَلَيسَ لَهُ غَناءُ

وَيَردى المَرءُ وَهُوَ عَميدُ حَيٍّ

وَلَو فادَوهُ ما قُبِلَ الفِداءُ

إِذا حانَت مَنِيَّتُهُ وَأَوصى

فَلَيسَ لِنَفسِهِ مِنها وِقاءُ

وَكُلُّ أُخُوَّةٍ في اللَهِ تَبقى

وَلَيسَ يَدومُ في الدُنيا إِخاءُ

أَصِب ذا الحِلمِ مِنكَ بِسَجلِ وُدٍّ

وَصِلهُ لا يَكنُ مِنكَ الجَفاءُ

وَلا تَصِلِ السَفيهَ وَلا تجِبهُ

فَإِنَّ وِصالَ ذي الخَرَباتِ داءُ

وَإِنَّ فراقَهُ في كُلِّ أَمرٍ

وَصَرمَ حِبالِ خُلَّتِهِ شِفاءُ

وَضَيفَكَ ما عمرتَ فَلا تُهِنهُ

وَآثِرهُ وَإِن قَلَّ العَشاءُ

وَلا تَجعَل طَعامَ اللَيلِ ذُخراً

حِذارَ غَدٍ لِكُلِّ غَدٍ غداءُ

وَكُلُّ جِراحَةٍ تُوسى فَتَبرا

وَلا يَبرا إِذا جرَحَ الهَجاءُ

يُؤَثِّرُ في القُلوب لَهُ كُلومٌ

كَداءِ المَوتِ لَيسَ لَهُ دَواءُ

وَحَوكُ الشِعرِ ما أَنشَدتَ مِنهُ

يُزايِلُ بَينَ مُكفَئِهِ الغِناءُ

فَيَنفي سَيِّىءَ الإِكفاءِ عَنهُ

كَما يُنفى عَنِ الحَدَبِ الغُثاءُ

غُثاءُ السيلِ يَضرَحُ حَجرَتَيهِ

تَجَلَّلهُ مِنَ الزَبَدِ الجُفاءُ

مِنَ الشُعَراءِ أَكِفّاءٌ فُحولٌ

وَفَرّاثونَ إِن نَطَقوا أَساءوا

فَهَل شِعرانِ شِعرُ غِناً وَحكم

وَشِعرٌ لا تَعِيجُ بهِ سَواءُ

فَإِن يَكُ شاعِرٌ يَعوي فَإِنّي

وَجَدتُ الكَلبَ يَقتُلُهُ العُواءُ

وَإِن جَرِبَت بَواطِنُ حالِبَيهِ

فَإِنَّ العَرَّ يَشفيهِ الهِناءُ

وَقُلتُ لِمَن أَبُثُّ إِلَيهِ سِرّي

وَيَنفَعُني وَإِيّاهُ الخَلاءُ

أَلا يا هِندُ هَل تُحيِينَ مَيتاً

وَهَل لِقُروضِنا أَبَداً أَداءُ

أَحَلَّأتِ النُفوسَ لِتَقتُليها

وَهُنَّ إِلى مَناهِلُكُم ظِماءُ

أُديمُ صَفاءَها رَيدومُ عَهدي

وَإِن طالَ التَعاشُرُ وَالصَفاءُ

فَإِن يكُ أَهلُنا ناءوا وَبانوا

وَبانَ بِها أَقارِبُها وَناءوا

فَقَد أَعفو مَنازِلَها بِفَلجٍ

وَفي آياتِ دِمنَتِها اِمتِحاءُ

تَراوَحَها مِنَ الأَرواحِ هُوجٌ

كَأَنَّ نَخيلَ تُربَتِها هَباءُ

وَكُلُّ مُجَلجِلٍ دانٍ زَحوفٍ

تَشابَهَ غَيمُهُ فيهِ اِستِواءُ

كَأَنَّ عَلى غَوارِبِهِ زَحوفاً

لَها لَجَبٌّ يَصُمُّ بِهِ الدُعاءُ

كَأَنَّ دِفافَ مَأدبُةٍ وَعُرسٍ

وَرَجّازٍ يُجاوِبُهُ الحُداءُ

وَنوحَ مَآتِمٍ وَحَنينَ عودٍ

يُجاوِبُها مِنَ النَعَمِ الرُغاءَ

عَلى أَعجازِهِ إِذ لاحَ فيهِ

سُيوفُ الهِندِ أَخلَصَها الجِلاءُ

إِذا اِنسَحَّت دلاءُ الماءِ مِنهُ

أَمَدَّتهُ بِسافِكِها الدِلاءُ

فَلَيسَ حَفِيلَهُ كَحَفيلِ غَيثٍ

وَلا كَمِياهِهِ في الأَرضِ ماءُ

قَرارُ الأَرضِ مِمّا صَبَّ فيها

لَهُ حُبُكٌ مُوَكَّرَةٌ مِلاءُ

فَأَقلَعَ وَالشَمالُ تَحِنُّ فيهِ

بِكُلِّ قَرارَةٍ مِنهُ إِضاءُ

فَأَعقَبَ بَقلُهُ نُوراً تُؤاماً

كَلَونِ الرَقمِ حَطَّ بِهِ الفِلاءُ

وَنورُ البَختَرِيَّةِ وَالخُزامى

وَحَنوَتِهِ لِبُهجَتِها بَهاءُ

فَقَد جُنَّت كَواكِبُهُ جُنوناً

لَها صَبَحٌ إِذا اِرتَفَعَ الضَحاءُ

إِذا اِغتَبَقَت مِن الأَنداءِ طَلا

فَإِنَّ صَبوحَها مِنها رَواءُ

فَأَوحَشَ رَبعُها وَعَفَت رِياضٌ

تَوَلَّدُ في كَواكِبِها الظِباءُ

بِها سُفعٌ مُوَلَّعَةٌ هِجانٌ

هَوامِلُ لا تُطَرِّدُها الضِراءُ

كَأَنَّ جُلودَها إِذ بانَ عَنها

نَسيلُ الصَيفِ بِالصَيفِ المُلاءُ

لَهُنَّ جَآذِرٌ نَعَسَت فَنامَت

عَواقِدُ في سَوالِفِها اِنثِناءُ

وَعاناتٌ يُطَرِّدُها فَحولٌ

نَواشِطُ في أَياطِلِها اِنطِواءُ

تَرومُ حِيالَها وَتَصُدُّ عَنها

لَواقِحَ مِن صَعابَتِها الإِباءُ

فَكُلُّ هَجَنَّعٍ تَحنو إِلَيهِ

نَقانِقُ في بَلاعِمِها التَواءُ

كَأَنَّ ظُهورَها حُزَمٌ أَنابَت

بِها أُصُلاً إِلى الحَيِّ الإِماءُ

فَعُجتُ عَلى الرُسومِ فَشَوَّقَتني

وَلَم يَكُ في الرُسومِ لَنا جَداءُ

فَناجَيتُ الرُسومَ فَلَم تُجِبني

وَقَد نادَيتُ لَو نَفَعَ النِداءُ

وَدَوِّيٍّ يَصيحُ بِها صَداها

كَأَنَّ صِياحَهُ فيها مُكاءُ

تَفَجَّعُ هامُها وَالبومُ أُصلاً

كَما صَرَخَت عَلى المَيتِ النِساءُ

لِأَسرابِ القَطا فيها عِيالٌ

مُعَرَّسُها وَمَجثَمُها الفَضاءُ

تَوائِمُ كَالكُلى زُغبٌ ضِعافٌ

تَضَمَّنَها الأَفاحِصُ وَالعَراءُ

تَبِصُّ كَأَنَّها عُجُزٌ فَوانٍ

وَقَد بَثِرَت وَلَيسَ لَها عِفاءُ

كَأَنَّ بِهِنَّ زَرنيخاً مَدوفاً

بِها لَصِقاً كَما لَصِقَ الغِراءُ

إِذا اِستَسقَت مَطاعِمَ أَنهَضَتها

فَوَلَّت مِن غَرائِزِها النَجاءُ

مَوارِدُها مِياهُ العِرقِ تَوّاً

وَماءُ القُطقُطانَةِ وَالحِساءُ

تَراطَنُ بَينَها بِكلامِ عُجمٍ

وَأَكبَرُ ما تَهُمُّ بِهِ الرَحاءُ

فَخَلَّفَتِ الدَعاثِرَ ثُمَّ عَبَّت

لِكُلِّ ثَمالَةٍ مِنها سِقاءُ

مَتى تَنهَل قَطاةٌ مِن شُروبٍ

يَكُن قُدّامَها مِنهُ اِرتِواءُ

فَأَنهَلَتِ النُفوسَ وَفي الأَداوي

أَمامَ نُحورِها مِنها اِمتِلاءُ

أَداوي لا يَبِضُّ الماءُ مِنها

وَلَيسَ لِمُفرَغٍ مِنها وِكاءُ

فَصَبَّحَتِ الفِراخَ فَأَنهَلَتها

تَغُرُّ حَوائِماً فيها اِنحِناءُ

بِنازِحَةٍ تَرى الثيرانَ ظُهراً

لِكُلِّ مُوَلَّعٍ مِنها خِباءُ

فَخَلَّفتُ الأَباعِدَ مِن صُواها

بِعَنسٍ ما تَخَوَّنَها الخِلاءُ

مُواشِكَةٍ مُقَتَّلَةٍ ذَمولٍ

وَقاحِ الخُفِّ لَيسَ لَها حِذاءُ

كَأَنَّ مُؤَثِّرَ الأَنساعِ فيها

حِجاجُ البِئرِ خَرَّبِها الرِشاءُ

تَمُدُّ زِمامَها مِنها بِسامٍ

مَرُوحٍ في قَوائِمِها اِعتِلاءُ

تَزِيفُ كَما مَشَت خَرقاءُ زافَت

تُعَجِّلُها المَخِيلَةُ وَالرِياءُ

أَؤُمُّ بِها مِن الأَعياصِ مَلكاً

أَغَرَّ كَأَنَّ غُرَّتَهُ ضِياءُ

لِأُسمِعَ مِن غَريبِ الشِعرِ غُرّاً

وَأُثني حَيثُ يُنتَضَلُ الثَناءُ

يَزيدُ الخَيرِ وَهُوَ يَزيدُ خَيراً

وَيَنمي كُلَّما اِبتُغِيَ النَماءُ

وَيَلبَسُ حُلَّةً أَعذَرتُ فيها

عَلَيهِ فَوقَ مِئزَرِهِ الرِداءُ

إِلى الشُمِّ الشَمارِخِ مِن قُرَيشٍ

تَجَوَّبَ عَن ذَوائِبِها العَماءُ

قُرَيشٌ تَبتَني المَعروفَ قِدماً

وَلَيسَ كَما بَنَيتَ لَها بِناءُ

فَضَضتَ كَتائِبَ الأَزدِيِّ فَضّاً

بِكَبشِكَ وَهوَ بِغيَتُهُ اللِقاءُ

وَعادَتُهُ إِذا لاقى كِباشاً

فَناطَحَهُنَّ قَتلٌ وَاِحتِواءُ

يُفَلِّقُ بِالسُيوفِ شَرَنبَثاتٍ

وَيَجسُرُ كُلَّما اِختُضِبَ اللِواءُ

أَبَرتَ عَدُوَّهُم وَعَفَوتَ عَفواً

بِهِ حُقِنَت مِنَ الناسِ الدِماءُ

سَمَكتَ لَهُم بِإِذنِ اللَهِ مُلكاً

كَما سُمِكَت عَلى الأَرضِ السَماءُ

وَأَحيَيتَ العَطاءَ وَكانَ مَيتاً

وَلَولا اللَهُ ما حَيِيَ العَطاءُ

فَفي كُلِّ القَبائِلِ مِن مَعَدٍّ

وَمِن يَمَنٍ لَهُ أَيضاً حِباءُ

وَصَلتَ أَخاكَ فَهوَ وَلِيُّ عَهدٍ

وَعِندَ اللَهِ في الصِلَةِ الجَزاءُ

نُرَجّى أَن يَكونَ لَنا إِماماً

وَفي مُلكِ الوَليدِ لَنا الرَجاءُ

هِشامٌ وَالوَليدُ وَكُلُّ نَفسٍ

تُريدُ لَكَ الفَناءَ لَكَ الفِداءُ

فِناءُ أَبيكَ مَأهولٌ خَصيبٌ

إِذا لَم يُغشَ في المَحلِ الفِناءُ

عِداتُكَ لا يُخافُ الزُهدُ مِنها

إِذا ما خانَ بِالعِدَةِ اللِقاءُ

وَأَنتَ اِبنُ الخَلائِفِ مِن قُرَيشٍ

نَمَوكَ وَفي عَداوَتِهُم إِباءُ

وَعاتَكَةُ الَّتي وَرِثَت كُرَيزاً

وَحَرباً فَالكِرامُ لَها حِواءُ

عَقيلَةُ مِن تَكَرَّمَ مِن قُرَيشٍ

لَها خَشَعَت مِنَ الكَرَمِ النِساءُ

وَعودُكَ مِن أَعالي النَبعِ فَرعٌ

رَفيعٌ لا يُوازيهِ السَراءُ

فَكُلُّ مَناقِبِ الخَيراتِ فيهِ

حَنيكُ العَقلِ آزَرَهُ الفَتاءُ

إِمامُ الناسِ لا ضَرَعٌ صَغيرٌ

وَلا قَحمٌ يُثَلِّمُهُ الذَكاءُ

عَلى الأَعياصِ عِندَكَ حينَ تُعفى

لِمُمتَدِحٍ مِنَ الثَمَنِ الغَلاءُ

وَمُختَبِطينَ مِن بَلَدٍ بَعيدٍ

عَبَأتَ لَهُم سِجالَكَ حينَ جاءوا

كَشَفتَ الفَقرَ وَالإِقتارَ عَنهُم

فَنالوا الخَيرَ وَاِنكشَفَ الغِطاءُ

فَعيصُكَ خَيرُ عيصٍ في قُرَيشٍ

وَهُم مِن كُلِّ سُبّاتٍ بُراءُ

أولاكَ السابِقونَ بِكُلِّ خَيرٍ

إِذا كَذَبَ المُسَبَّقَةَ البِطاءُ

وَخَيرُ المُتهِمينَ بَنو الأَعاصي

كَما خَيرُ الجِبالِ بِها حِراءُ

معلومات عن النابغة الشيباني

النابغة الشيباني

النابغة الشيباني

عبد الله بن المخارق بن سليم بن حضيرة ابن قيس، من بني شيبان. شاعر بدوي، من شعراء العصر الأموي. كان يفد إلى الشام فيمدح الخلفاء، من بني أمية، ويجزلون عطاءه. مدح..

المزيد عن النابغة الشيباني

تصنيفات القصيدة