الديوان » تونس » محمود قابادو »

هاج أجفاني وقلبي المغرما

عدد الأبيات : 92

طباعة مفضلتي

هاجَ أَجفاني وَقَلبي المُغرَما

بارقٌ آنَستهُ من تونسِ

وَيحهُ لو لم يَلح ما عَلما

ما أُواري مِن أُواري الموجسِ

أيّهذا المُذكري ثغراً به

بردُ نظمٍ لاحَ في تلك الشنب

أَشركتَ القلبَ في مذهبهِ

مُستطيراً من وجيبٍ واللهب

يا رَعاكَ اللّه مِن مشتبهٍ

لاحَ في زيّ محبٍّ ومُحَب

إِن يكُن صَوبكَ مزناً شبما

فَدُموعي حرّها كالقبسِ

أَو عَدا وَجدكَ وَجدي بالحِمى

لَم يَزل ذا عارضٌ منبجسِ

نارُ وَجدي وَدموعي في اِقتِران

وَأَرى ومضكَ حيناً خلّبا

عَبرتي تصفرُّ مِنها الوجنتان

وَحَيا دَمعي يُحيي المُجدِبا

دَعكَ مِن دَعوى على غيرِ بيان

لَيسَ مِن جدَّ كَمَن قَد لَعِبا

إنّما الحبُّ مليكٌ ذو حمى

مَن يَحُمه يَغدو نهبَ الحرّسِ

إنّ مِن حكمِ الهَوى أن يسلمَ

أسدُ الغابِ لظبيِ المَكنسِ

وَجههُ تحتَ دُجى طرّتهِ

قَمرٌ في شَفقِ الخدّ اِكتمل

وَكأنّ الخالَ في وجنتهِ

فصُّ جزعٍ صالَ نعمانَ الخَجَل

خافَ أَن يُسفَك مِن رقّته

عِندَما ترنو لِمرآهُ المُقَل

يَنظمُ الدرّ إِذا ما اِبتَسما

ثمّ يُلقيهِ بلفظٍ أنفسِ

تَحسبُ المنثورَ والمُنتَظِما

حَببَ الراحِ بكأسِ اللعسِ

فتنةُ الأبصارِ من عاذرهِ

تَتَوالى في مساءٍ وصباح

وَحُروفُ السحرِ من ناظرهِ

تَتجلّى مِن سهامٍ وصفاح

كَيفَ لا يعدو على حاذرهِ

جَفنهُ الكاسرُ هدباً كالجناح

فَاِجنِ وَاِرشف وردَ خدٍّ ولمى

مُمتعاً بِاللحظِ أَو بالنفسِ

إنّما الثغرُ حبابٌ واللّمى

قَرقفٌ في أكؤسٍ من لعسِ

هاصرٌ دلّ الصّبا من قدّه

غُصُناً طرّزه زهرُ الجمال

مائلٌ أَعطافهُ في صدّهِ

ما توخّاهُ الهوى إلّا ومال

ظلّ فيهِ ذو النهى عن رشدهِ

بينَ شمسٍ ونجومٍ وهلال

عَربَدت مُقلتهُ فَاِحتَشما

وَتَثنّى عطفهُ في ميسِ

تِلكَ راحُ السحرِ أَو راحُ اللّمى

مُسكرٌ بِالوهمِ مَن لَم يحتسِ

وَلَقد حيّى فَأحيانا الأقاح

بِاسمَ الثغرِ بزرٍّ من ذهب

وَغَشى من طيبهِ عَرفَ الصباح

وَغَدا يحجبُ أنوارَ الشهب

هَذِهِ الآمالُ وقفَ الإقتراح

فاِجرِ في ميدانِها مرحَ اللّبب

وَاِنظرِ النارنجَ خضراءَ السما

يُطلعُ الأنجمَ بين الأشمسِ

أَو منَ النارِ قِراها المُعلما

تَجنِ شهداً خَلط ذوبِ العضرسِ

وَاِنظرِ السّوسنَ في أَفنانهِ

كَالطواويسِ بِروضٍ مُرجِحه

وَاِنظرِ الخيريّ في ألوانهِ

كالزنابيرِ تمدّ الأَجنِحَه

وَاِنظرِ البانَ على أغصانِهِ

دُرراً فوقَ رماحٍ رَنِحه

وَكأنّ الصبحَ أَبدى معصماً

في سوارٍ مِن هلالٍ أقعسِ

ذا بنانٌ بِالثريّا ختِّما

قالباً بِالشمسِ ظهر المترسِ

وَاِنظرِ النعمانَ كَم خدّاً جَلا

وَكأنّ الخالَ منهُ غالِيَه

يُشبهُ المقلةَ ممّن يُجتلى

وبَقايا الكحلِ مِنها جارِيَه

أَو مُحيّا الكأسِ يَبدو مِن طُلا

وَشظايا القارِ فيهِ بادِيَه

عادَ عيدُ الروضِ فَاِشهَد موسماً

جُعِلَت فيه أماني الأنفسِ

زَهرُهُ ما بيَن أرضٍ وَسَما

قَد زَكى عرفاً بِطيبِ المغرسِ

أُفقهُ الوضّاح مجلوٌّ صقيل

بَعدَما عبّس حَيناً وَاِحتَجب

صُبِغَت فيهِ بإكسيرِ الأصيل

فضّةُ الغيمِ فسالَت كَالذَهَب

وَاِنجَلى منهُ على خدّ أسيل

ماءُ حسنٍ جالَ في نارٍ تُشَب

وَاِنظرِ الجدولَ كيفَ اِحتَشما

فَتقرّى دوحُها في خلسِ

لَم يَزَل يرفقُ حتّى اِحتكما

وَسَرى مِنها بِمسرى النفسِ

صاحبَ الروضَ بإِخلاصِ الضمير

فَهوَ لا يحملُ أَقذاءَ الرِيَب

كلّما لاحَ لَهُ مَرأىً نضير

صارَ يَزهو بعيونٍ من حَبب

رقّ حتّى اِنسابَ مِن غيرِ خرير

وَلِكَتمِ السرّ فوزٌ بالأرب

تَصدعُ الحصباءُ منهُ أُدُما

يَخفى عَن مرّ النسيمِ السلسِ

وَهوَ مُنسابٌ يُحاكي الأرثما

مُستثيراً أَنعُماً من أبؤسِ

لاثماً مُلتَزِماً سوقَ الشجَر

هيَ منهُ في حجُونٍ مِن لُجين

رُصّعت لَكن بياقوتِ الزَهَر

وَحَصى درٍّ بِها مُكتَنِفين

فَاِنظُر الخضراءَ إِذ مِنها اِنتثر

عقدُ نجمٍ لاِجتماعِ القَمَرين

هَذهِ جنّةٌ خضراءُ السّما

قَد سَقَت وُلدانها بِالأكؤسِ

حُورها أُلحِفنَ سرواً نظّما

في برودٍ وَقدودٍ ميّسِ

هَذه الأطيارُ في خَضرائها

راتعاتٌ في ظلالٍ ونِعَم

فهيَ كَالأملاكِ في أَرجائها

تَنظمُ التسبيحَ في سلكِ النغم

تَبعثُ الأنفسَ من إِغفائها

بِلحونٍ زمِّرت فيها حِكَم

نَبّهَ السعدُ الأماني النوّما

غبّ إغفاءِ العيونِ الحرّسِ

أيّ قلبٍ لم يَصدهُ مُرغماً

كاسرُ الجفنِ الفتور النعسِ

فَاِقتَرع مروةَ سعيٍ منجحِ

وَاِفتَرع ذَروة عزّ أرفعِ

وَاِقتَعِد صهوةَ جدٍّ أمرحِ

وَاِستند طودَ ذمامٍ أمنعِ

مُؤثراً بِالعزمِ مدحَ الأريَحي

السريّ اللّوذعيّ الألمعي

فَهوَ للمدحِ طروبٌ كَرما

طَرب الطيرِ لروضٍ مرغسِ

إِن لَوى وجهاً لِخطبٍ أَظلَما

شِمتَ بدراً سارياً في حندسِ

مُطلعاً زهرَ الأيادي غرراً

فهيَ في دهمِ الليالي كاللآل

وَجَلَت لِلشكرِ روضاً مزهرا

فَهوَ يَشدو للأماني بالآمال

جلّ مَن في صُنعِها قد صوّرا

سورةَ الحمدِ لَه فالكلّ تال

لَم يَزل مِن قبلِ أَن يَحتَلما

طامحَ الهمّ لمجدٍ أقعسِ

رقّ طبعاً وَرسا حِلماً كما

ساغَ ينبوعٌ بطودٍ مرتسِ

أيّها الراتعُ في زهرِ الرياض

إِنّني أَرتعُ في زهرِ الكلم

إِن تَكُن مُغرى بِألحاظٍ مِراض

فَأنا المُغرى بلفظٍ مُنتَظِم

فَاضَ في قَلبي منَ العلمِ حِياض

فَاِرتَوى مِنها بعذبٍ مُنسجم

بَرقُ فِكري كلّما لاحَ هَمى

مِقوَلي بِالعارض المنبجسِ

تَرشفُ الأسماعُ منهُ كلّما

كَمَنت فيهِ حياة الأنفسِ

هاكَها يُنسى بِها ذكرُ العراق

وَلَها لحنٌ كَما راقَ الحسين

هيَ للحرّ اِصطباحٌ وَاِغتباق

مُذهلٌ عَن لذّةٍ بالأطيبين

كلُّ رأسٍ وَفؤادٍ في اِختِفاق

حينَ يُجلى سرُّها في الخافقين

لا أَرى الشعرَ كَلاماً نظِّما

مرّ مُحلَولى بسمعٍ ونسي

بَل أرى الشعرَ مكاناً أُحكما

عُلّقَت أَنفاسهُ بالأنفسِ

قُل لِمَن حاوَلَ شَأوي في القريض

ما اِستَوى ناظمُ ماءٍ ودرر

وَيكَ لا يستنسرُ البغثُ المهيض

فَهوَ لِلباري على عمدٍ حُزِر

ربّما أطمَعَ قَولي من بغيض

فَحَكى الماسَ ببلّور وغُرّ

نَسَفت قول اِبن سهلٍ بعدَما

خارَ دَهراً في سماءِ القومسِ

وَاِزدَرت مِن أهلِ غرناطةَ ما

لِلسانِ الدينِ يُعزى لو نسي

فَاِرقَ من مَدرجِ أسبابِ الكيان

للّذي أَتقنَ صُنعاً كلّ شي

وَتبصّر في مَجاليهِ الحسان

حِكمةَ الظاهرِ في نشرٍ وطي

وَاِحذَرِ الإخفاءَ مِن فرطِ البيان

وَاِعبُر الليّ إِلى ما هو حي

هَل دَرى ظبيُ الحِمى أَن قَد حمى

قلبَ صبٍّ حلّه عن مكنسِ

فَهوَ في حرٍّ وخفقٍ مِثلَما

لَعِبَت ريحُ الصبا بالقبسِ

معلومات عن محمود قابادو

محمود قابادو

محمود قابادو

حمود بن محمد (أبو علي) قابادو التونسي أبو الثناء. شاعر عصره بتونس، ومفتي مالكيتها. أصله من صفاقس. انتقل سلفه إلى تونس، فولد ونشأ بها. وأولع بعلوم البلاغة ثم تصوف، وأكثر..

المزيد عن محمود قابادو