الديوان » مصر » محمود سامي البارودي » هوى كان لي أن ألبس المجد معلما

حلل القصيدة بواسطة BAYAN AI

هَوَىً كَانَ لِي أَنْ أَلْبَسَ الْمَجْدَ مُعْلَمَا

فَلَمَّا مَلَكْتُ السَّبْقَ عِفْتُ التَّقَدُّمَا

وَمَنْ عَرفَ الدُّنْيَا رَأَى مَا يَسُرُّهُ

مِنَ الْعَيْشِ هَمّاً يَتْرُكُ الشَّهْدَ عَلْقَمَا

وَأَيُّ نَعِيمٍ فِي حَيَاةٍ وَرَاءَهَا

مَصَائِبُ لَوْ حَلَّتْ بِنَجْمٍ لأَظْلَمَا

إِذَا كَانَ عُقْبَى كُلِّ حَيٍّ مَنِيَّةٌ

فَسِيَّانِ مَنْ حَلَّ الْوِهَادَ وَمَنْ سَمَا

وَمِنْ عَجَبٍ أَنَّا نَرَى الْحَقَّ جَهْرَةً

وَنَلْهُو كَأَنَّا لا نُحَاذِرُ مَنْدَمَا

يَوَدُّ الْفَتَى فِي كُلِّ يَوْمٍ لُبَانَةً

فَإِنْ نَالَهَا أَنْحَى لأُخْرَى وَصَمَّمَا

طَمَاعَةُ نَفْسٍ تُورِدُ الْمَرْءَ مَشْرَعاً

مِنَ الْبُؤْسِ لا يَعْدُوهُ أَوْ يَتَحَطَّمَا

أَرَى كُلَّ حَيٍّ غَافِلاً عَنْ مَصِيرِهِ

وَلَوْ رَامَ عِرْفَانَ الْحَقِيقَةِ لانْتَمَى

فَأَيْنَ الأُلَى شَادُوا وَبَادُوا أَلَمْ نَكُنْ

نَحُلُّ كَمَا حَلُّوا وَنَرْحَلُ مِثْلَمَا

مَضَوْا وَعَفَتْ آثَارُهُمْ غَيْرَ ذُكْرَةٍ

تُشِيدُ لَنَا مِنْهُمْ حَدِيثاً مُرَجَّمَا

سَلِ الأَوْرَقَ الْغِرِّيدَ فِي عَذَبَاتِهِ

أَنَاحَ عَلَى أَشْجَانِهِ أَمْ تَرَنَّمَا

تَرَجَّحَ فِي مَهْدٍ مِنَ الأَيْكِ لا يَنِي

يَمِيلُ عَلَيْهِ مَائِلاً وَمُقَوَّما

يَنُوحُ عَلَى فَقْدِ الْهَديلِ وَلَمْ يَكُنْ

رَآهُ فَيَا لِلَّهِ كَيْفَ تَهَكَّمَا

وَشَتَّانَ مَنْ يَبْكِي عَلَى غَيْرِ عِرْفَةٍ

جِزَافاً وَمَنْ يَبْكِي لِعَهْدٍ تَجَرَّمَا

لَعَمْرِي لَقَدْ غَالَ الرَّدَى مَنْ أُحِبُّهُ

وَكَانَ بِوُدِّي أَنْ أَمُوتَ وَيَسْلَمَا

وَأَيُّ حَيَاةٍ بَعْدَ أُمٍّ فَقَدْتُهَا

كَمَا يَفْقِدُ الْمَرْءُ الزُّلالَ عَلَى الظَّمَا

تَوَلَّتْ فَوَلَّى الصَّبْرُ عَنِّي وَعَادَنِي

غَرَامٌ عَلَيْهَا شَفَّ جِسْمِي وَأَسْقَمَا

وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا ذُكْرَةٌ تَبْعَثُ الأَسَى

وَطَيْفٌ يُوَافِينِي إِذَا الطَّرْفُ هَوَّمَا

وَكَانَتْ لِعَيْنِي قُرَّةً وَلِمُهْجَتِي

سُرُوراً فَخَابَ الطَّرْفُ وَالْقَلْبُ مِنْهُمَا

فَلَوْلا اعْتِقَادِي بِالْقَضَاءِ وَحُكْمِهِ

لَقَطَّعْتُ نَفْسِي لَهْفَةً وَتَنَدُّمَا

فَيَا خَبَرَاً شَفَّ الْفُؤَادَ فَأَوْشَكَتْ

سُوَيْدَاؤُهُ أَنْ تَسْتَحِيلَ فَتَسْجُمَا

إِلَيْكَ فَقَدْ ثَلَّمْتَ عَرْشاً مُمَنَّعاً

وَفَلَّلْتَ صَمْصَاماً وَذَلَّلْتَ ضَيْغَمَا

أَشَادَ بِهِ النَّاعِي وَكُنْتُ مُحَارِبَاً

فَأَلْقَيْتُ مِنْ كَفِي الْحُسَامَ الْمُصَمِّمَا

وَطَارَتْ بِقَلْبِي لَوْعَةٌ لَوْ أَطَعْتُهَا

لأَوْشَكَ رُكْنُ الْمَجْدِ أَنْ يَتَهَدَّمَا

وَلَكِنَّنِي رَاجَعْتُ حِلْمِي لأَنْثَنِي

عَنِ الْحَرْبِ مَحْمُودَ اللِّقَاءِ مُكَرَّمَا

فَلَمَّا اسْتَرَدَّ الْجُنْدَ صِبْغٌ مِنَ الدُّجَى

وَعَادَ كِلا الْجَيْشَيْنِ يَرْتَادُ مَجْثِمَا

صَرَفْتُ عِنَانِي رَاجِعَاً وَمَدَامِعِي

عَلَى الْخَدِّ يَفْضَحْنَ الضَّمِيرَ الْمُكَتَّمَا

فَيَا أُمَّتَا زَالَ الْعَزَاءُ وَأَقْبَلَتْ

مَصَائِبُ تَنْهَى الْقَلْبَ أَنْ يَتَلَوَّمَا

وَكُنْتُ أَرَى الصَّبْرَ الْجَمِيلَ مَثُوبَةً

فَصِرْتُ أَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَأْثَمَا

وَكَيْفَ تَلَذُّ الْعَيْشَ نَفْسٌ تَدَرَّعَتْ

مِنَ الْحُزْنِ ثَوْباً بِالدُّمُوعِ مُنَمْنَمَا

تَأَلَّمْتُ فِقْدَانَ الأَحِبَّةِ جَازِعَاً

وَمَنْ شَفَّهُ فَقْدُ الْحَبِيبِ تَأَلَّمَا

وَقَدْ كُنْتُ أَخْشَى أَنْ أَرَاكِ سَقِيمَةً

فَكَيْفَ وَقَدْ أَصْبَحْتِ فِي التُرْبِ أَعْظُمَا

بَلَغْتِ مَدَى تِسْعِينَ فِي خَيْرِ نِعْمَةٍ

وَمَنْ صَحِبَ الأَيَّامَ دَهْراً تَهَدَّمَا

إِذَا زَادَ عُمْرُ الْمَرْءِ قَلَّ نَصِيبُهُ

مِنَ الْعَيْشِ وَالنُّقْصَانُ آفَةُ مَنْ نَمَا

فَيَا لَيْتَنَا كُنَّا تُرَابَاً وَلَمْ نَكُنْ

خُلِقْنَا وَلَمْ نَقْدَمْ إِلَى الدَّهْرِ مَقْدَمَا

أَبَى طَبْعُ هَذَا الدَّهْرِ أَنْ يَتَكَرَّمَا

وَكَيْفَ يَدِي مَنْ كَانَ بِالْبُخْلِ مُغْرَمَا

أَصَابَ لَدَيْنَا غِرّةً فَأَصَابَنَا

وَأَبْصَرَ فِينَا ذَلّةً فَتَحَكَّمَا

وَكَيْفَ يَصُونُ الدَّهْرُ مُهْجَةَ عَاقِلٍ

وَقَدْ أَهْلَكَ الْحَيَّيْنِ عَادَاً وَجُرْهُمَا

هُوَ الأَزْلَمُ الْخَدَّاعُ يَخْفِرُ إِنْ رَعَى

وَيَغْدِرُ إِنْ أَوْفَى وَيُصْمِي إِذَا رَمَى

فَكَمْ خَانَ عَهْدَاً وَاسْتَبَاحَ أَمَانَةً

وَأَخْلَفَ وَعْدَاً وَاسْتَحَلَّ مُحَرَّمَا

فَإِنْ تَكُنِ الأَيَّامُ أَخْنَتْ بِصَرْفِهَا

عَلَيَّ فَأَيُّ النَّاسِ يَبْقَى مُسَلَّمَا

وَإِنِّي لأَدْري أَنَّ عَاقِبَةَ الأَسَى

وَإِنْ طَالَ لا يُرْوِي غَلِيلاً تَضَرَّمَا

وَلَكِنَّهَا نَفْسٌ تَرَى الصَّبْرَ سُبَّةً

عَلَيْهَا وَتَرْضَى بِالتَّلَهُّفِ مَغْنَمَا

وَكَيْفَ أَرَانِي نَاسِياً عَهْدَ خُلَّةٍ

أَلِفْتُ هَوَاهَا نَاشِئاً وَمُحَكَّمَا

وَلَوْلا أَلِيمُ الْخَطْبِ لَمْ أَمْرِ مُقْلَةً

بِدَمْعٍ وَلَمْ أَفْغَرْ بِقَافِيَةٍ فَمَا

فَيَا رَبَّةَ الْقَبْرِ الْكَرِيمِ بِمَا حَوَى

وَقَتْكِ الرَّدَى نَفْسِي وَأَيْنَ وَقَلَّمَا

وَهَلْ يَسْتَطِيعُ الْمَرْءُ فِدْيَةَ رَاحِلٍ

تَخَرَّمَهُ الْمِقْدَارُ فِيمَنْ تَخَرَّمَا

سَقَتْكِ يَدُ الرِّضْوَانِ كَأْسَ كَرَامَةٍ

مِنَ الْكَوْثَرِ الْفَيَّاضِ مَعْسُولَةَ اللَّمَى

وَلا زَالَ رَيْحَانُ التَّحِيَّةِ نَاضِرَاً

عَلَيْكِ وَهَفَّافُ الرِّضَا مُتَنَسَّمَا

لِيَبْكِ عَلَيْكِ الْقَلْبُ لا الْعَيْنُ إِنَّنِي

أَرَى الْقَلْبَ أَوْفَى بِالْعُهُودِ وَأَكْرَمَا

فَوَاللَّهِ لا أَنْسَاكِ مَا ذَرَّ شَارِقٌ

وَمَا حَنَّ طَيْرٌ بِالأَرَاكِ مُهَيْنِمَا

عَلَيْكِ سَلامٌ لا لِقَاءَةَ بَعْدَهُ

إِلَى الْحَشْرِ إِذْ يَلْقَى الأَخِيرُ الْمُقَدَّمَا

نبذة عن القصيدة

المساهمات


avatar

محمود سامي البارودي

مصر

poet-mahmoud-samial-baroudi@

374

قصيدة

8

الاقتباسات

3195

متابعين

محمود سامي باشا بن حسن حسين بن عبد الله البارودي المصري (1839–1904)، أحد أبرز روّاد النهضة الشعرية في العصر الحديث، وأول من أعاد للشعر العربي ألقه بعد فترة من الركود. ...

المزيد عن محمود سامي البارودي

اقتراحات المتابعة

أضف شرح او معلومة