الديوان » دين صيد » تذكرت ظلا كان يسري بمرقدي

حلل القصيدة بواسطة BAYAN AI

تَذَكَّرْتُ ظِلًّا كَانَ يَسْرِي بِمَرْقَدِي

فَهَاجَتْ جُرُوحُ الْقَلْبِ وَاللَّيْلُ أَرْمَدُ

وَأَبْصَرْتُ فِي جَوْفِ السُّهَادِ نَزِيفَهُ

كَنَدْبَةِ عَيْنٍ فِي دُجَى اللَّيْلِ تَجْمُدُ

وَأَمْضِي عَلَى آثَارِ ظِلٍّ تَبَدَّدَتْ

يُطَاوِعُنِي حُزْنٌ وَيَشْكُو الْمَسْنَدُ

وَأَسْأَلُ دَارًا قَدْ تَخَلَّفَ أَهْلُهَا

أَيَرْجِعُ مَا وَلَّى الزَّمَانُ وَيَعْتَدُ

وَفِي الرَّمْلِ أَشْدُو وَالْمَسَاءُ يُجَاوِبِي

وَيَخْفِقُ قَلْبِي كَالطَّرِيدِ الْمُشَرَّدُ

وَفَوْقِي سَمَاءٌ لَا تُجِيبُ تَحِيَّتِي

وَتَحْتِي رِمَالٌ فِي المَسِيرِ تُهَدْهَدُ

وَتَبْسُطُ لِي الْبَيْدَاءُ كَفًّا يَبِسَتْ

كَأَنَّ عَلَيْهَا مِنْ جُرُوحِيَ تَرْصُدُ

وَكَمْ طَيْفِ بَانَةٍ أَطَلَّ فَأَوْقَدَا

بِنَارِ الْهَوَى فِي الْجَوْفِ وَالقَلْبُ مُقْيَدُ

إِذَا لَاحَ فِي فَجْرِ الْعُيُونِ بَرِيقُهَا

تَفَتَّقَ فِي صَدْرِي الْحَنِينُ وَيَرْعُدُ

يُجَافِي هَوَانَا كُلَّ سِرْبٍ مُغَرِّبٍ

وَيَحْفَظُهَا سِرِّي إِذَا اللَّوْمُ يُحْشَدُ

تُعَانِقُ نَسْمَاتِ الصَّبَا خُطُوَاتِهَا

فَيَزْهُو الرِّمَالُ وَالْعَبِيرُ يُبَدَّدُ

وَفِي الْبَانِ عِطْرُ اللَّيْلِ حِينَ تَعَرَّقَتْ

خُطَاهَا وَدِفْءُ الصُّبْحِ مِنْهَا يُبَرَّدُ

إِذَا مَالَ تَحْتَ القَيْنَةِ الخِفُّ قَدَمُهَا

تَرَنَّحَ فِي صَدْرِي وَجِيبٌ يُجَلَّدُ

لَهَا كَتِفٌ لَوْ أَنَّهُ مَسَّ سَيْفَهُ

فَتَرَّ مَضَاءُ الحَدِّ فِيهِ وَيَخْمُدُ

وَخَلْخَالُهَا إِذْ حَرَّكَ الرَّمْلَ حَوْلَهَا

تَسَابَقَ فِيهِ النَّبْرُ وَالصَّوْتُ يُشْهَدُ

وَإِنْ ضَحِكَتْ بَانَتْ كَنَجْمٍ تَكَشَّفَتْ

لَهُ سُحُبُ اللَّيْلِ الْبَهِيمُ وَتُبْعِدُ

وَإِنْ أَعْرَضَتْ مَالَ الْخِيَامُ لِظِلِّهَا

كَأَنَّ عَلَى أَرْكَانِهَا الْوَجْدُ يُعْقَدُ

أُقَلِّبُ نَارَ الْبَيْنِ فِي كَفِّ ذِكْرِهَا

فَتَزْدَادُ وَهْجًا وَالجَوَانِحُ تُسْعِدُ

وَأَسْرِي وَظِلُّ الْحَيِّ يَلْفَحُ مُقْلَتِي

فَيَسْتَعْبِرُ الدَّمْعُ الْكَتِيمُ وَيَفْقِدُ

أَسِيرُ وَفِي ظِلِّي أَسًى وَنَسِيمَةٌ

تُسَامِرُنِي وَاللَّيْلُ فِي الْوَجْدِ يَسْهَدُ

يُجَادِلُنِي ذِئْبُ الْفَلَاةِ بِعَيْنِهِ

فَيَعْرِفُ أَنَّ الْعَاشِقِينَ تُبَدَّدُ

إِذَا مَالَ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ تَتَبَّعَتْ

خُطَايَ خُطَاهُ وَالقُلُوبُ تَرَعْرَعُدُ

وَإِنْ أَغْلَقَتْ عَيْنَايَ نَارُ صَبَابَتِي

تَوَهَّجَ جَمْرُ الْبَوْحِ وَالسِّرُّ يُحْشَدُ

وَإِنْ أَقْبَلَ السُّهْدُ الْقَدِيمُ تَنَفَّسَتْ

جِرَاحِي وَفِي الأَحْشَاءِ جَمْرٌ يُجَدَّدُ

أَمُرُّ عَلَى أَطْلَالِ حَيٍّ تَنَاثَرُوا

كَأَنِّي عَلَى صَدْرِ الرَّمَادِ أُرَدِّدُ

وَأَنْظُرُ فِي أَعْيَانِهِمْ مُتَخَيَّلًا

كُحُولًا مَحَتْهَا الرِّيحُ وَالدَّمْعُ يَزْبُدُ

فَأَهْتِفُ يَا دَهْرُ أَتَسْتَحْلِي دَمًا

تُهَدِّمُ مِنْهُ الحَيَّ وَالْعَيْشَ تُفْسِدُ

فَهَذَا جَرِيحُ الْحَيِّ لَا جُرْحُ صَابِرٍ

وَهَذَا دَمُ الْعِرْقِ الْعَرِيقِ يُسَهَّدُ

سَرَيْتُ وَقَدْ أَلْقَى الرَّدَى فِي رِكَابِهِمْ

كَرَعْدٍ عَلَى أَطْوَادِ بَيْدَاءَ يَجْلِدُ

وَرُحْتُ أُجَاوِرُ فِي الدُّجَى سَادَتِي الَّذِينَ

إِذَا ذُكِرُوا فِي الْحَيِّ قَامَ المَجْدُ يَشْهَدُ

وَيَهْمِسُ لِي عَظْمُ الرِّمَالِ هُمُو الأُلَى

إِذَا جَاعَ فِي اللَّيْلِ الطَّرِيدُ تَسَدَّدُوا

فَقُلْتُ: أَنَا الْقَبْرُ الَّذِي فِي ظِلَالِكُمْ

يُقِيمُ عَلَى الذِّكْرَى وَمَنْ غَابَ يُفْقَدُ

وَلَمْ أَعُدِ الْمَكْوِيَّ وَحْدِي بِنَارِهَا

فَفِي الْكَفِّ جَمْرُ الْحَيِّ وَالصَّدْرُ يُوقَدُ

أُقَبِّلُ تُرْبَ الْبَيْدِ إِنْ طَالَ نَائِحِي

وَيَحْجُبُنِي جَلْدٌ عَلَى الْكَمَدِ يُحْمَدُ

فَإِنِّي إِذَا ضَاقَتْ بِيَ الأَرْضُ لَمْ أَزَلْ

أُفَجِّرُ فِي صَدْرِي الْمَسَافَاتِ وَأَصْمُدُ

وَيَبْقَى صَدَى الرَّاحِلِينَ بِمَسْمَعِي

كَنَبْضٍ قَدِيمٍ فِي الدِّمَاءِ يُجَدَّدُ

فَدَعْ عَنْكَ وَحْدَتِي فَإِنِّي رِحْلَةٌ

يَمُوتُ بِهَا الآخَرُونَ حَتَّى يُخَلَّدُوا

وَإِنِّي لِقَوْمٍ كَانَ جَلْدِيَ عِزَّهُمْ

وَمَا خَانَ عَهْدَ الْبَيْدِ قَلْبٌ يُسَيَّدُ

فَإِنْ جَارَنِي دَهْرٌ، وَضَاقَتْ رِكَابُهُ

فَفِي الْعَزْمِ نَارٌ لِلْمَسِيرِ تُؤَيَّدُ

وَيَبْقَى قِنَاعُ الرَّمْلِ يَحْمِي وُجُوهَنَا

إِذَا نَفَخَتْ رِيحُ الْخُطُوبِ وَتَزْبِدُ

وَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تُعِيدُ نَوَائِبُهْ

غَرِيبَ الدِّيَارِ أَمْ تُبَدِّدُهُ النَّكْدُ؟

فَمَا الْغُرْبَةُ الْكُبْرَى سِوَى أَنْ تَرَى الَّذِي

أَحَبَبْتَ يُوَارَى وَالْحَنِينُ يُجَدَّدُ

وَأَحْمِلُ فِي جِلْدِي رُسُومَ مَسِيرَةٍ

تَنُوءُ بِهَا الأَيَّامُ وَاللَّحْدُ يَشْهَدُ

وَأَسْمَعُ مِنْ عَظْمِ الرِّمَالِ حَدِيثَهُمْ

فَأَعْرِفُ أَنَّ الْمَجْدَ وَالْعِرْقَ أَوْحَدُ

وَيَبْقَى أَثَرُ الرَّاكِبِ الْحَائِرِ فِي الدُّجَى

يُغَافِلُهُ النَّجْمُ الْقَدِيمُ وَيَصْمُدُ

وَإِذَا أَدْلَجَتْ خَيْلُ الظَّلَامِ بِمَهْمَهٍ

أُنَاجِي خُطَايَ وَالسُّرَى فِيَّ تُؤَكَّدُ

فَإِنِّي إِذَا أَدْلَجْتُ فِي اللَّيْلِ وَحْدَتِي

يُجِيبُنِي الْبَيْدُ امْضِ فَالْمَجْدُ يُولَدُ

فَمَا الْعُمْرُ إِلَّا خُطْوَةٌ فِي فَلَاتِنَا

يُزَكِّي لَظَاهَا الْحُرُّ إِنْ لَمْ يُقَيَّدُ

وَإِنْ سَكَنَتْ عَنَّا السُّيُوفُ رَمَازَهَا

بَقِينَا رِمَاحَ الْجَلْدِ وَالمَجْدُ أَمْجَدُ

وَأَمْشِي عَلَى آثَارِ وَحْشٍ وَنَاقَةٍ

وَيَشْهَدُ هَذَا الْبَيْدُ أَنِّي مُوَحَّدُ

وَأَرْفَعُ كَفِّي نَحْوَ وَجْهِ الْمَغَانِي

لَعَلَّ بِأَطْلَالِ الْخِبَاءِ أُوَطَّدُ

وَفِي ظِلِّ نَجْمٍ كَانَ يُنْذِرُ رِحْلَتِي

أَقِيسُ خُطَايَ وَاللَّيَالِي تُرَدَّدُ

وَيَبْقَى وُقُوفِي فِي الرِّمَالِ عَصِيًّا

كَنَخْلِ الْفَلَاةِ لَا يَهُونُ وَيُجْحَدُ

وَإِنْ سِرْتُ فِي سَهْلٍ وَفِي قَفْرَةٍ قَفْرٍ

فَإِنَّ الْكَبِيرَ يَبْقَى وَالشَّجَاعَةُ تُحْمَدُ

وَمِنْ جَمْرِ قَلْبِي يَسْتَضِيءُ لَيْلُهُمْ

وَيُرْوَى فُؤَادِي مَا تَبَقَّى وَيُنْشَدُ

فَإِنِّي إِنِ ارْتَحْتُ فِي الْبَيْدِ وَحْدَتِي

سَتُحْفَظُ لِلْخُلْفَانِ نَارٌ تُوَقَّدُ

وَيُصْبِحُ هَذَا الشِّعْرُ رَكْبَ قَبِيلَتِي

إِذَا ضَلَّ رَكْبٌ فِي الْفَلَاةِ يُرَشَّدُ

نبذة عن القصيدة

المساهمات


معلومات عن دين صيد

دين صيد

26

قصيدة

شاعر وباحث لغوي من أعماق الجنوب الجزائري، وُلِدتُ وفي نفسي ولعٌ لا يُقاوم بجماليات اللغة العربية وبلاغتها. منذ نعومة أظفاري وأنا أتتبّع شغفي بين دواوين الشعراء القدامى، أرشف من معينهم وأسافر في عوالمهم. لم أكتفِ بحفظ الشعر ونظمه، بل شدّني الفضول إلى منابع لغة الضاد.، فغصت في أعماق 'لسان العرب'، وتشرّبت روائع 'المفضليات' و'الأصمعيات'، وغيرها من الكنوز

المزيد عن دين صيد

أضف شرح او معلومة