الديوان » دين صيد » اما تسألينا الدهر ما صنع البلى

حلل القصيدة بواسطة BAYAN AI

أَمَا تَسْأَلِينَا الدَّهْرَ مَا صَنَعَ الْبِلَى

بِرَبْعٍ جَرَى فَوْقَ الرِّمَالِ رَحِيلُهُ

وَكَمْ رَبْعِ حُسْنٍ فِي الفَلَاةِ تَنَاثَرَتْ

مَعَالِمُهُ فَالْعَيْنُ تَبْكِي دَلَائِلُهُ

وَأَسْأَلُ دَارًا قَدْ تَخَلَّفَ أَهْلُهَا

أَيَرْجِعُ يَوْمٌ كُنَّا بِالأَمْسِ نَأْمِلُهُ

وَأَجْلِسُ فِي ظِلِّ الأَثَافِيِّ مُوقِدًا

حَنِينًا وَجَمْرُ الصَّبْرِ فِي الكَفِّ أَوْقِدُهُ

وَأَتْبَعُ آثَارَ الظِّعَانِ وَرَسْمَهَا

عَلَى التُّرْبِ حَتَّى يَعْيَ قَدَمِي وَيُحْفِرُهُ

كَأَنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا

أُجَاوِزُ أَرْحَالَ الرِّكَابِ وَأَلْثِمُهُ

أُزَيِّنُ لِنَفْسِي أَنْ أُشَدِّدَ مَرَّةً

وَيَأْبَى هَوَى الغَزَّالَةِ إِلَّا أُطَاوِلُهُ

ثُمَّ انْثَنَيْتُ إِلَيْكِ وَالدَّمْعُ سَائِحٌ

أُحَدِّثُ قَلْبِي أَيْنَ ظِلِّي أُحَاوِلُهُ

فَقَدْ غَادَرَتْ عَيْنَاكِ فِي كُلِّ مَنْهَلٍ

سَنًا يُضِيءُ الدَّرْبَ وَاللَّيْلُ مُظْلِلُهُ

وَخَدٌّ سَقَى الوَرْدَ العَتِيقَ رُضَابُهُ

فَيَرْوَى لَهُ ظَمْآنُ قَلْبٍ يُقَبِّلُهُ

وَثَغْرٌ كَأَنْ فِيهِ شَهْدًا مُسَالَهُ إِذَا

ابْتَسَمَتْ ضَوْءُ الصَّبَاحِ يُنَزِّلُهُ

وَعَيْنَاكِ إِنْ تَلْقَ القُلُوبُ سَنَاءَهَا

تُطَاطِئُ مِنْهَا حَدَّ طَرْفٍ وَيُذْهِلُهُ

وَقَدٌّ سَلِيلُ الغِزْلِ إِذْ هَزَّ رَخْصَهُ

تَرَنَّحَ فِيهِ الخَطْوُ حَتَّى يُخَيَّلُهُ

وَقَامَتُكِ المَسْقُولَةُ يَرْتَجِفُ النَّدَى

عَلَى خَصْرِهَا وَالرِّيحُ رِقًّا تُدَلِّلُهُ

وَخَصْرٌ إِذَا مَا الْتَفَّ فِي حَلَقَاتِهِ

ظَنَنْتُ بِهِ أَفْعَى الحِمَى وَحَبَائِلُهُ

وَمِشْيَتُكِ الظَّبْيُ السَّرِيعُ إِذَا مَشَى

تَرَنَّحَ رَمْلٌ حَوْلَ خَطْوٍ يُجَمِّلُهُ

وَشَعْرٌ إِذَا مَا أَلْقَتِ اللَّيْلَ ظِلَّهُ

تَدَثَّرَ فِيهِ البَدْرُ حَتَّى يُكَلِّلُهُ

وَعِطْرُكِ لَوْ هَبَّتْ نَسِيمَةُ صُبْحِهِ

عَلَى كَبِدِي أَلْقَى القَتَادُ حَدَّتَهُ

لَقِيتُكِ عِنْدَ المَاءِ وَالمَاءُ نَاضِرٌ

يُجَاوِبُ فِي كَفَّيْكِ ظَمْأً نُبَلِّلُهُ

تَمُدِّينَ كَفًّا بِيضَةً تَحْتَ نُورِهَا

فَيَذُوبُ لُجَيْنُ المَاءِ حَيْثُ يَنْسِلُهُ

فَقُلْتُ أَمَاءٌ ذَا أَمِ النَّدَى أَمْ شَهْدُهُ

فَطَرْفُكِ قَدْ أَغْنَى الجَوَابَ وَأَجْمَلُهُ

أَتَانِي حَيَاءٌ مِنْكِ يَمْشِي مُعَرَّسًا

عَلَى السِّرِّ أَوْ لَيْلٍ يُطِيلُ ذَوَائِلُهُ

فَصِرْنَا كَنَخْلَيْنِ الْتَقَيْنَا عَلَى ظَمَإٍ

وَفِي العَيْنِ مَاءٌ وَالشِّفَاهُ تَرَشْرِفُهُ

ثُمَّ انْفَلَّ يَوْمٌ وَالضُّحَى يَتَعَصْفُ

السَّنَا وَسُيُوفُ البَيْنِ قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ

رَأَيْتُ رِمَاحَ الهَجْرِ تَحْتَ ظِلَالِنَا

تَقُصُّ وِصَالًا كُنَّا أَمْسِ نُطَاوِلُهُ

رَأَيْتُ ظِلَالَ البَيْنِ تَقْصِفُ وَصْلَنَا

كَمَا تَقْصِفُ الرِّيحُ الغُصُونَ وَتَقْلَعُهُ

فَقُلْتُ لِنَفْسِي وَالفِرَاقُ مُخَيِّمٌ

هُنَا المَوْتُ هَذَا ثَوْبُهُ وَمَداخِلُهُ

سَيَذْهَبُ هَذَا الوَجْدُ مِثْلَ غَمَامَةٍ

إِذَا عَاثَ فِيهَا الدَّهْرُ وَالرِّيحُ تُجْفِلُهُ

وَتُبْقِي الرُّسُومَ البِيضَ تَشْهَدُ أَنَّهُ

عَلَى الصَّدْرِ جُرْحٌ وَالزَّمَانُ يُسَجِّلُهُ

وَيَبْقَى عَلَى الأَكُفِّ جَمِيمٌ كَأَنَّنِي

نَثَرْتُ سِهَامَ الذِّكْرِ فِيهِ فَيَحْمِلُهُ

فَلَا تَعْذُلُوا دَمْعِي إِذَا مَسَّ خَدَّهَا

فَإِنَّ هَوَى الظَّبْيَاءِ نَارٌ غَلَائِلُهُ

وَإِنِّي لِقَوْمٍ فِي الوَفَاءِ إِذَا نَأَوْا

أُقِيمُ عَلَى العَهْدِ القَدِيمِ وَأَحْمِلُهُ

وَإِنْ نَابَ خَيْلُ الدَّهْرِ عَنِّي فَإِنَّنِي

عَلَى جَمْرِ هَذَا الوُدِّ صَبْرًا أُرْسِخُهُ

وَمَا رَزِيَّةُ الأَيَّامِ إِلَّا أَرَى الَّذِي

أُحِبُّ يُوَارَى، وَالْوِجْدُ يَعْقِلُهُ

وَأَرْعَى الذِّكَرَى رَعْيَ نَاقَةِ مَهْمَهٍ

إِذَا غَابَ رَعْيَانٌ فَإِنِّي أُكْمِلُهُ

سَأَبْقَى عَلَى عَهْدِ الوِصَالِ مُعَذَّبًا

وَإِنْ غَابَ وَجْهُ الحُسْنِ قَلْبِي يُؤَصِّلُهُ

فَهَذَا هُوَ القَيْدُ الَّذِي لَا فِكَاكَ لَهْ

وَهَذَا هُوَ المَوْتُ إِذَا الحُبُّ يَذْبُلُهُ

إِذَا مَاتَ فِي قَلْبِ الفَتَى وُدٌّ مُحْكَمٌ

فَقَدْ مَاتَ فِيهِ يَوْمُهُ ثُمَّ آجِلُهُ

قِفِي غُدْوَةً عِنْدَ الطُّلُولِ ثُمَّ سِيرِي

فَقَدْ خَلَّفَتْ فِي الرِّيحِ قَلْبًا يُرَجِّعُهُ

فَمَا العَيْشُ إِلَّا غَيْمَةٌ مَرَّ ظِلُّهَا

عَلَى كَبِدٍ وَالوَجْدُ يَبْقَى يُؤَجِّجُهُ

وَإِنْ هَبَّتِ الأَنْوَاءُ فِي وَجْهِ رُكْبِنَا

فَإِنَّ رِمَاحَ العَزْمِ تَبْقَى تُجَادِلُهُ

وَيَبْقَى لَنَا مِنْ بَعْدِ ذَاكَ مُعَلَّمٌ

بِرَمْلِ الفَلَاةِ الحُبُّ عَهْدًا نُخَلِّدُهُ

نبذة عن القصيدة

المساهمات


معلومات عن دين صيد

دين صيد

26

قصيدة

شاعر وباحث لغوي من أعماق الجنوب الجزائري، وُلِدتُ وفي نفسي ولعٌ لا يُقاوم بجماليات اللغة العربية وبلاغتها. منذ نعومة أظفاري وأنا أتتبّع شغفي بين دواوين الشعراء القدامى، أرشف من معينهم وأسافر في عوالمهم. لم أكتفِ بحفظ الشعر ونظمه، بل شدّني الفضول إلى منابع لغة الضاد.، فغصت في أعماق 'لسان العرب'، وتشرّبت روائع 'المفضليات' و'الأصمعيات'، وغيرها من الكنوز

المزيد عن دين صيد

أضف شرح او معلومة