جاري تحليل القصيدة... قد تستغرق العملية بضع ثوانٍ.
ليست مدينةً عادية
هي الموقف الأخير
حين تتعرّى اللغة
وتسقط كل الأقنعة
هناك
يُقاس الإنسان
لا بما يقول
بل بما يحتمله من حق
وهو ينزف
هي ليست الضحية فقط
هي المرآة
ومن لم يحتمل صورته فيها
اتهمها بالكسر
ورماها بالحجارة
هناك
لا يُقصف الحجر فقط
يُقصف تعريف العدالة
وتُحاصر الفكرة
وتُحاكم الكرامة
بتهمة أنها ما زالت حيّة
حين يموت طفل
لا يموت وحده
يسقط معه
خطاب كامل
كان يتغنّى بالإنسان
ويمارس الصمت باحتراف
البيوت تُهدم
لكن المعنى يظل واقفًا
الأجساد تُدفن
لكن الحق يرفض القبور
والخبز يقلّ
لكن الكبرياء
لا يعرف المجاعة
هناك
تتعلم أن القوة
ليست في السلاح
بل في القدرة على أن تقول :
لن أكون نسخةً من جلّادي
لا أحد يطلب الشفقة
الشفقة إهانة للثابتين
المطلوب فقط
أن تعترف الحقيقة بنفسها
وألا يُكافأ القاتل
بصمتٍ أنيق
هناك
الصبر ليس ضعفًا
بل أعلى أشكال التمرّد
وأقسى أنواع الاتهام
للعالم الذي يراقب
ويمضغ أخباره
ثم ينام مطمئنًا
إن بقي هذا المكان واقفًا
بقي للإنسان معنى
وإن سقط
سقط معه
آخر تعريف شريف
لكلمة: كرامة
هو ليس في الأخبار
هو في الضمير
ومن لم يهتز له
لن تهزّه
حقيقة
ولا عدالة
ولا قرب القيامة حتى ..
لأن القيامةَ ليست موعدًا في السماء
بل رجّةٌ في الضمير
ومن لم يرتجف الآن
لن يفهمها ولو قامت
هناك
لا تُكتب الملاحم
هي تُعاش
ولا تُرفع الشعارات
هي تُنزَف
هناك
التاريخ لا يحتاج مؤرّخًا
الدم كافٍ
والركام وثيقة
والصراخ توقيعٌ رسمي
على فشل العالم
هناك
تسقط كل الألقاب
ولا يبقى إلا اسم واحد :
إنسان
إما أن تحمله بكرامة
أو تخسره إلى الأبد
هناك
لا يُطلب النصر سريعًا
النصر الذي يأتي دون ثمن
يشبه الكذبة
المزيّنة بعلم
هناك
الذين بقوا
لم يبقوا لأنهم أقوى
بل لأنهم
رفضوا أن يصبحوا أقل
وهكذا
ليس المكان هو القضية
القضية
أن يبقى في هذا العالم
من يجرؤ أن يرى
ومن يرى
يستحيل أن يصمت
ومن يصمت
لم يكن يومًا
حيًّا بما يكفي
وهناك
يبقى الإيمان آخر ما لا يُقصف
ولا يُحاصَر
ولا يُساوَم عليه
هناك
نعرف أن الله لا ينسى
وأن الدم الذي يسقط ظلمًا
لا يضيع في الهواء
بل يُكتَب في ميزان العدالة الإلهية
حرفًا حرفًا
هناك
نؤمن أن الصمت الإلهي
ليس غيابًا
بل صبرُ قدرة
وأن الانتقام ليس شهوة
بل حقٌّ مؤجَّل
حين تكتمل الحُجّة
هناك
نوقن أن للدم ربًّا
وأن للدموع حسابًا
وأن كل طفلٍ صعد
ترك خلفه سؤالًا
لن ينجو منه أحد
هناك
سيأتي يوم
لا يُسأل فيه الضحية
لماذا صبرت
بل يُسأل القاتل
كيف ظنّ أن الله غافل
هناك
سنفهم أن العدل
لا يسقط بالتقادم
وأن السماء
قد تؤجّل
لكنها لا تُسقِط
وهكذا
لسنا يائسين
نحن ننتظر بعدل
ونؤمن بطمأنينة موجوعة
أن الله
سينتقم لدم الأبرياء
لا غضبًا
بل عدلًا
ولا عجلةً
بل يقينًا
وهناك
ندرك أن الكأس واحدة
وأن الأسماء تتبدّل
لكن الطعم لا يخطئ أحدًا
هناك
كل يدٍ امتدّت بالظلم
ستمدّها يومًا بالندم
وكل قلبٍ نام على الدم
سيصحو على ثقله
هناك
الزمن لا يحمي أحدًا
ولا المسافات
ولا الألقاب
ولا الأعلام
هناك
سيشرب الجميع
من الكأس ذاتها
طال الزمن
أو قصر
فالعدالة لا تضلّ الطريق
وإن طال صمتها
هناك
لن يُنقذ القاتلَ تاريخٌ
ولا خطابٌ
ولا صورةٌ مُلمَّعة
فالحق يعرف وجوههم
واحدًا واحدًا
هناك
نفهم أخيرًا
أن الله لا يعاقب بعجلة
ولا يحكم بانفعال
بل يترك للزمن
أن يُنضج الحساب
وهكذا
نطمئن رغم الوجع
أن لا شيء يضيع
ولا دم يبرد
ولا صرخة تُنسى
فالجميع
سيذوق من الكأس نفسها
ليس انتقامًا أعمى
بل عدلًا كاملًا
حين تكتمل الصورة
ويُغلق ملف الظلم
إلى الأبد
شاعرٌ لا يكتب القصيدة… بل تُولد منه. ابن خانيونس في غزة الجريحة ؛ الأرض التي علّمته أن الجرح قصيدة، وأن الصمود لغة ثانية. من رماد الحرب، ومن قسوة الفقد، صاغ الكلمة سيفًا وملاذًا، وجعل الشعر شهادة قلبٍ لا ينكسر.
وفي الغربة، يكتب كمن يضغط على جرحه كي يبقى واعيًا. يعيش بعيدًا عن وطنه، لكن قلبه لا يهاجر؛ يتوق للتراب الأول، ولليل غزة حين يهدأ فوق البيوت المتعبة. الغربة في شعره ليست مسافة، بل فصول من حنينٍ لا يهدأ.
في قصائده وَقعُ الحقيقة حين تُعرّي نفسها، ونبرة الكبرياء حين يصمت الجميع. يكتب كمن يستعيد وطنًا، ويغزل من الذاكرة أجنحة تحلّق فوق الرماد. لا يطارد الغزل الرخيص، بل يشتغل على الشعر العميق، الواثق، الممهور بالعقل والروح معًا.
يؤمن أن القصيدة ليست وزنًا ونظمًا، بل روحٌ تتجلّى، وأن الشاعر ليس من يصف، بل من يُشهِد الناس على احتراقه. لذلك تأتي قصائده مُحمّلة بضياء التجربة، وصلابة القلب، وأناقة العبارة، لتصبح بصمة تُقرأ ولا تُنسى.
شاعرٌ حين يكتب، يضع قلبًا كاملًا على الورق، ولو كان القلب هناك… في الوطن.