جاري تحليل القصيدة... قد تستغرق العملية بضع ثوانٍ.
جَرْجُوفْ
...... ...... جَرْجُوفْ
جَرْجُوفْ !
رَنَّ الصَّدى في ظلمةِ الكهوفْ
: (جَرْجُوفْ) !
مُسْتَوْحِشَاً في الغابْ
اَلظلُّ والنَّخيلُ والضَّبابْ
قصْفُ الشّتاءِ .. !
عند نطقِ الفَاءِ سَاعةَ الوقوفْفْفْ
قصْفُ الشتاء!
كَأنَّهُ الجدرانُ هاربةْ
نحو البحارِ الغَاربةْ
من أيِّ زلزالٍ تمخَّضتْ يداه ؟
أعناقهُ ذئابْ
أقدامُهُ هضابْ
أجفانُهُ جُبّانة
وروحُهُ مُخَلَّفاتُ ألفِ عامٍ للإمامة
لِمَنْ تعيش كلَّ هذه السنينْ ؟
فصاح كالتِّنِّينْ
: خان الأمينْ !
2.
لا سيّدي جَرْجُوفْ .. لا سيّدي جَرْجُوفْ
آتٍ من الغاباتِ صوتٌ كالمطرْ
صَوتٌ رَقيقْ
كَأنَّهُ مِرْآةْ
تَطَوف في شعاعها
فَرَاشَةُ الحَيَاةْ
كَأنَّها فقَاعَةٌ لِقُبْلتيْنِ
سَاعةَ المَطَرْ
هل كان ذلك الصوتُ الرَّهيبُ المغتصبْ
كالنارِ في الهشيمِ طافحاً بالحقد والغضبْ
صوتُ الأسيرة ؟
أم أنَّ صوتاً بائساً قد هبَّ من جزيرة ؟
ويلاهُ مِن سُوَيِعةِ الغروبْ
تلك التي ألوانها تغور في القلوبْ
كالخنجر الغضوبْ
إن عادت الشِّيَاهُ وحدها ولم تعد لأهلها الفتاة !
ياربَّنا سنرتضي بالموت
سننذر النُّذورْ
سنمتطي الوعور
لكننا لا نرتضى بالعارْ .
عادتْ إلى البيوت عندما انتهى الحصادْ
كلُّ البناتِ ما عدا سعادْ !
: ياغضبةَ الأحرارْ
من قام باعتقالِ الْ "مريمِ" العذراءْ
فأصبحتْ في الرِّيحِ عالقةْ ؟
ذاع النَّبأ
وارتجَّت القرى
وأظلمَ النَّهارُ في القبيلةْ
كأنه سيلُ العَرِمْ
قد عاد من جديد
لينتقِمْ
تفرّقتْ أيدي سبأْ
فقائلٌ : هذا جزاء العاشقة!
وغارقٌ في دُلجةِ الخذلان
: لتبرقوا بيانْ
وقائلٌ : حَصَّالةٌ لنشتري قربانْ
وفاجر مبتهج :
لتفرحوا بصهرنا الجديدْ
لكنه مغتصبٌ ! في قصرهِ عبيدْ
في قصرهِ سَبيَّةْ
لا ليست القضية
لاتخلطوا الأمور
أليست حكمة الدهور
مكتوبةً على السطور ؟
( من نال أمَّنا ...
صَار عَمَّنا )
هل صار مَهْرُ أمّنا الرَّصَاصُ والحديد ؟
3
وكان صوتٌ من بعيدْ
صوتٌ رقيقْ
آتٍ من الغاباتِ صوتٌ كالمطرْ
ذابتْ على خِلْجانهِ الأنداءْ
وراح خَيْلُهُ الوحيدْ
يخوض وسْطَ الماءْ
صوتٌ عميقْ
لا لمْ يَجِدْ في الحيِّ قلبَ مُشفقِ
وأسلموهُ للفراغِ .. للفراغِ المُطْبِقِ
وَكَسَّرَتْ آمالَهُ الكبارْ
أصابعُ الجدارْ
: (لاتجمعوا بِذِلّتي الأموالْ)
(واضيعةَ الرّجالْ)
4
في قصرهِ .. في قصرهِ جَرْجُوفْ
في قصرهِ المبنيِّ بالجماجمْ
كانت تنامُ بين أهلها الموتى .. أسيرةْ
أسطورةٌ مِنَ القديمْ
على ضفافها الرُّوَاةُ قالوا أنَّها فقيرةْ !
لكنهم لم يَصْدقوا
لم ينظروا بَسْماتها الأثيرة
تلك التي على نقوشِ عِطرها
تضوَّعَ التاريخ
تلك التي على امتدادِ أفْقها
تدفَّقتْ سيولْ
وأمرعتْ سهولْ
لم يبصروا أجفانها المنيرة
تلك التي على رذاذ ضوئها
تشجَّرَ الحصى
وأشرقتْ جوانبُ الظلامْ
وسالَ في كلِّ الدُّروبْ
اَلشِّعرُ والغرامْ
تلك التي على ندى أهدابها
قد أخصب الهلالْ
وأزهرتْ هوادجُ الرِّمالْ
5
لكنها ....!!!!!!!
لكنَّها .......؟؟؟؟
لكنَّها انتفضت سعادْ
قالت لها الأصداءُ والدُّروبْ :
جَرْجُوفْ
فلتخضعي لليلِ والظروفْ
ولتصبري
فقد تطلُّ في الصباحِ الناهضِ الغضوبْ
شهامةُ السيوفْ
لكنَّ أصواتَ الرُّبى والسُّحْبِ والرِّياحْ
هبَّتْ بكلِّ طاقةٍ في الكونِ من كفاحْ
: هيّا إلى السّلاحْ
هذي سعادْ
هذي سعادُ الحِمْيَرِيَةْ
قد أقبلتْ بالشمسِ والحرِّيَّةْ
صُفّوا لها وصفّقوا :
هيّا إلى السّلاحْ .. هيّا إلى السّلاحْ
ماليزيا 3 أكتوبر 2019
*******
*سعاد الحِمْيريَّة :مِن وحي الأسطورة اليمنيَّة
*جَرْجُوفْ في الأسطورة اليمنية كائن خيالي موحش غريب .. من أكلة لحوم البشر له القدرة على التشكّل والتغيّر من أجل تحقيق مآربه الخسيسة .. تزوج فتاة فقيرة بعد أن تمت خديعتها من بنات القرية وأعطاها جرجوف مفاتيح قصره وقال لها بحزم : إلإ تلك الغرفة السادسة لا تفتحيها .. وتستمر جدلية الوفاء والخيانة ، والاستبداد والحريّة .
طارق عبدالله قاسم السكري (1974م) شاعر وأديب يمني وُلد في مكة المكرمة، حاصل على دكتوراه في فلسفة الأدب والنقد، وله عشرة مؤلفات في الشعر والرواية والمقالات.
يحمل دبلوم معلمين، وبكالوريوس إدارة ...