جاري تحليل القصيدة... قد تستغرق العملية بضع ثوانٍ.
كان المدرسون
منهكين...
من أعينهم يخرج العالم،
وهم يعلمون كمالَ الدائرة.
ينحتون الحروف في العقول،
ثم يتتبعونها شوقًا حدَّ الجموح،
حتى تصير كلماتٍ ذاتَ مشاعر،
ثم نصوصًا وحكايات
وعوالم لخيال البدايات.
كانوا يؤخرون تعليم الصفر،
ويدشّنون خرائطَ الرياضيات في الأذهان،
حيث يصير العددُ صورة،
قبل أن ينجو من الطبيعة.
وحين تنضج سلسلةُ الأعداد،
يعلمون أن الصفر
ليس عدمًا،
هو سلطان العمران.
حين يغلبهم العياء،
تتبعهم الحجرات إلى الأحلام.
يفرحون كثيرًا،
يبتسمون لوجوهٍ بريئة،
ولأطفالٍ لا يتوقفون عن الشغب،
حتى في أحلامهم العابرة،
ظهرَ النهار.
حينما ينمو حرفٌ.بين شفتي طفل،
يسكنون سحابةَ فرح،
ويسافرون مع قوس قزح،
بنشيدٍ نردده جماعة.
كانوا سعداء باقتصاد،
يدبّرون كشفَ العلامات،
بوقارٍ دون قسوة...
وهم يعلّموننا
كيف نبني كونًا
من خيال،
ووتر،
وغاب.
يغيّرون زمنَ السبورة
كلَّ صباح،
ويقفز من عيونهم
فرحٌ غريب،
حينما نردّد
أيام الأسبوع.
وفي الاستراحة
تستريح السبورة،
ونحرّر ضجيج الحجرات،
ونطلقه
في قلب الساحات.
كانوا منهكين
حينما يصحّحون
دفاترنا...
تعبر إشارةٌ منهم
عن رجاءٍ معلّق
في فم قلمٍ مترصّد.
وتتنقّل عيونهم
بين اليأس والأمل،
وسيلُ الدفاتر يعبر
بين أصابعهم.
وهم يوزّعون النظرات
على الصفوف،
ويرمّمون كثيرًا من الصدوع
بكلمةٍ دافئة
لا تشيخ.
كلما تقدّموا في السن،
ازدادت حقائبهم ثقلًا،
وتعتق الجلدُ والإبزيم،
ووهنت الأكتافَ والأصابعَ،
ومالوا من خذلان المفاصل،
لكنهم ظلوا منتصبين.
كانوا يحبّون انتظام الصفوف،
خصوصًا عند ترديد
النشيد الوطني...
ويلعنون
زيارة المفتّش سرًّا،
كثعلبٍ يفتّش
في خمِّ العيوب.
كانوا مرهقين عند الخروج،
بلا ضجرٍ ولا شكوى...
بربطات عنقٍ بهيجة،
وأحذيةٍ قديمة،
لكنها صقيلة.
يعشقون الحبر،
والخطَّ الجميل العصيَّ
على التقليد والتزييف...
فلكلِّ واحدٍ منا
خط كالبصمة،
يعيش معه
حتى الشيخوخة.
يغضبون أحيانًا.
منهم من يمتصُّ غضبَه
تبغٌ رخيص.
نعم...
فلم يكن التدخين
قضيةً تربوية.
ومنهم من يبدّد حنقَه
بجرعات قهوةٍ باردة.
وكانوا يسعدون كالأطفال
بزيارات الأهل والآباء،
حين لا يسأل أحد عن أثرِ
ضربةٍ طائشة،
فالعقابُ البدني
كان عقيدة مدرسية.
ورغم أنهم منهكون...
كانوا يختفون في معاطف شتوية،
في الدروب والحافلات،
والأعراس والجنازات...
كانوا دائما...
في صور غير مدرسية.
خالد أخازي هو كاتب وروائي وشاعر وإعلامي مغربي، يُعد من الأصوات الأدبية والإعلامية التي تجمع بين الإبداع السردي والاشتغال الصحفي والنقد الثقافي. عُرف باهتمامه باللغة العربية الفصيحة وبناء نصوص روائية ذات بعد إنساني واجتماعي، كما يشتغل في مجالات القيادة التربوية والتكوين في البيداغوجيا والديداكتيك. المسار الأدبي يتميز مشروعه الإبداعي بالجمع بين الرواية والشعر والمقالة الفكرية، مع انشغال واضح بقضايا الهوية والذاكرة والإنسان والتحولات الاجتماعية والثقافية. وتصفه بعض القراءات النقدية بأنه كاتب «لا يه…