جاري تحليل القصيدة... قد تستغرق العملية بضع ثوانٍ.
كان أبي...
كلما شغله الخبر،
فيه ملح البحر
وشهوة الرمل...
ذاك النبأ
الذي يقهر الحجر،
وتلك الصور
التي تُفتي في عمرِ الموت،
وتُحصي الجثثَ والأحذية،
وما تبقّى
من وجوهٍ بلا هوية،
وتلك البيانات
التي تتهم الغجر
بالكفرِ بالقدر،
يقول همسًا... لمن حوله،
كأنّه لم يصدّق بعد
أن سقف الوطن قد علا.
كأنّه ينتشل الكلمات
من خوف عنيد،
ويخبئها في بياض القول،
كي لا ترتعش فراشات الصباح:
كنّا نرحل... لكنّنا لم نهرب.
كانت الطرق تضحك منا.
لا لغة
نقايض بها سلام العبور،
ولا أقمصة
تزيف طعم الجذور.
حتى أحذيتنا
ظلّت قروية الخطى،
عالقةً
بواحات الروح.
كان يقول...
وهو يرمم ذاكرة السفر الأول:
كنّا نحمل حقيبةً
تكفي ليلةً واحدة،
ونخبئ الوطن
في ألبوم صور،
كي لا تضيع
وجوه الأمهات،
ولا يضيع في غبار الطريق
عبق الحناء العتيق
في انتظار الزوجات.
نغيب...
ثم نعود.
نقتسم في الدار ومع الجيران
شهد المنافي،
ونحتفظ بالغربة لأنفسنا...
فوجع المنفى
لا يُقتسم.
ونعلّق
على وجوه الصغار
ضحكةً،
دفعت سواعدنا في الحفر
سنوات من السواد
ثمنًا لذاك الموعد الصيفي.
كنّا نعود محمّلين
بأشياء صغيرة،
تكبر
في عيون المنتظرين:
علبَ شاي،
وصابونَ مارسيليا،
وشوكولاتة،
وثيابًا
تشعل عيون الناس
فتعلن الأعراس.
أما أنتم...
فلا ترحلون...
بل يتهاوى كونكم
على حافة الوجع.
تعقدون صفقات قاسية
مع موج البحر
لعلّه يُغلقُ مدَّ الموج،
ويمدُّ للعابرين
أصابعَه...
لا أكثر.
لا حقيبة...
ولا مفتاح بيت...
ولا وداع يليق بالسفر الأخير
فقط خبر من هناك وهناك
يقتل الأمهات
تتركون ظلالكم
تقتات
على رنين هاتفٍ مؤجل،
وآباءً
يشيخون
كلما لفظ البحر
ظلًا...
أو حقيبة.
لا تغادرون وطنًا،
بل تغادرون وطنًا
غادركم
قبل أن تسرق
أحلامكم.
أما نحن...
فرحلنا
إلى حربٍ
لا نعرف سببها.
بأجسادٍ نحيلة...
في حقولٍ
لا تنطق لغتنا.
نقطف ثمارًا
لا نعرف نوعها
نسميها ثم نتذوقها،
ونحفر
في أعماق الأرض،
كي تبقى
مدنٌ بعيدة
مضيئة.
واليوم...
ها هو البحر...
يفتح ذراعيه وهما
لأمل أصبح له كف يصفع
ومتاريس تمنع.
وعلى الضفة الأخرى...
هراوات في صخب
وأسلاك شائكة الصدر
ووجوه لا ترى في العابرين
إلا مشبوهين.
فكيف الوصول،
والضغينة
تسبق الماء إلى التراب؟
وكيف ينجو الغريق،
إذا صار السؤال
أثقل
من الموج؟
كان أبي
يقول همسًا:
لا تخافوا من الطريق...
خافوا من وطنٍ
يصير البحرُ فيه
آخرَ عنوانٍ للبيت.
خالد أخازي هو كاتب وروائي وشاعر وإعلامي مغربي، يُعد من الأصوات الأدبية والإعلامية التي تجمع بين الإبداع السردي والاشتغال الصحفي والنقد الثقافي. عُرف باهتمامه باللغة العربية الفصيحة وبناء نصوص روائية ذات بعد إنساني واجتماعي، كما يشتغل في مجالات القيادة التربوية والتكوين في البيداغوجيا والديداكتيك. المسار الأدبي يتميز مشروعه الإبداعي بالجمع بين الرواية والشعر والمقالة الفكرية، مع انشغال واضح بقضايا الهوية والذاكرة والإنسان والتحولات الاجتماعية والثقافية. وتصفه بعض القراءات النقدية بأنه كاتب «لا يه…