الديوان » فلسطين » محمود درويش »

أزهار الدم

1- مغني الدم

لمُغّنيكِ’ على الزيتون , خمسون وترْ
ومغنيك أسيراً كان للريح, وعبداً للمطر
ومغنيك الذي تاب عن النوم تسلّى بالسهر
سُيسمّي طلعة الورد, كما شئت , شردْ
سيُسمّي غابة الزيتون في عينيك , ميلاد سحر
وسيبكي , هكذا اعتاد,
إذا مرُّ نسيم فوق خمسين وترْ
آه يا خمسين لحناً دموياً
كيف صارت بركة الدمِّ نجوماً وشجر؟
الذي مات هو القاتل يا قيثارتي
ومغنيك انتصر !
افتحي الأبواب يا قريتنا
افتحيها للرياح الأربع
ودعي خمسين جرحاً يتوهَّج
كُفْرُ قاسم
قرية تحلم بالقمح , وأزهار البنفسج
وبأعراس الحمائم
.........
-احصدوهم دفعة واحدة
احصدوهم
....
.... احصدوهم ...
....................
آه يا سنبلةَ القمح على صدر الحقول
ومغنيك يقول:
ليتني أعرف سرَّ الشجرة
ليتني أدفن كل الكلمات الميتة
ليت لي قوة صمت المقبرة
يا يداً تعزف , يا للعار ! خمسين وترْ
ليتني أكتب بالمنجل تاريخي
وبالفأس حياتي,
وجناح القُبرهْ
..................
كُفْرَ قاسِم
إنني عدت من الموت لأحيا , لأغني
فدعيني أستعر صوتي من جرح توهَّج
وأعينيني على الحقد الذي يزرع في قلبي عوسج
إنني مندوب جرح لا يساوم
علمتني ضربة الجلاّد أن أمشي على جرحي
وأمشي..
ثم أمشي..
وأُقاوم !

2- حوار في تشرين

أُحاورُ ورقةَ توتْ :
ومن سوء حظ العواصف أنَّ المطر
يعيدك حيَّه ,
وأن ضحيتها لا تموت
وأن الأيادي القوية
تكبلها بالوتر !

سأدفع مهر العواصف
مزيداً من الحب للوردة الثاكلة
وأبقى على قمة التل واقفْ
لأفضح سرَّ الزوابع .. للقافلة
أُحاور هبّة ريح :
إذا هاجر الزارع الأولُ
وعاث بحنطته القاتلُ
وإن قتلوه كما قتلوني
فلن تحملني الأرض يوماً
ولن تنزعني جلدها عن جفوني

سأدفع مهر العواصف
مزيداً من الحب للوردة الثاكلة
وأبقى على قمة التل واقف
لأفضح سر العواصف .... للقافلة !
أُحاور روح الضحية
ومن سوء حظ العواصف أن المطر
يعيدك حيَّهْ
ومن حسن حظك أنك أنت الضحية
هلا ..يا هلا... بالمطر !



3- الموت مجاناً

كان الخريف يمرُّ في لحمي جنازة برتقالْ...
قمراً نحاسياً تفتته الحجارة والرمال
وتساقط الأطفال في قلبي على مُهج الرجال
كل الوجوم نصيبُ عيني... كل شيء لا يُقال...
ومن الدم المسفوك أذرعه تناديني : تعال !
فلترفعي جيداً إلى شمس تحنَّت بالدماء
لا تدفني موتاك !.. خَلِّيهم كأعمدة الضياء
خلي دمي المسفوك ...لافتة الطغاة إلى المساء
خليه ندّاً للجبال الخضر في صدر الفضاء !
لا تسألي الشعراء أن يَرْثُوا زعاليل الخميلهْ
شرف الطفولة أنها
خطر على أمن القبيلة
إني أُباركم بمجد يرضع الدم والرذيلهْ
وأُهّنئُ الجلاد منتصراً على عينٍ كحيلة
كي يستعير كساءه الشتوي من شعر الجديلة
مرحى لفاتح قرية !.. مرحى لسفاح الطفولة !..
يا كفر قاسم !.. إن أنصاب القبور يد تشدُّ
وتشد لأعماق أغراسي اليتامى إذ تمدُّ
باقون... يا يدك النبيلة , علمينا كيف نشدو
باقون مثل الضوء , والكلمات , لا يلويهما ألم وقيدُ
يا كفر قاسم !
إن أنصاب القبور يد تشدُّ ...!


4- القتيل رقم 18

غابةُ الزيتون كانت مرةً خضراءَ
كانت .. والسماءْ
غابةً زرقاء ..كانت يا حبيبي
ما الذي غيّرها هذا المساء ؟
.. .. ..
أوقَفُوا سيارةَ العمال في منعطف الدربِ
وكانوا هادئين
وأدارونا إلى الشرق .. وكانوا هادئين
.. .. ..
كان قلبي مَرّةً عصفورةً زرقاءَ .. يا عش حبيبي
ومناديلك عندي , كلها بيضاء , كانت يا حبيبي
ما الذي لطّخها هذا المساء ؟
أنا لا افهم شيئاً يا حبيبي !
.. .. ..
أوقفوا سيارة العمّال في فمنتصف الدربِ
وكانوا هادئين
وأدارونا إلى الشرق .. وكانوا هادئين
.. .. ..
لكَ مني كلُّ شيء
لكَ ظل لك ضوء
خاتم العرس , وما شئتَ
وحاكورة زيتون وتينِ
وسأتيكَ كما في كل ليلهْ
أدخل الشبّاكَ , في الحُلمِ, وأرمي لَكَ فُلَّه
لا تلمني إن تأخرتُ قليلاً

إنهم قد أوقفوني

غابة الزيتون كانت دائماً خضراء
كانت يا حبيبي
إن خمسين ضحيَّة
جعلتها في الغروب ..
بركةً حمراء .. خمسين ضحيَّة
يا حبيبي .. لا تلمني ..
قتلوني .. قتلوني
قتلوني ..




5- القتيل رقم 48

وجدوا في صدره قنديلَ وردٍ.. وقمرْ
وهو ملقى، ميتاً, فوق حجرْ
وجدوا في جيبه بعض قروش
وجدوا علبة كبريت , وتصريح سفرْ
وعلى ساعده الغض نقوش.

قَبَّلَتْهُ أُمُّهُ...
وبكت عاماً عليه
بعد عام , نبت العوسج في عنيه
واشتدَّ الظلام
عندما شبَّ أخوه
ومضى يبحث عن شغل بأسواق المدينة
حبسوه...
لم يكن يحمل تصريح سفر
إنه يحمل في الشارع صندوق عفونه
وصناديق أُخَر
آه أطفال بلادي
هكذا مات القمرْ!

6- عيون الموتى على الأبواب

مروا على صحراء قلبي , حاملين ذراع نخلهْ
مرُّوا على زهر القرنفل , تاركين أزيز نحلهْ
وعلى شبابيك القرى رسموا , بأعينهم ,أهلَّهْ
وتبادلوا بعض الكلام
عن المحبة والمذلَّة
ماذا حملتَ لعشر شمعات أضاءت كفر قاسم
غير المزيد, من النشيد, عن الحمائم..
والجماجم..؟
هي لا تريدُ... ولا تعيدُ
رثاءنا.. هي لا تساوم
فوصية الدم تستغيث بأن تُقاوم
في الليل دقوا كل باب...
كل باب.. كل باب
وتوسلوا ألاّ نهيل على الدم الغالي التراب
قالت عيونُهُمُ التي انطفأت لتشغلنا عتاب:
لا تدفنونا بالنشيد, وخلدونا بالصمود
إنا نسمِّد ليلكم لبراعم الضوء الجديد

يا كفر قاسم !
من توابيت الضحايا , سوف يعلو
عَلَمٌ يقول : قِفوا ! قِفوا !...
واستوقفوا !
لا , لا تذلوا !
دَيْنُ العواصف أنت قد سدَّدته ,
وانهار ظلُّ
يا كفر قاسم ! لن ننام.... وفيك مقبرة وليلُ
ووصية الدم لا تساوم
ووصية الدم تستغيث بأن نقاوم
أن نقاوم...

معلومات عن محمود درويش

محمود درويش

محمود درويش

محمود درويش شاعر المقاومه الفلسطينيه ، وأحد أهم الشعراء الفلسطينين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة و الوطن المسلوب .محمود درويش الابن الثاني لعائلة تتكون من خمسة أبناء وثلاث بنات..

المزيد عن محمود درويش

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة محمود درويش صنفها القارئ على أنها قصيدة عامه ونوعها نثريه من بحر


حرف الشاعر

شُعراء مميزون

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس