الديوان » العصر الفاطمي » ابن حمديس »

خطب يهز شواهق الأطواد

خَطْبٌ يهزّ شواهقَ الأطوادِ

صَدَعَ الزّمانُ به حصاةَ فؤادي

ومصيبةٌ حَرُّ المصائب عندها

بَرْدٌ بِحُرْقَتِها على الأكبادِ

وكأنّما الأحشاءُ من حَسَراتِها

يُجْذَبْنَ بينَ براثِنِ الآسادِ

كُبَرُ الدّواهي رَحّلَتْ بحلولها

قَرْماً لقد قَرَعَتْ قريعَ أعادي

سكنتْ شقاشِقُهُ وكان هديرُهُ

يستكّ منه مسامعُ الحسّادِ

وكأنّما في الترب غَيّضَ غيضها

لَحْداهُ وَرْداً عن وُرودِ صَوَادِ

نُحِرَتْ شؤوني بالبكاءِ عليه أمْ

عُصِرَتْ مدامعها من الفِرْصادِ

لم أنْتَفِع بالنفسِ عندَ عزائها

فكَأَنّها عينٌ بِغيرِ سوادِ

هَذا الزَمانُ على خَلائِقِه الَّتي

طَوَتِ الخلائقَ من ثمودَ وعادِ

لم يبق منهم من يَشُبّ لِقَرّهِ

بيَدَيهِ سِقْطاً من قداحِ زنادِ

يَفْنى ويُفْني دهرُنا وصروفه

من طارقٍ أو رائحٍ أو غادِ

فكأنّ عينك منه واقعةٌ على

بطَلٍ مُبِيدٍ في الحروب مُبَادِ

والناسُ كَالأحلامِ عندَ نواظرٍ

تَرنو إِلَيهمْ وهي دارُ سهادِ

سَهَرٌ كرى مُقَلٍ تخافُ من الرّدى

للخوْفِ هَجْرُ الطيرِ ماءَ ثمادِ

والعُمرُ يُحْفَزُ بينَ يوْمٍ سابقٍ

لا يستقِرّ وبين يومٍ حادِ

دنيا إلى أُخرى تُنَقِّلُ أهْلَها

هل تُتْرَكُ الأرواحُ في الأَجسادِ

وكأنّهنّ صوارمٌ ما فعلها

إلّا مِنَ الأَجسامِ في أغمادِ

حتى إذا فُجِعَتْ بها أشْباحُها

بَقِيَتْ لِفَقدِ حَياتِها كَجمادِ

والموتُ يُدْرِكُ والفرار مُعقِّلٌ

من فرّ عنه على سَرَاة جوادِ

ويَنَالُ ما صَدَعَ الهواءَ بخافقٍ

موتٌ ومن قَطَع الفَلا بِسُهادِ

ويسومُ ضيماً كلَّ أعصمَ شاهقٍ

ريبُ المنون وكلَّ حيَّةِ وادِ

وهِزبرَ غابٍ يحتمي بمخالبٍ

يُرْهَفْنَ من غيرِ الحديدِ حِدادِ

يَسري إِلى وَجهِ الصباحِ وإنّما

مصباحُهُ من طَرْفِهِ الوقّادِ

أوَ لا ولم يُبَلِ الحِمامُ بشبلهِ

وعنادُهُ بالدلّ غيرُ عِنادِ

وأخو الهدايةِ راحلٌ جَعَلَ التّقى

زاداً له فَتُقَاهُ أفضلُ زادِ

أنا يا ابن أختي لا أزالُ أخا أسىً

حتى أُوَسَّدَ في الضّريح وِسادي

إنّي امرؤٌ ممّا طُرقت مُهَيّدٌ

بفراقِ أهْلي وانْتزاحِ بلادي

أَودى الغريبُ بعلِّةٍ تعتادُهُ

بالكَربَ وهيَ غَريبَة العوّادِ

أمَلٌ وعِدت بهِ وأَوعدَني الرّدى

فَبِهِ يُجَذّ الوعدُ بالإِيعادِ

حيٌّ ومَيْتٌ بالخطوب تباعَدا

شَتّانَ بينَ بِعادِهِ وبِعَادي

نعيٌ دُهيتُ به فمتّ وإنْ أعِشْ

خَلْفَ المَنون فلَم أَعِش بِمُرادي

ما ثُلّمَ السيفُ الذي جَسَدُ الثرى

أمْسَى له جفناً بِغَيرِ نِجادِ

عَضْبٌ يكون عتادَ فارسِهِ إذا

ما سلّهُ والعضبُ غيرُ عَتادِ

قد كان في يُمْنَى أبيه مصمّماً

يعتدّهُ يومَ الوغى لِجِلادِ

أَعزِزْ علَيَّ بِرَونقٍ يبكي دماً

بِتَواتُرِ الأَزمانِ والآبادِ

وأقول بَدْرٌ دبّ فيه مُحاقُهُ

إنّ الكمال إِلَيه غَيرُ مُعَادِ

إن غابَ في جَدَثٍ أنارَ بنورِهِ

فَبِفَقْدِ ذاك النورِ أظْلَمَ نادي

واستَعذَبته المُعضلاتُ لأنّها

مستهدفاتُ مقاتِلِ الأمجادِ

لو أخّرَتْهُ منيَّةٌ لتقدّمَتْ

في الجود همّتُهُ عَلى الأَجوادِ

ولَكانَ في دَرْسِ العلومِ وحِفظِها

بَينَ الأَفاضلِ مبدأَ الأعدادِ

إنّ المَفاخِرَ والمحامدَ سِرّها

لِذَوي البَصائر في المَخايِلِ بادِ

زَيْنُ الحُضورِ ذَوي الفضائِلِ غائِبٌ

يا طولَ غيبةِ مُعْرِضٍ مُتَمَادِ

هلَّا حَمَتْهُ عناصِرُ المَجدِ الَّتي

طابَتْ مِنَ الآباءِ والأَجدادِ

ومكارمٌ بُذِلَتْ لِصَونِ نُفوسهِم

معدودةٌ بالفضلِ في الأَعدادِ

ونجابةٌ وَقْفٌ عَلَيهم فضلُها

مَنقولةٌ منهم إلى الأولادِ

مِنْ مُعْرِقِ الطرَفَينِ مرْكزُ فَخرِهِ

بيتٌ سماءُ عُلاهُ ذاتُ عِمادِ

المُنفِقونَ بِأَرضِهمْ أعمارَهُمْ

ما بين غزوٍ في العِدى وجِهادِ

أذْمارُ حربٍ في سماءِ قتامِهِمْ

شُهُبٌ طوالع في القَنَا المَيّادِ

وبَوارِقٌ تَنسَلُّ مِنْ أجْفَانها

ورقٌ لزرعِ الهامِ ذاتُ حصادِ

فزعَ الصريخُ إليهمُ مُستَنجِداً

فبهم ومنهم شوكة الأنْجَاد

أُسْدٌ لَبُوسُهُمُ جلودُ أراقمٍ

بُهِتَتْ لرؤيتها عيونُ جَرَاد

يا عابِدَ الرَحمَنِ حسبُكَ رحمةً

وفّى لها بالعَهدِ صَوب عِهادِ

بِحَلاوَةِ اسمِك للمَنونِ مَرارةً

طُرِحَتْ بِعَذْبِ الوِرْدِ للورّادِ

إنّي أُنادي منكَ غيرَ مُجَاوِبٍ

ميتاً وعن شوقٍ إِلَيك أُنادي

في جَوفِ قَبرٍ مُفردٍ مِن زائرٍ

قبرُ الغريب يُخَصّ بالإِفرادِ

ما بينَ مَوْتى في صباحٍ عَرّسُوا

لإِعادةٍ بالبَعثِ يومَ مَعَادِ

بَينَ الألوفِ عَفِيّةً أَرسامُهم

ولِرَسمِهِ قبرٌ مِنَ الآحادِ

أوَ لم يَكُن بقراطُ دونَ أبيكَ في

داءٍ يُعادُ لَهُ المريضُ عِدادِ

وأدقّ منهُ فِكرَةً حسبيّةً

حكميَّةَ الإصدارِ والإيرادِ

هلَّا شَفَى سَقَماً فوقّفَ برؤهُ

موتاً تمشّى مِنكَ في الأبْرادِ

هيهاتِ كان مماتُ نفسكَ مثبتاً

بِيَدِ القَضاءِ عَلَيك في الميلادِ

قصَرَتكَ كالممدود قَصْرَ ضرورةٍ

وَعَدَتْكَ عن مَدّ الحياةِ عَوَادِ

وشَرِبتَ كأساً نَحنُ في إيراقها

إِذ أَنْتَ مِنها في طِويلِ رقادِ

وتَركتَ عِرْسَك وهيَ مِنكَ جنازةٌ

ولباسَ عرسك وهوَ ثَوبُ حِدادِ

أهْدَى إلَيك مكانَها حوريّةً

مُهْدٍ وذاك الفضل فَضْلُ الهادي

عِندي عَلَيك منَ البُكاءِ بِحَسْرَةٍ

ماءٌ لِنارِ الحزنِ ذو إِيقادِ

ونياحُ ذي كَمَدٍ يذوب بِهِ إِذا

رفع الرثاءُ عقيرةَ الإنشادِ

وتَخَيّلٌ يُحييكَ في فِكري فذا

مَسْعاكَ في بِرّي ومَحض وِدادي

قَد كَانَ عيدكَ والحَياة على شَفا

مِن قَطعِ عُمرِك آخرَ الأعيادِ

أَرثيكَ عَن طَبعٍ تَجَدْوَلَ بَحْرُهُ

بَعْدَ الغيَابِ وكَثرَةِ الأَولادِ

أَنا في الثَمانين الَّتي فَتَلَتْ بِها

قَيْدي الزمانةُ عِندَ ذلّ قِيادي

أَمشي دَبيباً كَالكَسيرِ وَأَتّقي

وثباً عليّ من الحِمام العادي

ذَبُلت منَ الآدابِ روضتيَ الَّتي

جُلِيَت نَضَارتها على الرُوَّادِ

لو كنتَ بعدي لافتدِيت بأنْفُسٍ

وبما حَوَت مِن طارِفٍ وتِلادِ

فَاصبِر أَبا الحَسَنِ احتِسابَ مُسَلِّمٍ

للَّه أمرَ خواتِمٍ ومَبَادي

فَلَقد عَهِدتُك والحوادثُ جَمّةٌ

وشدادُهُنّ عليك غيرُ شِدادِ

أوَ ليسَ إِبراهيمُ نجلُ مُحمَّدٍ

بالدَفنِ صار إِلى بِلى ونَفادِ

رَدّ النَبيُّ عَلَيهِ تُربةَ لَحدِهِ

بِيَدِ النُبوَّةِ وهيَ ذاتُ أَيادي

فَتَأسّ في ابنكَ بابنِهِ وَخِلالِهِ

تَسْلُكْ بأُسْوَتِهِ سبيلَ رَشادِ

معلومات عن ابن حمديس

ابن حمديس

ابن حمديس

عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس الأزدي الصقلي، أبو محمد. شاعر مبدع. ولد وتعلم في جزيرة صقلية، ورحل إلى الأندلس سنة 471هـ، فمدح المعتمد بن عباد، فأجزل له..

المزيد عن ابن حمديس

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة ابن حمديس صنفها القارئ على أنها قصيدة رومنسيه ونوعها عموديه من بحر الكامل


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس