الديوان » العصر الايوبي » ابن الساعاتي »

مضى صاحب الصدر الذي حازه الصدر

مضى صاحبُ الصدر الذي حازه الصدر

وفيحُ المغاني منه مقويةٌ قفرِّ

تولى حميداً والصبا في عقيبه

وهل لفؤادٍ ثاكل عنهما صبر

ذمتُ به غدر الليالي ولم تكن

بأوَّلِ أنثى من خلائقها الغدر

لقد ذاب ماء الدمع بعد جموده

وما ذاب ماء في اساً قبله جمر

كأني وليدٌ مرضع يوم فقده

وقد عزَّ من ألطافه المهد والدرّ

ربيع تقضَّى مسَّني الضرُّ بعده

فلولا تقضيه لما مسني الضرّ

كأني سارٍ في دياجٍ بهيمةٍ

وقد ذهبتْ بالصبح أيامه الغرُّ

ذليلٌ وعندي عزة النفس والتقى

فقيرٌ وعندي جمة المال والوفر

ثوى وارثُ المجد النزاري والندى

ولا فضلهُ خافٍ ولا وفرهُ نزْر

فتى راح موجوداً بنائله الغنى

كما طاح مفقوداً بأنمله الفقر

فأين اليدُ البيضاء والدهرُ مظلم

وأين النوال الحلو والأنفُ المرُّ

وتلك العلومُ الزاخراتُ التي طمت

فأبلغُ ذمٍ أن يقال هي البحر

ترى الناس ما دارت سلافةُ لحظِها

كأنَّ بهم سكراً وليس بهم سكر

ومن شبَّ نيران القرى بعد قومه

فما ضلَّ في أحشاء داجيةٍ سفْر

إذا ذُكرَ افترَّتْ ثغورُ سيوفهم

سروراً وهُزَّت من معاطفها السُّمر

وفدته أيامٌ تعدُّ كثيرةٌ

تصافح في لباتها النصل والنصر

تعاقبه جدب الزمان وخصبه

فأحمده العسر المكرر واليسر

وكانت دموع العين ذخراً لحادثٍ

فأنفقَ في تلك النوى ذلك الذُّخر

بمن يستغيث المستجيرُ من الردى

أذنْ والى من يشتكي الرجل الحرُّ

كأنَّ فؤادي منه والحتفُ واقعٌ

فلا شكَّ فيه طائر عزّه وكر

أراه قريباً بالضَّمير وبيننا

ظهور الفيافي الغبر واللجج الخضر

وذمَّ أناس ثقل ما أنا حامل

وما علموا أنَّ الضلوع لهُ قبر

وفي البوح بالشكوى إلى الناس ذلَّةٌ

وأعظم بمثلي أن يذاع له سرُّ

ولكن أبيٌ من فراقٍ وغربةٍ

فليس غريباً أن يضيق به صدر

سددتُ وأن غيظ الحسودُ مكانهُ

وما افلتْ شمسٌ إذا طلع البدر

فكم يوم جودٍ كنت بشراً بوجهه

ولا خيرَ في وجهٍ إذا لم يكن بشر

وكم ليلةٍ دهماءَ تزهو بغرّةٍ

من البرق وافانا بتحجيلها الفجر

كأن ابتسام الومض والأفقُ عابسٌ

صحائفُ بيضٌ في جوانبها حبر

خفى كحسامٍ طلَّ فيها دم الحيا

ألم يك مسلولاً مضاربه حمر

وإلاَّ فَلِمْ هزَّ السّماك قناته

ودوّم في عليا مطالعهِ النَّسر

سريت ومتن الغرب كالوجه كالحٌ

شتيمٌ وصدر الشّرق كالثغر يفترُ

تغذُّ المطايا والكواعب أعين

لها كيف ما لاحظتها نظرٌ شرر

فهل حسبتْ أنَّ المجرّة منهلٌ

وأن النجوم الزّهر من حوله زهر

وما كلُّ من يسعى إلى المجد بالغٌ

مبالغ عزمي حيث يشتبه الأمر

أيسلم لم تحطم عوامل قومه

ولا فلّلت فيها المهنَّدة البتر

ولا خضبت زرق النصال وعفّرت

على الأرض حمراَ مثل ما بدر الجمر

بحيث رماح الخطّ حول دروعهم

تثني غصون سال من تحتها نهر

ولا نظمتْ جزع سلوكها

وطارَ سقيطاً دونها الزّرد النثر

ولا حمل البيضَ الفليق نجيعهم

كعقد حبابٍ شفَّ من تحته خمر

غداة الفلاةُ الطّرسُ والرمحُ ناقطٌ

وللمرهفات الشّكل والفيلق السّطر

لمن تدخر الرُّعف السوابغ والظبي

وجرد المذاكي القبُّ والعدد الدّثر

وكل همام زان مرّة عنفه

كما زان أجسام المهنّدة الأثر

على رغم قيسٍ لن يباح لرّبها

ذمارٌ منيعٌ لم يقم دونه ذمر

عشيّة غاض البحر بين ظهورها

وعهدي بها يحمى بأسيافها القطر

بكتهُ نساءُ الحيّ كلُّ خريدةٍ

هي الغصن في أطرافها الورق الخضر

محا الدمعُ آثار الخضاب ووسمه

فأنملها منه ومن غيره صفر

سوافر لا من ريبةٍ وتبرجٍ

وقد وضعت عنها البراقع والخمر

أبت أن تمسّ الطيب طيّ برودها

وقد أقسمتْ أن لا يكون لها نشر

عدادها الغمام الجودُ والعام ماحلٌ

ووجهُ الربيع الطّلقُ والعام مغبرُّ

هو المرء ما في عين إحسانه قذى

يشين ولا في آذان نعمائه وقر

كأن لم يكن صلباً على العجم عوده

إذا طرقت صمّاء لأنَ لها الصخر

ولم تدعه فحلاً دعاءَ حقيقةٍ

وقد نزلت بالقوم داهيةٌ نكر

ولا ابتسمت نيرانه في دجنةٍ

فأضحكت الساري وقد قطب القرُّ

وما ضاع مالٌ اكسب المرَْ هلكهُ

خلودَ ثناءٍ أو أفيد به أجر

فلا يمنع المعروف منك ابتداؤهُ

تمام حجودٍ من نزيل ولا كفر

فليست يد الأنواء أسمح جائداً

سوى أنها يشفى بها السهل والوعر

عليك سلام الله دعوةُ شاكرٍ

منيبٍ وكم نعماءَ قيّدها الشكر

وحلَّت مطايا الغاديات نسوعها

وإن حلَّ ركبَ المزن في تربك العقر

ومجت ثنايا البرق مشمول ظلمها

فأصبح ثغراً ضاحكاً ذلك الثغر

تخايل في الأنداء أجياد زهره

كما اختال من عذراء في جيدها نحر

وزارتك أنفاس الخزامى كأنها

ثناؤك فينا أو خلائقكُ الزهر

ودّبج متنَ الأرض نسجُ سمائها

فغودر وجهاً كلّه ذلك المظهر

كان الثرى أذنٌ لبثي سميعةٌ

لها صيغ ذاك اللؤلؤ الرطب والشذر

وما تبلغ الأنواءُ أقصر حقّه

ولو سال فيه سيلَ نائلك النّهر

وليس مطالي بالزيارة سلوةً

وكم من مريد لا يساعده الدهر

فربّ دنّو كان آخرهُ نوى

ووصل لديه كان أوّلهُ هجر

وسكنّ علمي بعضَ ما أنا واجدٌ

بأنّا أناس من خلائقنا الصبر

وما عاقني عنك العقوق ولا نبتْ

ركابي عن مصرٍ ثويتَ به مصر

وإن كان جسمي عنك يحبسه النوى

فإن فؤادي فيك يبعثهُ البرُّ

ولا بد من قصر الخطا كلها على

مزارك أن أمهلتَ أو مدَّ لي العمر

وزفي إلى علياك كلَّ خريدة

من النظم بكرٍ ضاق عن كتمها الخدر

متى ما أديرت في نديٍّ بيوتها

يقلْ صاحب التقوى متى حلّت بالخمر

كان عصا موسى يراعي وحاسدي

على نظمها فرعونُ والكلم السحر

لها فلق البحر الخضم نفاسةً

وأخفى رؤوساً بين أصدافه الدرّ

ومن كان مثلي ثمَّ كنتَ له أباً

وقصّر عن شأوٍ فليس له عذر

معلومات عن ابن الساعاتي

ابن الساعاتي

ابن الساعاتي

ابن الساعاتي (553 هـ - رمضان 640 هـ) هو أبو الحسن على بن محمد بن رستم بن هَرذوز المعروف بابن الساعاتى، الملقب بهاء الدين، الخراساني ثم الدمشقي، كان شاعراً مشهوراً،..

المزيد عن ابن الساعاتي

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة ابن الساعاتي صنفها القارئ على أنها قصيدة عامه ونوعها عموديه من بحر


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس