الديوان » العصر المملوكي » لسان الدين بن الخطيب »

أهاجتك ذكرى من خليط ومعهد

أَهاجَتْكَ ذِكْرى منْ خَليطٍ ومَعْهَدِ

سمَحْتَ لَها بالدّمْعِ في كلِّ مَشْهَدِ

وعادَكَ عِيدٌ منْ تذَكُّرِ جِيرَةٍ

نأَوْا بالذي أسْأَرْتَهُ منْ تجَلُّدِ

حَنانَيْكَ في نَفْسٍ شَعاعٍ ومُهْجَةٍ

إذا لمْ يحِنْ منْ بعْدِهِمْ فكأنْ قَدِ

فكَمْ دونَهُمْ منْ مَهْمَةٍ ومَفازَةٍ

وأثْباجِ بحْرٍ زاخِرِ اللُّجِّ مُزْبِدِ

كأنْ لم يكُنْ منْ قبْلِ يومِكَ عاشِقٌ

ولا واقِفٌ بالرَّبْعِ وقْفَةَ مُكْمَدِ

ولا سألَ الأطْلالَ بعْدَ قَطينِها

فعيّتْ جَواباً بعْدَ طولِ ترَدُّدِ

ومُسْتَنْصَرٍ منْ دَمْعِهِ غيْرُ ناصِرِ

ومُسْتَنْجَدٍ منْ ضُرِّه غيْرُ مُنْجِدِ

سوى عَبْرَةٍ تحْدو ثِقالَ سَحابِها

إذا ما ونَتْ ريحُ الزّفيرِ المُصَعّدِ

أسَى النّفْسِ لا يَقْوى على ردِّ فائِتٍ

فإنْ شِئْتَ فلْتُقْلِلْ وإنْ شِئْتَ فازْدَدِ

وما رَجُلُ الدّنْيا سوى متَقَطِّنٍ

لنَكْرانِها ماضٍ مَضاءَ المُهَنَّدِ

إذا أقْبَلَتْ بالخيْرِ لمْ تسْتَفزَّهُ

وإنْ كان معْتَدّاً بهِ ضُرَّ مُعْتَدي

فَلا تَقْنَ ما يَجْني علَيْكَ ذَهابُهُ

وإنْ كان مُعْتَدّاً بهِ ضُرَّ مُعْتَدي

وخُذْ ما بِهِ جادَ الزّمانُ مُسامِحاً

ولا تَتْرُكْ يوْمَ السّرورِ الى غَدِ

وسِرْ في مَراحِ اللهِ مُقْتَصِرَ الخُطى

وكُنْ لنَوالِ اللّهِ مُنْبَسِطَ اليَدِ

وإنْ راعَ دهْرٌ أو تنَكّرَ حادِثٌ

فلُذْ بحِمى منْ عامِرِ بْنِ محمَّدِ

فتَى الحَيّ منْ هِنْتاتَةٍ جيرَةِ الهُدى

وخيرَةِ أصْحابِ الإمامِ المُوَحِّدِ

وكوْكَبُ أفْقِ الغَرْبِ لمْ يَبْقَ بعْدَهُ

وبعْدَ ابْنِهِ منْ كوْكَبٍ متوقِّدِ

رَحيبُ مَجالِ الفَضْلِ يَكْلَفُ بالعُلى

فَما هوَ بالمُصْغي لقَوْلِ المُفَنِّدِ

ويَطْوي بُرودَ الُلْكِ فوقَ خلائِقٍ

تُناسبُ خُلْقَ النّاسِكِ المتزهِّدِ

ومُشْتَغِلٍ بالحَزْمِ يَقْدَحُ زَنْدُهُ

إذا اشْتَغَلَ الأمْلاكُ باللّهْوِ والدَّدِ

وضافِي لِباسِ المَجْدِ بالفَضْلِ مُكْتَسٍ

وبالفَخْرِ مُعْتَمٍّ وبالحَمْدِ مرْتَدي

وتَحْتَمِلُ الرُّكْبانُ طيبَ حَديثِهِ

فيأتيكَ بالأخبارِ مَنْ لم تُزَوِّدِ

ومُرْتَقِبُ الإقْبالِ في كلِّ وجْهَةٍ

وأمْرٍ ولِلصّنْعِ الجَميلِ معوَّدِ

فوَاللّهِ ما نَدْري أيُمْنُ نَقيبَةٍ

ترِفُّ علَيْهِ أمْ سَعادةُ موْلِدِ

تُساسُ بهِ الأقْطارُ بعْدَ ارْتِجاجِها

وتَدْنو لهُ الأوْطارُ بعْدَ تبَعُّدِ

لهُ جبَلٌ في مُلْتَقَى الهوْلِ عاصِمٌ

يُناولُ مَنْ يحْتَلّهُ النّجْمَ باليَدِ

ورأيٌ إذا ما جُهِّزَتْ عنْهُ رايَةٌ

كَفى سعْدُها عنْ كُلِّ جُنْدٍ مجَنَّدِ

يَرى الأمْرَ في أعْجازِهِ وصُدورِهِ

بعيْنِ البَصيرِ الألْمَعيِّ المُسَدَّدِ

ألَيْسَ منَ القوْمِ الذينَ عُلاهُمُ

مُخلَّدَةٌ واسْتَشْهِدِ الكُتْبَ تَشْهَدِ

مآثِرُهُمْ في الدّينِ غيْرُ خَفيّةٍ

فهُمْ كالنّجومِ الزّاهِراتِ لمُهْتَدي

خَلائِفُ عبْدِ المؤْمِنِ المَلِكِ الذي

بسِرٍّ من المَهْديِّ قدْ كانَ يهْتَدي

ودوّخَ أكْنافَ البَسيطَةِ بعْدَهُ

وأعْلَنَ بالتّوْحيدِ في كُلِّ مسْجِدِ

فأبْناؤهُ منْ بعْدِهِ أعْمَلوا الظُّبى

وأمْضَوْا سُيوفَ اللّهِ في كلِّ مُلْحِدِ

فسَلْ إنْ أرَدْتَ الأرْكَ إذ غصّتِ الرُّبى

بكُلِّ عَميدٍ بالرَّغامِ موَسَّدِ

فمَنْ ذالَهُ كالقوْمِ إنْ شِئْتَ في نَدىً

وبأسٍ وفي فضْلٍ وفي صِدْقِ مَشْهَدِ

لَئِنْ زيّنوا الدُّنْيا بزُهْرِ وُجوهِهِمْ

لقدْ زيّنوا بالذِّكْرِ كلَّ مُجلَّدِ

وأبْقَوْا ثَناءً عاطِراً فكأنّما

نَسيمُ الصَّبا هبّتْ على الزّهْرِ النّدي

أبا ثابِتٍ لازالَ سَعْدُكَ ثابِتاً

وجودُكَ يَرْوي وِرْدُهُ غُلّةَ الصّدِي

ولازِلْتَ قُطْباً تَسْتَديرُ بهِ العُلى

كما دارَتِ الأفْلاكُ حوْلَ المُحَدَّدِ

رفَعْتَ بِناءَ المُلْكِ لمّا تَمايَلَتْ

دَعائِمُهُ فوْقَ الأساسِ الموطَّدِ

وأصْرَخْتَهُ لمّا دَعاكَ على النّوى

وواصَلَ ترْجيعَ النِّداءِ المَرَدَّدِ

بكُلِّ صَقيلِ المتْنِ سالَ خَليجُهُ

ولكنّ حُكْمَ القَيْنِ قال لهُ اجْمُدِ

يُري بنُحولِ الحَدِّ شيمَةَ عاشِقٍ

ويُكْذِبُ خَدّاهُ بخَدٍّ مُورَّدِ

ومُلْتَفِتٍ عنْ أزْرَقِ اللّحْظِ قدْ حَكى

بهِ العَلَقُ المُحْمَرُّ مُقْلَةَ أرْمَدِ

شَكا مَرَهَ الألْحاظِ في حوْمَةِ الوَغى

فوافاهُ مُلْتَفُّ الغُبارِ بإثْمِدِ

وكُلُّ شَهيرِ العِتْقِ أشْرَفَ جيدُهُ

وقامَ على مَلْمومَةٍ منْ زَبَرْجَدِ

تألّقَ عنْ بَرْقِ الدُّجنّة كلّما

تبسَّمَ في قِطْعٍ منَ اللّيلِ أرْبَدِ

إذا ما تغنّى بالصّهيلِ مرَجِّعاً

سمِعْتَ بهِ صوْتَ الغَريضِ ومَعْبَدِ

وجدّدْتَ نصْرَ الجِدِّ في ابْنِ ابْنِهِ الذي

رعَيْتَ لهُ حقَّ الذِّمامِ المؤَكَّدِ

ولمْ تأتِ بِدْعاً بالوَفاءِ وإنّما

شفَعْتَ الذي أسْلَفْتَ في القوْمِ منْ يَدِ

ويأبَى لكَ المجْدُ الذي أنْتَ أهْلُهُ

على الدّهْرِ إلا أنْ تُتَمِّمَ ما بُدِي

وعُدْتَ يجُرُّ المُلْكُ خلْفَكَ ذَيْلَهُ

وفي حُكْمِكَ العُلْيا تَروحُ وتَغْتَدي

ويَعْتَدُّ منْكَ المُلْكُ والدِّينُ والوَرى

بكافِي الدّواهِي والهُمامِ المؤيَّدِ

وسوّغكَ العَقْدُ السّعيدُ مسَرّةً

وهنّأَكَ الإمْلاكُ أعْذَبَ موْرِدِ

شَدَدْتَ بصِهْرِ المُلْكِ أزْرَ مَجادَةٍ

تَوارَثْتَها عنْ أوْحَدٍ بعْدَ أوْحَدِ

ومِثْلُكَ مَنْ يَرْمي بهمَّتِهِ العُلى

ويَرْفَعُ أعْلامَ الثّناءِ المُجَدَّدِ

ويُحْيي منَ التّوْحيدِ رسْماً يُعيدُهُ

لخَيْرِ اجْتِماعِ الشّمْلِ بعْدَ تبدُّدِ

عَقيلَةُ مُلْكٍ فُزْتَ منْها بطائِلٍ

عَزيزٍ على نفْسِ الكَريمِ المُمَجَّدِ

يُزرُّ علَيْها هوْدَجُ المُلْكِ هالَةً

يَدورُ علَيْها كُلُّ غَفْرٍ وفَرْقَدِ

فلوْ أنْصَفَتْ فوْقَ العُيونِ ابْتَغَوْا لَها

طَريقاً فتَمْشي فوْقَ صَرْحٍ مُمَرَّدِ

وفي نِسْبَةِ الأشْياءِ يظْهَرُ حُسْنُها

موحَّدَةٌ زفّتْ لخَيْرِ موَحِّدِ

فهنّأكَ اللهُ الإيابَ ولا انْقَضَتْ

سُعودُكَ تَتْرى بيْنَ مَثْنى ومَوْحَدِ

وقابِلْ صَنيعَ اللّهِ فيكَ بشُكْرِهِ

وراقِبْهُ حالَ السِّرِّ والجَهْرِ تُحْمَدِ

فَيا هَضْبَةَ العُلْيا ويا مُزْنَةَ النّدى

ويا مَفْخَرَ الدُّنْيا ويا قَمَرَ النّدي

ويا عُدّةَ المُلْكِ المَرينيِّ كلّما

اسْتَجارَ بهِ في الأمْسِ واليوْمِ والغَدِ

ركَضْتُ إليْكَ الجُرْدَ أفْلي بها الفَلا

وأذْرَعُ منْها فَدْفَداً بعْدَ فَدْفَدِ

يَطيرُ بِها الشّوقُ الحَثيثُ فيَنْبَري

لمثْواكَ فيها كلُّ سَهْمٍ مُسَدَّدِ

ولوْ هاجَ عزْمي منْ سِواكَ وصاحَ بي

لآثَرْتُ سِيما العاجِزِ المُتَبَلِّدِ

وما كُنْتُ أرْضى أنْ أنالَ ذَريعَةً

أُكِدُّ لها نَفْسي وأُكْذِبُ مَقْصَدي

وأقْتَحِمُ الأخْطارَ والأرضُ تلْتَظي

وألْتَهِمُ الأقْطارَ والهَوْلُ يغْتَدي

ولوْ أنّ شمْسَ الجوِّ أو قَمَر الدُّجى

يعودانِ لي هَضْبَيْ نُضارٍ وعسْجَدِ

ولكنّهُ وُدٌّ وحُسْنُ تَخيُّرٍ

قضى لكَ منّي بالثّناءِ المُخَلَّدِ

جعلْتُكَ بيْنَ النّاسِ حظّي الذي سمَتْ

لإحْرازِهِ نفْسي وطَبْعيَ مُنْجِدي

وحرَّكَ عزْمي أنْ أزورَكَ قاعِداً

على فُرُشِ العِزِّ الأصيلِ المُجَدَّدِ

ليَخْلُصَ تأمِيلي إلَيْكَ ووِجْهَتي

ويَبْرأُ عزْمي منْ سِواكَ ومَقْصَدي

فلا تَنْسَ لي هَذا الذِّمامَ فإنّهُ

لَخيْرُ ذِمامٍ قد وصَلْتُ به يَدي

أجازَ عُلاكَ اللهُ منْ كُلِّ حادِثٍ

ولازِلْتَ في سَعْدٍ على الدّهْرِ مُسْعِدِ

وأحْيَى أبا يَحْيَى لعَيْنِكَ قُرّةً

قَريعُكَ في حَزْمٍ وعزْمٍ وسُؤدَدِ

مؤمَّلَ أبْنائي ومَظْهرَ دعْوَتي

ولوْلا اتّقائي عتْبَهُ قُلْتُ سيّدي

ولازِلْتَ تجْني كلّما اشْتَجرَ الوَغى

جنَى النّصْرِ منْ غرْسِ القَنا المُتقصِّدِ

وكثّرَ منْ حُسّادِكَ اللّهُ إنّهُ

إنِ اللّهُ أنْمى خيْرَهُ لكَ تُحْسَدِ

معلومات عن لسان الدين بن الخطيب

لسان الدين بن الخطيب

لسان الدين بن الخطيب

محمد بن عبد الله بن سعد السلماني اللوشي الأصل، الغرناطي الأندلسي، أبو عبد الله، الشهير بلسان الدين ابن الخطيب. وزير مؤرخ أديب نبيل. كان أسلافه يعرفون ببني الوزير. ولد ونشأ..

المزيد عن لسان الدين بن الخطيب

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة لسان الدين بن الخطيب صنفها القارئ على أنها قصيدة حزينه ونوعها عموديه من بحر الطويل


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس