الديوان » العصر المملوكي » صفي الدين الحلي »

من نفخة الصور أم من نفحة الصور

مِن نَفخَةِ الصورِ أَم مِن نَفحَةِ الصورِ

أَحيَيتِ يا ريحُ مَيتاً غَيرَ مَقبورِ

أَم مِن شَذا نَسمَةِ الفِردوسِ حينَ سَرَت

عَلى بَليلٍ مِنَ الأَزهارِ مَمطورِ

أَم رَوضِ رَشمَلَ أَعدى عِطرُ نَفحَتِهِ

طَيَّ النَسيمِ بِنَشرٍ فيهِ مَنشورِ

وَالرَيحُ قَد أَطلَقَت فَضلَ العِنانِ بِهِ

وَالغِصنُ ما بَينَ تَقديمٍ وَتَأخيرِ

في رَوضَةٍ نُصِبَت أَغصانُها وَغدا

ذَيلُ الصِبا بَينَ مَرفوعٍ وَمَجرورِ

وَالماءُ ما بَينَ مَصروفٍ وَمُمتَنِعٍ

وَالظِلُّ ما بَينَ مَمدودٍ وَمَقصورِ

وَالريحُ تَجري رُخاءً فَوقَ بَحرَتِها

وَماؤُها مُطلَقٌ في زِيِّ مَأسورِ

قَد جُمِّعَت جَمعَ تَصحيحٍ جَوانِبُها

وَالماءُ يُجمَعُ فيها جَمعَ تَكسيرِ

وَالرَيحُ تَرقُمُ في أَمواجِهِ شَبَكاً

وَالغَيمُ يَرسُمُ أَنواعَ التَصاويرِ

وَالنَرجِسُ الغَضُّ لَم تُغضَض نَواظِرُهُ

فَزَهرُهُ بَينَ مُنغَضٍّ وَمَزرورِ

كَأَنَّهُ ذَهَبٌ مِن فَوقِ أَعمِدَةٍ

مِنَ الزُمُرُّدِ في أَوراقِ كافورِ

وَالأُقحُوانُ زَها بَينَ البَهارِ بِها

شِبهَ الدَراهِمِ ما بَينَ الدَنانيرِ

وَقَد أَطَعنا التَصابي حينَ ساعَدَنا

عَصرُ الشَبابِ بِجودٍ غَيرِ مَنزورِ

إِنَّ الشَبابَ شَفيعٌ نَشرُ بُردَتِهِ

مِن عِطرِ دارينَ لا مِن عِطرِ فَنصورِ

وَزامِرُ القَومِ يَطوينا وَيَنشُرُنا

بِالنَفخِ في النايِ لا بِالنَفخِ في الصورِ

وَقَد تَرَنَّمَ شادٍ صَوتُهُ غَرِدٌ

كَأَنَّهُ ناطِقٌ مِن حَلقِ شُحرورِ

شادٍ أَنامِلُهُ تُرضي الأَنامَ لَهُ

إِذا شَدا وَأَجابَ اليَمُّ بِالزَيرِ

بِشامِخِ الأَنفِ قَوّامٍ عَلى قَدَمٍ

يَشكو الصَبابَةَ عَن أَنفاسِ مَهجورِ

شَدَّت بِتَصحيفِهِ في العَضدِ أَلسُنُهُ

فَزادَ نَطفاً لِسِرٍّ فيهِ مَحصورِ

إِذا تَأَبَّطَهُ الشادي وَأَذكَرَهُ

عَصرَ الشَبابِ بِأَطرافِ الأَظافيرِ

شَكَت إِلى الصَحبِ أَحشاهُ وَأَضلُعُهُ

قَرضَ المَقاريضِ أَو نَشرَ المَناشيرِ

بَينا تَرى خَدَّهُ مِن فَوقِ سالِفَةٍ

كَمَن يُشاوِرُهُ في حُسنِ تَدبيرِ

تَراهُ يُزعِجُهُ عُنفاً وَيُسخِطُهُ

بِضَربِ أَوتارِهِ عَن حِقدِ مَوتورِ

وَالراقِصاتُ وَقَد مالَت ذَوائِبُها

عَلى خُصورٍ كَأَوساطِ الزَنابيرِ

يُخفي الرِدا سُقمَها عَنّا فَيَفضَحُها

عَقدُ البُنودِ وَشَدّاتُ الزَنابيرِ

إِذا اِنثَنَينَ بِأَعطافٍ يُجاذِبُها

مَوّارُ دِعصٍ مِنَ الكُثبانِ مَمطورِ

رَأَيتَ أَمواجَ أَردافٍ قَدِ اِلتَطَمَت

في لُجِّ بَحرٍ بِماءِ الحُسنِ مَسحورِ

مِن كُلِّ مائِسَةِ الأَعطافِ مِن مَرَحٍ

مَقسومَةٍ بَينَ تَأنيثٍ وَتَذكيرِ

كَأَنَّ في الشيزِ يُمناها إِذا ضَرَبَت

صَبحٌ تَقَلقَلَ فيهِ قَلبُ ديجورِ

تَرعى الصُروبَ بِكَفّيها وَأَرجُلِها

وَتَحفَظُ الأَصلَ مِن نَقصٍ وَتَغيِيرِ

وَتُعرِبُ الرَقصَ مِن لَحنٍ فَتُلحِقُهُ

ما يَلحَقُ النَحوَ مِن حَذفٍ وَتَقديرِ

وَحامِلُ الكَأسِ ساجي الطَرفِ ذو هَيفٍ

صاحي اللَواحِظِ يَثنِ عِطفَ مَخمورِ

كَأَنَّما صاغَهُ الرَحمَنُ تَذكِرَةً

لِمَن يُشَكِّكُ في الوِلدانِ وَالحورِ

تَظَلَّمَت وَجنَتاهُ وَهيَ ظالِمَةٌ

وَطَرفُهُ ساحِرٌ في زِيِّ مَسحورِ

يُديرُ راحاً يَشُبُّ المَزجُ جُذوَتَها

فَلا يَزيدُ لَظاها غَيرَ تَسعيرِ

ناراً بَدَت لِكَليمِ الوَجدِ آنَسَها

مِن جانِبِ الكَأسِ لا مِن جانِبِ الطورِ

تَشَعشَعَت في يَدِ الساقينَ وَاِتَقَدَت

بِها زُجاجاتُها مِن لُطفِ تَأثيرِ

كَأَنَّها وَضِياءُ الكَأسِ يَحجُبُها

روحٌ مِنَ النارِ في جِسمٍ مِنَ النورِ

وَلِلأَبارِيقِ عِندَ المَزجِ لَجلَجَةٌ

كَنُطقِ مُرتَبِكِ الأَلفاظِ مَذعورِ

كَأَنَّها وَهيَ في الأَكوابِ ساكِبَةٌ

طَيرٌ تَزُقُّ فِراخاً بِالمَناقيرِ

أَمسَت تُحاوِلُ مِنّا ثَأرَ والِدِها

وَدوسَهُ تَحتَ أَقدامِ المَعاصيرِ

فَحينَ لَم يَبقَ عَقلٌ غَيرَ مُعتَقِلٍ

مِنَ العُقارِ وَلُبٌّ غَيرَ مَعقورِ

أَجلَتُ في الصَحبِ أَلحاظي فَكَم نَظَرَت

ليثاً تُعَفَّرُهُ أَلحاظُ يَعفورِ

مِن كُلِّ عَينٍ عَليها مِثلُ تالِئها

مَكسورَةٍ ذاتِ فَتكٍ غَيرِ مَكسورِ

أَقولُ وَالراحُ قَد أَبدَت فَواقِعَها

وَالكَأسُ يَنفُثُ فيها نَفثَ مَصدورِ

أَسَأتَ يا مازِجَ الكاساتِ حِليَتَها

وَهَل يُتَوَّجُ يا قوتٌ بِبَلّورِ

وَقائِلٍ إِذا رَأى الجَنّاتِ عالِيَةً

وَالحورَ مَقصورَةً بَينَ المَقاصيرِ

وَالجَوسَقَ الفَردَ في لُجِّ البُحَيرَةَ وَال

صَرحَ المُمَرَّدَ فيهِ مِن قَواريرِ

لِمَن تَرى المُلكَ بَعدَ اللَهِ قُلتُ لَهُ

مَقالَ مُنبَسِطِ الآمالِ مَسرورِ

لِصاحِبِ التاجِ وَالقَصرِ المَشيدِ وَمَن

أَتى بِعَدلٍ بِرَحبِ الأَرضِ مَنشورِ

فَقالَ تَعني بِهِ كِسرى فَقُلتُ لَهُ

كِسرى بنُ أُرتُقَ لا كِسرى بنُ سابورِ

الصالِحُ المَلِكُ المَشكورُ نائِلُهُ

وَرُبَّ نائِلِ مُلكٍ غَيرِ مَشكورِ

مَلكٌ إِذا وَفَّرَ الناسُ الثَناءَ لَهُ

أَمسَت يَداهُ بِوَفرٍ غَيرِ مَوفورِ

مَحبوبَةٌ عِندَ كُلِّ الناسِ طَلعَتهُ

كَأَنَّها لَهَبٌ في عَينِ مَقرورِ

يُرجى وَيُحذَرُ في يَومي نَدىً وَرَدىً

وَالبَحرُ ما بَينَ مَرجُوٍّ وَمَحذورِ

شَمسٌ تُحيلُ ضِياءَ الشَمسِ طَلعَتُهُ

كَأَنَّما عوجِلَت مِنهُ بِتَكويرِ

لا تَفخَرُ الشَمسُ إِلّا أَنَّها لَقَبٌ

لَهُ وَشِبهٌ لَهُ في العِزِّ وَالنورِ

إِن هَمَّ بِالجودِ لَم تَنظُر عَزائِمُهُ

في فِعلِهِ بَينَ تَقديمٍ وَتَأخيرِ

يَلقاكَ قَبلَ العَطا بِالبِشرِ مُبتَدِئاً

بَسطاً وَبَعدَ العَطايا بِالمَعاذيرِ

رَأَت بَنو أُرتُقٍ نَهجَ الرَشادِ بِهِ

وَليسَ كُلُّ زِنادٍ في الدُجى يوري

بِرَأيِهِ اِنصَلَحَت آراءُ مُلكِهِمُ

كَأَنَّهُم ظَفِروا مِنهُ بِإِكسيرِ

كَم عُصبَةٍ مُذ بَدا سوءُ الخِلافِ بِها

بادَت بِصارِمِ عَزمٍ مِنهُ مَشهورِ

سَعوا إِلى الحَربِ وَالهاماتُ ساجِدَةٌ

وَالبيضُ ما بَينَ تَهليلٍ وَتَكبيرِ

مَشوا كَمَشي القَطا حَتّى إِذا حَمَلوا

ثِقلَ القُيودِ مَشوا مَشيَ العَصافيرِ

يا باذِلَ الخَيلِ في يَومِ الغُلُوِّ بِها

وَما أَتَينَ بِسَعيٍ غَيرِ مَشكورِ

إِن كانَ زَهوَةُ كِسرى بِالأُلوفِ فَكَم

وَهَبتَ مِن عَدَدٍ بِالأَلفِ مَجذورِ

أَو كانَ بِالجَوسِقِ النُعمانُ تاهَ فَكَم

مِن جَوسَقٍ لَكَ بِالشِعبَينِ مَعمورِ

فيكُلِّ مُستَصعَبِ الأَرجاءِ مُمتَنِعٍ

تُبنى القَناطِرُ فيهِ بِالقَناطيرِ

لَو مَرَّ عادُ بنُ شَدّادٍ بِجَنَّتِهِ

أَقامَ يَقرَعُ فيها سِنَّ مَغرورِ

لا غَروَ إِن جُدتَ لِلوُفّادِ قاصِدَةً

إِلَيكَ تَطوي الفَلا طَيَّ الطَواميرِ

إِن تَسعَ نَحوَكَ مِن أَقصى الشَآمِ فَقَد

سَعَت إِلى المَلِكِ المَنصورِ مِن صورِ

فَاِسعَد بَعيدٍ بِهِ عادَ السُرورُ لَنا

وَعادَ شانيكَ في غَمٍّ وَتَكديرِ

صُمَّت بِصَومِكَ أَسماعُ العُداةِ وَكَم

قَلبٍ لَهُم مِنكَ بِالإِفطارِ مَفطورِ

أَدعوكَ دِعوَةَ عَبدٍ وامِقٍ بِكُمُ

يا واحِدَ العَصرِ فَاِسمَع غَيرَ مَأمورِ

لا أَدَّعي العُذرَ عَن تَأخيرِ قَصدِكُمُ

لَيسَ المُحِبُّ عَلى بُعدٍ بِمَعذورِ

بَل إِن غَدا طولُ بُعدي عَن جَنابِكُمُ

ذَنبي العَظيمَ فَهَذا المَدحُ تَكفيري

لَولاكُمُ لَم يَكُن في الشِعرِ لي أَرَبٌّ

وَلا بَرَزتُ بِهِ مِن خَزنِ تامورِ

فَضيلَةٌ نَقَصَت قَدري زِيادَتُها

كَالإِسمِ زادَت بِهِ ياءٌ لِتَصغيرِ

لَكِنَّني لَم أُهِن حِرصاً نَفائِسَها

كَمُرخِصِ الشِعرِ في مَدحِ اِبنِ مَنصورِ

مَكانَةُ النَفسِ مِنّي فَوقَ مُكنَتِها

مِنَ النُضارِ وَقَدري فَوقَ مَقدورِ

لَكِن تَأَخَّرَ بي عَصري وَقَدَّمَ مَن

قَد كانَ قَبلِيَ في ماضي الأَساطيرِ

كَأَنَّني مِن رُقومِ الهِندِ أَوجَبَ لي

عُلُوَّ مَرتَبَتي إِفراطُ تَأخيري

فَاِستَجلِ بِكرَ قَريضٍ لا صَداقَ لَها

سِوى القَبولِ وَوُدٍّ غيرِ مَكفورِ

عَلى أَبِي الطَيّبِ الكوفِيِّ مَفخَرُها

إِذ لَم أُضِع مِسكَها في مِثلِ كافورِ

رَقَّت لِتُعرِبَ عَن رِقّي لِمَجدِكُمُ

حُبّاً وَطالَت لِتَمحوَ ذَنبَ تَقصيري

معلومات عن صفي الدين الحلي

صفي الدين الحلي

صفي الدين الحلي

عبد العزيز بن سرايا بن علي بن أبي القاسم السنبسي الطائي. شاعر عصره. ولد ونشأ في الحلة (بين الكوفة وبغداد) واشتغل بالتجارة، فكان يرحل إلى الشام ومصر وماردين وغيرها، في تجارته،..

المزيد عن صفي الدين الحلي

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة صفي الدين الحلي صنفها القارئ على أنها قصيدة رثاء ونوعها عموديه من بحر البسيط


حرف الشاعر

شُعراء مميزون

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس