الديوان » العصر المملوكي » الشريف المرتضى »

ما كان يومك يا أبا إسحاق

عدد الأبيات : 55

طباعة مفضلتي

ما كان يومُك يا أبا إسحاقِ

إلّا وداعي للمُنى وفراقي

وأشدّ ما كان الفراقُ على الفتى

ما كان موصولاً بغير تلاقِ

ولقد أتاني من مصابك طارقٌ

لكنّه ما كان كالطرّاقِ

فالنّارُ يوقدها الأسى في أضلُعِي

لا للصِّلى والماءُ من آماقي

ما كان للعينين قبلك بالبكا

عهدٌ ولا الجنبين بالإقلاقِ

وأطَقْتُ حملَ النّائباتِ ولم يكنْ

ثِقْلٌ برُزئِك بيننا بمطاقِ

لولا حِمامُك ما اِهتَدى همٌّ إلى

قلبي ولا نارٌ إلى إحراقي

وسُلبتُ منك أجلَّ شطْرَيْ عيشتي

وفُجعتُ منك بأنفسِ الأعلاقِ

وقَذِيتُ في قلبي بفقدك والقذى

في القلبِ يُنسينا قَذاةَ الماقِ

لمّا رأيتُك فوق صهوةِ شَرْجَعٍ

بيد المنايا أظلمتْ آفاقي

وكأنّنِي من بعد ثُكلك ذو يدٍ

جذّاءَ أو غصنٌ بلا أوراقِ

أو راكبٌ في القفر دَفَّيْ جَسْرَةٍ

غَرْثي بلا شَثٍّ ولا طُبّاقِ

إنّي عليك لما ذهبتَ لموجَعٌ

وإليك لمّا غبتَ بالأشواقِ

يا نافعي والجلدُ منّي ضيّقٌ

برزِيَّتِي أَلّا يَضيقَ نطاقي

كم من ليالٍ لي قصارٍ بعده

طُوِّلْنَ بالإيجاِع والإيراقِ

ولو اِفتُديتَ فداك بادرةَ الرّدى الْ

أقوامُ بالمهجاتِ والأحداقِ

وَبكلّ ممتلئِ الضّلوِع بسالةً

هادٍ إِلى طُرُقِ الهدى سبّاقِ

تهمي دماً من كفّه سحبُ الوغي

من غير إرعادٍ ولا إِبراقِ

وتراه يهوي في التّراب إلى ظُباً

مسلولةٍ وإلى ظهورِ عِتاقِ

وإلى سِنانٍ فوق هامةِ ذابلٍ

هتّاكِ كلِّ تريبةٍ خرّاقِ

أين الرّجالُ المالكو رِبَقِ الورى

والمُرْتقون إلى أعزِّ مراقِ

والطّاردون بجودهم وعطائهم

في المُملقين عوادِيَ الإملاقِ

ولهمْ أكفٌّ ما تولّتْ وحدَها

في النّاسِ إِلّا قِسمةَ الأرزاقِ

وإذا هُمُ لبسوا المحاسِنَ أهْوَنوا

بملابسِ التِّيجانِ والأطواقِ

سيقوا إلى حُفَرِ القَواءِ كأنّهمْ

ذَوْدٌ تصرّفُه يدا سوّاقِ

وتطارحوا في قعر مظلمةِ الهُوى

محجوبةِ الإصباح والإشراقِ

واِستُنزِلوا عن كلّ شاهقةِ البِنا

من حيث لا ترقى أخامصُ راقِ

فهُمُ وقد كان الفضاءَ محلُّهم

ما بين أطباقٍ وفي أعماقِ

ما ذا الغرورُ من الزّمان بكاذبٍ

نَغْلِ المودّةِ في الهوى ملّاقِ

في كُلِّ يَومٍ ينثنِي عنه الّذي

يرجوه مملوءاً من الإخفاقِ

وإذا مددتُ إلى الزّمانِ أنامِلي

وشددتُ في أسْرِ الطّماع وَثاقي

فالأمرُ موكولٌ إلى متجرّمٍ

والعظمُ مرميٌّ إلى عرّاقِ

ما إنْ وَنَتْ سكناتُ قلبك برهةً

فيه بساعة جأْشك الخفّاقِ

ومن البليّةِ أنّنا كَلِفون مِنْ

هذي الحياةِ بِمنْكَحٍ مِطْلاقِ

في كلّ يومٍ نرتوي من شرّها

مائين من حَذَرٍ ومن إشفاقِ

وأنا الأسيرُ لها فمن هذا الّذي

يسعى إلى الأيّام في إطلاقي

إِنْ لم تكن من عنصري فَلأَنْتَ بال

آداب من أهلي وبالأخلاقِ

ومودّةٌ بين الرّجالِ تضمُّهمْ

وتلفُّهمْ خيرٌ من الأعراقِ

مَن ذا نضا عنّا شعارَ جمالنا

ورمى هلالَ سمائنا بمحاقِ

مَن ذا لوانا والصّدا عَلِقٌ بنا

عن وِرْدِ ذاك المَنْهَلِ الرَّقْراقِ

فلئنْ خرِستَ عن البيان فطالما

حكّمتَ أنّى شئتَ بالإنطاقِ

ولئنْ مُنعت عن البَراحِ فبعد ما

جوّلتَ أو طوّفتَ في الآفاقِ

ولئنْ كَبَوْتَ عن المدا بعد الرَّدى

فبما سبقتَ غداةَ يومِ سباقِ

ولئنْ تحمّلْتَ التّرابَ فطالما

قد كنتَ محمولاً على الأعناقِ

فليمضِ بعدك مَن أُحِبُّ فقد مضى

منك الحمامُ ببُغْيَتِي ووفاقي

ما لي اِنتِفاعٌ بعد فقدك صاحباً

حلوَ المذاقةِ في الورى بمذاقِ

نسَجتْ عليك رياضُ كلِّ بلاغةٍ

وسقاك منها ما تشاء السّاقي

وعصتْ على كلّ الرّجالِ فقُدتَها

لرضاك بالأرسانِ والأرباقِ

وملكتَها طولَ الزّمانِ وإنّما

فازتْ وقد وُوريتَ بالإعتاقِ

طلبوا مداك ففتَّهمْ وسبقتَهمْ

رَكْضاً ولم تسمحْ لهمْ بِلحاقِ

فالآن بعد اليأسِ منها أيقنوا

أنّ البلاغةَ في يدِ الرزّاقِ

ولْيسقِ قبرَك كلُّ مُنخرقِ الكُلى

مِرعادُ كلّ عشيّةٍ مِبْراقِ

فإذا جفا التُّربَ السحابُ فعنده

ما اِختَرتَ مِن سحٍّ ومِن إطباقِ

لم يُفْنِ دهرٌ مَن نأى وله بنا

كَلِمٌ على مرّ الزّمان بواقِ

وإذا مضيتَ وفيك فضلٌ باهرٌ

فيمنْ نسلتَ فأنتَ حيٌّ باقِ

معلومات عن الشريف المرتضى

الشريف المرتضى

الشريف المرتضى

علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم، أبو القاسم، من أحفاد الحسين بن علي بن أبي طالب. نقيب الطالبيين، وأحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر. يقول بالاعتزال...

المزيد عن الشريف المرتضى

تصنيفات القصيدة