الديوان » العصر العباسي » الصاحب بن عباد »

لقد رحلت سعدى فهل لك مسعد

عدد الأبيات : 91

طباعة مفضلتي

لَقَد رَحَلَت سُعدى فَهَل لَكَ مُسعِدُ

وَقَد أَنجَدت عَلواً فَهل لَكَ مُنجِدُ

لَقَد بِتُّ أَرجو الطَيفَ مِنها يَزورُني

وَكَيفَ يَزورُ الطَيفُ مَن لَيسَ يَرقُد

وَقد كانَ لي من مَدمَع العَينِ مَنبَع

فَغار بِنار الوَحيد فَهيَ تَوَقَّد

رَعيتُ بِطَرفي النجمَ لَمّا رَأَيتُها

تَباعَدُ بُعدَ النَجم بَل هيَ أَبعَد

تُنيرُ الثَريّا وَهيَ قَرطٌ مسلسلٌ

وَإِن كرَّ فيها الطرفُ درٍّ مُبَدَّد

وَتَعتَرِض الجَوزاءُ وَهي كَكاعِبٍ

تَمَيَّلُ مِن سُكرٍ بِها وَتَمَيَّد

وَتَحسَبُها طوراً أَسيرَ جَنايَةٍ

تَرَنَّحَ عِندَ المثي وَهو مُقَيَّد

وَلاحَ سُهَيلٌ وَهو لِلصُّبحِ راقِبٌ

فَشوهِد مِنهُ طَرفُ باكٍ مسَهَّد

أَردُدُ عيني في النُجومِ كَأَنَّها

دَنانيرُ لكِنَّ السَماءَ زبرجَد

رَأَيتُ بِها وَالصُبحُ ما خانَ وِردُه

قَناديلَ وَالخَضراءُ صرحٌ مُمَرَّد

وَقِيدَ لنا من مَربَطِ الخَيلِ أَشقَرٌ

إِذا ما جَرى فَالريحُ تَكبو وَتركد

وَصرتُ عَلى بُسطِ الرِياضِ أَنيقَةٍ

وَأَنهارُها أَعلامُها تَتحرَّدُ

فَلَمّا رَأَيتُ الماءَ يَجري تَسَلسُلًا

ظَنَنت سيوفَ الهِند فيهِ تُجَرَّد

وَشاهَدتُ أَنواعَ الرِياح تُجتَلى

فَيُحلى بِها بردٌ قَشيبٌ مُعَمَّد

فَأَخضرُها يَحكيهُ عَضدٌ موَشَّمٌ

وَأَحمرُها يَحكيهِ خَدٌّ مورَّد

وَقد زَهرت فيهِ الأَقاحي كَأَنَّها

ثغورُ عَذارى بِالأَراكَ تُعَهَّد

وَأَطرَبَني صوتُ الحمائِمِ بَينَها

وَقد طَربت بَينَ الغُصون تَغرِّدُ

هنالِكَ يُنسى الموصليُّ وَزلزلٌ

وَيَعبدُها من طيبَةِ الشَد وَمعبدُ

هنالك عاطيتُ المَدامَةَ سادَةً

اولي مكرَماتٍ ساعَدوني فَأُسعِدوا

كُمَيتاً كَأَنفاس الأَحِبَّةِ عرفُها

مَتى مُزِجَت قلنا لُجَينٌ وَعَسجَدُ

إِذا انقَضَّ مِنها في الزُجاجَةِ كَوكَبٌ

بَدا كَوكَبٌ من بَعده يَتَوَقَّد

يُناولُنيها ساحِرُ الطَرف أَهيَفٌ

أَنامِلُه من شِدَّة اللينِ تُعقَد

إِذا حَملت يُمناه ابريقَ فِضَّةٍ

بَدا أَجيد يحذوه لِلشُّربِ أَجيد

وَإِن سجد الاِبريق لِلكَأس عُنوَةً

فَنَحنُ لَهُ من شِدَّةِ الحُب نَسجُدُ

وَقد أَغتَدي لِلصَّيدِ غَدوَةَ أَصيَد

أُعاجِلُ فيها الوَحش وَالوَحشُ هُجَّدُ

فَعارَضَ عَيرٌ قُلتُ للمَرح هاكَهُ

فَعاجَلَهُ قَصداً لَهُ العَيرُ مُقصَدُ

وَعَنَّت ظِباءٌ حينَ تَحتيَ مُطلَقُ ال

يَدَينِ بِهِ أَيدي الوُحوشُ تَقيد

فَأَورَكتُها وَالسَيفُ لَمعَة بارِقٍ

وَلم يُغنِها احضارُها وَهيَ تَهجدُ

فَجَدَّلتُها حَتّى حَسِبتُ لِسُرعَتي

حُسِمتُ وَكَفّي البَرق ساعَةَ أَعقد

لَقَد رعتُها أَزمانُ شَعريَ راتِعٌ

وَطرفُ مشيبي عَن عَذاريَ أَرمَدُ

وَما بِلَغت حدَّ الثَلاثينَ مُدَّتي

وَهذا طَراز الشَيب فيه يُمَدَّدُ

سَأوضح نَهجَ الحَق إِن كانَ سامِعٌ

وَأُرشِدُ مَن يُصغي إِلَيَّ وَيُرشَد

وَمَن كان يَخفيهِ فانِّيَ مُظهِرٌ

وَمَن لَم يجرِّده فَإِنّي مُجَرِّدُ

وَمَن كان بِالتَشبيهِ وَالجَبرِ دائِناً

فَإِنِّيَ في التَوحيدِ وَالعَدل أَوحَدُ

أُنَزِّه ربَّ الخَلقِ عن حَدِّ خلقِهِ

وَقد زاغَ راوٍ في الصِفاتِ وَمُسنَدُ

فَهذا يَقولُ اللَهُ يَهوى وَيَصعَدُ

وَهذا لَدَيهِ اللَهُ مُذ كانَ أَمرَدُ

تَبارَكَ ربُّ المُرد وَالشِيب انَّهُم

لَأكفَرُ من فِرعَون فيهِ وَأَعنَد

وَآخَرُ قالَ العَرشُ يَفضل قَدرَهُ

وَأَوهَم ان اللَهَ جِسمٌ مُجَسَّدُ

وَآخرُ قالَ اللَهُ جسمٌ مجسَّمٌ

وَلم يَدرِ أَنَّ الجِسمِ شَيءُ مُحَدَّد

وَأَنَّ الَّذي قَد حُدَّ لا بُدَّ مُحدِث

إِذا مَيَّزَ الأَمرَ اللَبيبُ المؤيَّدُ

لَقَد زَعَموا ما لَيسَ يَعدوهُ مُشرِك

وَقد أَثبَتوا ما لَيسَ يَخطوهُ ملحِدُ

وَقُلنا بِأَن اللَهَ لا شَيء مِثلُهُ

هُوَ الواحِدُ الفَردُ العليُّ المُمَجَّدُ

هو العالِمُ الذاتِ الَّذي لَيسَ مُحوَجاً

إِلى العِلم وَالأَعلامُ تَبدو وَتَشهدُ

وَلَيسَ قَديماً سابِقاً غَيرُ ذاتِهِ

وَان كانَ أَبناءُ الضَلال تَبَلَّدوا

أَتانا بِذِكرٍ مُحكَمٍ من كَلامِهِ

هو الحَجَّةُ العليا لِمَن يَتَسَدَّدُ

وَان قالَ أَقوامٌ قَديم لأَنَّهُ

كَلام لَهُ فَاِنظُر إِلى أَينَ صَعَّدوا

كَذاكَ النَصارى في المَسيحِ مَقالُها

وَقد شَرَّدوا عَن دينِنا فَتَشَرَّدوا

فَتَبّاً لَهُم إِذا عانَدوا فَتَنَصَّروا

وَوَيلًا لَهُم إِذ كايَدوا فَتَهَوَّدوا

وَإِن سقتُ ما قالوهُ في الجبر ضلَّةً

خَشيتُ جِبالَ الأَرضِ مِنهُ تهدَّدُ

يَقولونَ أَنَّ اللَهَ يَخلِقُ سَبَّهُ

لِيُشتَمً كَلّا فَهو أَعلى وَأَمجَد

وَقالوا أَرادَ الكفرَ وَالظَلمَ وَالزِنا

وَقَتلَ النَبِيِّينَ الَّذينَ تَعَبَّدوا

فَكَلَّفَ مَن لَم يَستَطع فِعلَ مُحنَقٍ

عَلى عَبدِهِ حاشاهُ مِمّا تَزَيَّدوا

وَعاقَبه عَن تَركِهِ الفِعلَ لَم يُطَق

عِقاباً لَهُ من بِالجَحيمُ مُخَلَّدُ

يَقولونَ عَدلٌ أَن يكلِّفَ مُقعَداً

قِياماً وَعَدواً مُسرِعاً وَهوَ مُقعَد

وَقُلنا بِأَنَّ اللَهَ عَدلٌ وَأَنَّهُ

يُكَلِّفُ دونَ الطَوق ما هو أَحمدُ

وَأَنَّ ذُنوبَ الناسِ أَجمَع كَسبُهُم

بِاِحداثِها من دونِهِ قَد تَفَرَّدوا

وَلَيسَ يُريدُ اللَهُ إِلّا صَلاحَهُم

وَإِن أَفسَدوا في دينِهِم وَتَمَرَّدوا

وَيُرجىءُ ذا الارِجاءُ وَالقَولُ وارِد

بِاِنجازِه كلَّ الَّذي قَد تُوُعِّدوا

وَأخلَصُ مَدحي لِلنَبِيِّ محمَّدٍ

وَذريَّةٍ مِنها النَبِيُّ مُحَمَّدُ

نَبِيٌّ أَقامَ الدينَ وَالدينُ مائِل

وَأَوهى قَناةَ الكُفرَ وَهي تشدَّدُ

فَلَولاهُ لم يُكشَف سجافُ ضَلالَةٍ

وَلَولاهُ لم يُعرَف من الحَقِّ مَقصَدُ

دَعا وَهدى مُستَنقِذاً مِن يَد الرَدى

وَصَلّى عَلَيهِ اللَهُ ما دامَ فَرقَدُ

وَأَوصى إِلى خَيرِ الرِجال اِبن عَمِّه

وَان ناصَبَ الأَعداءُ فيهِ فَما هُدوا

تَجَمَّع فيهِ ما تَفَرَّقَ في الرَدى

مِنَ الخَيرِ فَاِحصوهُ فَإِنّي أُعَدِّدُ

فَسابِقهُ الاِسلام قَد سُلِّمَت لَهُ

سِوى أُمَّةٍ من بُغضِهِ تَتقدَّدُ

وَقَد جاهَدَ الأَعداءَ ابدءاً وَعودةً

وَكان سِواهُ في القِتالِ يُمَرِّدُ

هو البَدرُ في هَيجاءَ بَدرٍ وَغيرُهُ

فَرائِضُهُ من ذُكرة السَيف ترعُدُ

وَكم خَبَرٍ في خَيبَرٍ قَد رويتُمُ

وَلكنَّكم مثل النعام تشرَّد

وَفي أُحُدٍ َلّى رِجالٌ وَسيفُهُ

يُسَوِّد وَجهَ الكُفرِ وهو يُسَوَّدُ

وَيَوم حنينٍ حنَّ لِلفَرِّ بَعضُكُم

وَصارِمُهُ عَضبُ الغُرار مُهَنَّد

عليّ عَلِيّ في المَواقِف كُلِّها

وَلكِنَّكُم قَد خانَكم فيه مَولد

عَلي أَخو خَير النَبِيّينَ فَاِخرسَوا

أَو اِستَبصروا فَالرُشدُ أَدنى وَأَقصَدُ

عليٌّ له في الطَيرِ ما طارَ ذِكرُهُ

وَقامَت بهِ أَعداؤُهُ وَهيَ تَشهَدُ

عَلي لَهُ في هَل أَتى ما تَلوتُمُ

عَلى الرُغمِ مِن آنافَكم فَتفرَّدوا

وَباتَ عَلى فَرشِ النَبِيِّ تَسَمُّحاً

بِمُهجَتِهِ إِذ أَجلَبوا وَتَوَعَّدوا

وَما عَرف الأَصنامَ وَالقَومُ سُجَّدٌ

لَها وَهو في اثر النَبِيِّ يُوَحِّدُ

وَصَيَّره هارونَه بَينَ أَهلِهِ

كَهارون موسى فَاِبحَثوا وَتَأَيَّدوا

تَوَلّى امورَ الناسِ لم يَستَقِلهُمُ

إِلّا رُبَّما يَرتابُ مَن يَتَقَلَّدُ

وَلم يَكُ مُحتاجاً إِلى عِلم غَيرِهِ

إِذا اِحتاجَ قَومٌ في القَضايا فَبُلِّدوا

وَلا اِرتَجَعت مِنهُ وَقَد سارَ سورَةٌ

وَغُضّوا لَها أَبصارَكُم وَتَبَدَّدوا

وَلا سُدَّ عَن خَيرِ المَساجِدِ بابُهُ

وَأَبوابُهُم إِذ ذاكَ عَنه تُسَدَّد

وَزَوجَتُه الزَهراء خَيرُ كَريمَةٍ

لِخَير كَريمٍ فَضلُها لَيسَ يُجحَدُ

وَبِالحَسنَين المَجدُ مَدَّ رَواقَهُ

وَلَولاهُما لَم يَبقَ لِلمَجدِ مَشهَدُ

تَفَرَّعت الأَنوارُ للأَرضِ مِنهُما

فَلِلَّهِ أَنوارٌ بَدت تَتَجَدَّدُ

هُم الحُجَجُ الغُرُّ الَّتي قَد تَوَضَّحَت

وَهم سُرُجَ اللَه الَّتي لَيسَ تَخمَدُ

أُواليكُمُ يا أَهلَ بَيتِ محمدٍ

وَكُلُّكُمُ لِلّدينِ وَالعِلم فَرقَد

وَأَتركُ مَن ناواكُمُ وهو أَكمةٌ

يُبادي عَلَيهِ مولِد لَيس يُحمَدُ

إِذا سمع السِحرَ الَّذي قَد عَقدتُهُ

يَكادُ لَهُ من شِدَّة الحُزنِ يَفأد

اِلَيكُم ذَوي طه وَيسَ مدحةً

تَغورُ إِلى أَقصى البِلادِ وَتُنجِد

تَوَخّى اِبنُ عَبادٍ بِها آلَ أَحمدٍ

لِيَشفَع في يَوم القِيامَةِ أَحمَد

فَدونكَ يا مَكِّيُ أَنشِد مُجوِّداً

فَلَيسَ يَحوزُ السَبقَ إِلأّا المَجَوِّدُ

معلومات عن الصاحب بن عباد

الصاحب بن عباد

الصاحب بن عباد

إسماعيل بن عباد بن العباس، أبو القاسم الطالقاني. وزير غلب عليه الأدب، فكان من نوادر الدهر علماً وفضلاً وتدبيراً وجودة رأي. استوزره مؤيد الدولة ابن بويه الديلمي ثم أخوه فخر..

المزيد عن الصاحب بن عباد

تصنيفات القصيدة