الديوان » العصر الأندلسي » الأرجاني »

أراقب من طيف البخيلة موعدا

عدد الأبيات : 67

طباعة مفضلتي

أُراقِب من طَيْفِ البخيلةِ مَوعداً

وهان عليها أن أبيتَ مُسهَّدا

أبَى الليلُ إسعادي وقد طالَ جُنْحُه

فما هدأتْ عيني ولا طَيفُها اهتدَى

فبات برَعْيِ النّجمِ طَرْفي موكّلاً

وبات لذيذُ النومِ عنّي مُشَرَّدا

وهل هي إلا مُهجةٌ يَطْلُبونَها

فإن أرضَتِ الأحبابَ فَهْي لهم فِدى

أأحبابَنا كم تَجْرحون بهَجْرِكم

فؤاداً يَبيتُ الدّهرَ بالهَمِّ مُكْمَدا

إذا رُمتُمُ قَتْلي وأنتم أحِبّةٌ

فماذا الّذي أخشَى إذا كنتُمُ عِدا

سأُضمِرُ في الأحشاء منكم تَحرُّقاً

وأُظهِرُ للواشين عنكم تَجَلُّدا

وامَنَعُ عَينْي اليومَ أن تُكثِرَ البُكا

لتَسلمَ لي حتّى أراكُم بها غَدا

فهل أنت يا صاحِ الغداةَ مُعرِّجٌ

لنُحييَ عهداً أو نُحَيِّيَ مَعْهَدا

حَنَنْتُ فأَسِعدْني ليومٍ لعلّه

يُضَيَّضُ فيه أن تَحِنَّ فأُسِعدا

وما الدّهرُ إلا ما تَرى فمتى علَتْ

يَدٌ لك في دُنْياكَ فاصنَعْ بها يَدا

دَعُوا الصَّبَّ يَشْفِي العينَ منكم بنَظرةٍ

فلا بُدَّ للمشتاقِ أن يَتَزوَّدا

ولا يَطْمَعُ المَغرُورُ أن أدَعَ الهَوى

وإنْ لامني فيه الخَلِيُّ وفَنّدا

فليس يُبالي بالمَلامِ مَتَيَّمٌ

إذا كان مَن يَهواهُ بالوَصْلِ مُسْعِدا

كما لا يَخافُ الدَّهرَ مُلْكٌ غدا له

وَلِيُّ أميرِ المؤمنين مُؤيِّدا

أَعز ملوكِ الأرضِ نَفْساً ومَعشراً

وأعظَمُ أهلِ الدّهرِ مَجْداً وسْؤددا

تَرى منه مَلْكاً عظَّم اللهُ شَأنَه

فعِصْيانُه غَيٌّ وطاعتُه هُدى

مَهيباً إذا لم تَلْقَهُ البيِضُ سُجَّداً

من الناسِ ألقَتْ هامَها البيِضُ سُجّدا

هوالشّمسُ في العَلْياهوالدّهرُفي السُّطا

هوالبَدْرُفي النّادي هو البحرُ في النَدى

وإنّ أُلوفاً تُصطفَى من محاسنٍ

إذا ما حَواها واحدٌ كان أوحَدا

هنيئاً لكَ الفَتْحُ الّذي سار ذِكْرُه

فغارَ بآفاقِ البلادِ وأنْجدا

تَرْكْتَ به شَمْلَ العُداةِ مُفَرَّقاً

وعَهْدَ المنايا بالعُصاةِ مُجَدَّدا

سَما لكَ من صَحْنِ العراقِ زَعيمُهم

يَقودُ جُموعاً تَمْلأُ الأرضَ حُشّدا

وقد فرَّق الكُتْبَ اللِّطافَ مَواعِداً

وروّع بالجيشِ الكثيفِ تَوعُّدا

وما كَذِبُ الأقلامِ هادِمَ دولةٍ

بَناها لكم صِدْقُ السُّيوفِ وشَيّدا

ولا جَمْعُ أهلِ الأرضِ ينفَعُهم إذا

بنَصْرِكُمُ ربُّ السماءِ تَفَرّدا

طلَعْتَ أمامَ الجيشِ في ظلِّ رايةٍ

نظامّيةٍ يَلْقَى بها المُلْكُ أسْعُدا

مُعوَّدةٍ ألا تَزالَ بنَجْمِها

رَجيماً إذا شيطانُ شَغْبٍ تَمَرّدا

فلم تَلْقَ حَرْباً منذُ أوّلِ عَقْدِها

فعاودتْ ولم تَمَلأْ من الظّفَرِ اليَدا

فلمّا التقَى الخيلانِ أمرحتَ نحْوَهم

خُطا كُلِّ طَيّارِ القوائم أجْرها

بقومٍ إذا ثار العَجاجُ تَهافَتُوا

إلى شَفَراتِ البِيضِ مَثْنَى ومَوْحدا

تَهافُتَ مَبْثوث الفَراشِ وقد رأى

سَنا النّارِ في قِطْعٍ من اللّيلِ أسْودا

فجاؤوا وقد سدُّوا الفضاءَ وسدَّدوا

قناً بين آذانِ الجِيادِ مُسَدَّدا

فلمّا رأوا أن قد أصابوا صدَمْتَهم

كما رُعْتَ رألاً بالقِسيِّ فخَوَّدا

فأضْحوا وقد هاجُوا أُسوداً ضَوارياً

وأمسَوا وقد عاجُوا نَعاماً مُطَرَّدا

وكلُّ له في أوَّلِ الشّوطِ مَرْحَةٌ

ولكنْ يَبيِنُ السّبقُ في آخِرِ المَدى

أسَلْتَ لهم مّدَّ النّهارِ فَوائراً

من الطّعنِ تَثْنِي ناظرَ الرُّمحِ أرمدا

فما غابَ شمْسُ الأفْقِ إلا ومِن دَمٍ

بَدا شَفَقٌ قانٍ به الأفُقُ ارتدى

فلولا طلامٌ يَرقَع النَقْعُ خَرْقَهُ

لأمسَتْ حِياضُ المَوْتِ للقوم مَوردا

وقد حُقِنَتْ منهم بقايا دِمائهم

بأنْ راح سيفُ الشّمسِ في الغَرْبِ مُغْمَدا

وبات سوادُ اللّيلِ لمّا أظَلّهم

هوىً بسوادِ العَيْنِ والقلبِ يُفْتَدى

عَجِبتُ لقومٍ قد أراغوا لِمَطْلَبٍ

مَعاداً ولما يَحَمْدوا منه مُبْتَدا

ألم يَشْهدوا بالأمسِ منك نِكايةً

سقَتْ حَتْفَه منهم هُماماً مُمَجَّدا

فتىً كان أشَقى النّاسِ إذ كنتَ خَصْمَهُ

وإن غَلِطَ المُسْمِي فَسَمّاهُ أسْعَدا

فَبيْنا يَسوسُ النّاسُ مَلْكاً مُعظّماً

تَحَّولَ حتّى خَرَّ شِلْواً مُقَدَّدا

وقام لك الأقبالُ يَهتِفُ مُنْشِداً

أصابَ الرَّدى مَن كان يَهْوى لك الردى

هُناك ترَكتَ المُلْكَ منهم مَطَلّقاً

وغادرْتَ شَمْلَ التّرْكِ عنهم مُبَدَّدا

فإن لم يُطيقوا في مَغيِبك مِنْعةً

فِلمْ حاولوا أن يَشهدوا لك مَشْهَدا

وإذْ راع منك الاسْمُ فانهزموا له

فكيف رجَوا صَبْراً وشَخْصُك قد بدا

لقد أسْأَرَتْ فيهم ظُباك صُبابةً

فأولىَ لهم إن عاد أطرافَها الصَّدى

خُلِقْتَ حميدَ البَدْءِ في كلّ مَوقِفٍ

فإنْ عُدْتَ يوماً كان عَوْدُك أحْمَدا

فحتّى متَى يَصْلَى ببأسِك خائن

منَ الجهلِ في آيات مُلكِكَ ألحَدا

يُداوي له كَسْراً بكَسْرِ ضَلالهِ

كفىً وغدا للنّارِ بالنّارِ مُخْمِدا

ويَجْمَعُ طولَ العامِ شَمْلاً لعَسْكرٍ

وتَجْعلُه في ساعةٍ مُتَبَدِدّا

إذا ظَلَّ مَن طَوَّقْتَه البِرَّ جاحِداً

عَقدتَ مكانَ الطَّوقِ منه المُهَنّدا

إذا جَرَّدَ الباغي أمامَك سَيْفَه

تَقطَّر مَقْتولاً بما هو جَرَّدا

قَدِمْتَ معَ الشّهْرِ الشّريفِ مُظَفَّراً

فهُنّئْتَ عَهْديْ قادِمَيْنِ تَجَدَّدا

فكُلُّ فَمٍ للنُسكِ صامَ منَ الوَرى

وكلُّ فؤادٍ بالمَسرّةِ عَيّدا

فعِشْ ما رنا طَرفُ الظّلامِ مُكَحَّلا

ودُمْ ما بدا خَدُّ الصّباح مُورَّدا

نَصْرتَ غياثَ الدّينِ بالهِمّةِ الّتي

كَفاهُ بها للنّصْرِ جُنْداً مُجَنّداً

وأصبَحْتَ سُدّاً عالياً دونَ مُلْكِه

وأصبحَ مُلْكٌ لستَ راعيَه سُدى

لِذا المُلْكِ كانَتْ ذي الوِزارةُ تُقتنَى

وإن غاظَ أعداءً فثاروا وَحُسّدا

قضَى اللهُ هذا الأمْرَ يومَ اصطحَبْتُما

فكنتَ أبا بَكْرٍ وكان مُحَمّدا

فلا زال يَجْلو ناظِرُ الدّهرِ منكما

سنَا فَرقدٍ آخَى من اللّيلِ فَرْقَدا

ولا زال للمَولىَ الشهيدِ تَحيّةٌ

من اللهِ ما ناحَ الحَمامُ وغَرّدا

ولا زِلت في عَرْضِ العَبيدِ مُوفَّقاً

لمدْحكَ عُمْري أن أقولَ وتَنْقُدا

وقالتْ لك العلياءُ أحسَنْتَ نائلاً

فأحسَنَ تَقْريظاً وجُدْتَ فَجَوَّدا

معلومات عن الأرجاني

الأرجاني

الأرجاني

أحمد بن محمد بن الحسين، أبو بكر، ناصح الدين، الأرجاني. شاعر، في شعره رقة وحكمة. ولي القضاء بتستر وعسكر مكرم وكان في صبه بالمدرسة النظامية بأصبهان. جمع ابنه بعض شعره في..

المزيد عن الأرجاني

تصنيفات القصيدة