الديوان » العصر العباسي » ابن الرومي »

يا كائنا بين أوعاث وأوعار

يا كائناً بين أوعاثٍ وأوعارِ

من صَرْف دهرٍ على أبنائه ضاري

لعاً لعاً لك من عَثْرٍ ألمَّ بنا

في سابحٍ منك طِرفٍ غير عثّار

ما زال يسبق بالتقريب طالبَهُ

وفيه كنزان من شَدٍّ وإحضار

أعجبْ به فيك من شكوٍ ولا عَجَبٌ

من ريب دهرٍ ولا من صرف مقدار

أنَّى امتُحِنت ببلوى لا يُشاكلها

ما خلتُها غير تعبيرٍ وإنذار

وكلّ عبدٍ أراد الله عصمتهُ

لم يُخْله الله من وعظٍ وإذكار

أما وبُرْئِك كلّ البرء من وصَبٍ

أضرَّ بالناس طراً كلّ إضرار

لئن منحتُك إشفاقاً تكنَّفهُ

وُدّان من بين إعلان وإسرار

إني لأنشر إشفاقي على رجلٍ

فَرْدٍ له خطر وافٍ بأخطارِ

وكنت والدهر غدار بصاحبه

لاسيما إن رآه غير غدارِ

أخشى عليك اضطرامَ الدهر لا عِللاً

تُخشَى على كل كابي الزند عُوّارِ

ما أنت والبردُ يا من كل جارحةٍ

من جسمه ذات نيران وأنوار

جارتْ عليلتُك المنهاجَ ساريةً

وهل يَضِلّ على بدر الدجى ساري

ما مثلها يا شهاب الأرضِ غاشيةٌ

معهودة من غواشي تلكمُ الدار

برد أطاف بنار منك موقدةٍ

ليست تبوخ ولا تُذكى بمسعار

ما كان يجمع جلّ الله بينكما

إلا المؤلفُ بين الثلج والنار

أبشِرْ فإنك طودُ اللَّه أسَّسهُ

وشاد منه بناء غير منهار

فأمنْ فإن ذَكاءً أنت ضامنهُ

قِرنٌ لشكرِك جَلْد غير خوار

ستستجيش عليه أو تُطحطحهُ

في فِيقةٍ بحريق منه سوّار

وإنما هو برد والسلام لهُ

شَفْع وفيك طباع زَنْده واري

والله يأسر قوماً ثم يُطلقهم

والدهر ينَسخ أطواراً بأطوار

وحسبك العُرف من دِرعٍ ومن تُرُسٍ

وحسبك اللَّه من حصن ومن جار

كأنني بك في سربال عافيةٍ

والحال حالان من نقض وإمرار

تجري فتسبق من يجري إلى كرمٍ

عفواً وأجدِرْ بسبقٍ بعد مضمار

وأنت صاحٍ من الأسقام منتقِبٌ

دِيباجةً ذات إشراق وإسفار

نشوان من أريحيات الندى ثمِلٌ

لا من عصارة كَرْم بنت أعصار

مُطعّمٌ طيباتِ العيش تأكلها

والصوم لا شك متبوع بإفطار

عُوّادك الشعراء الصِّيد قد وفدوا

إلى عطاياك من بدو وأمصارِ

عَقْرَى لتأسوهُمُ كَسْرَى لتجبرَهم

يهوُون كالطير تهوي نحو أوكار

كاروا العمائم واقلولَوا على شُعَبٍ

وأقبلوا بين أكوارٍ وأكوار

جابتْ سهولاً وأوعاراً ركائبهم

كيما يحلّوا سهولاً بعد أوعارِ

في كل هاجرةٍ شهباءَ حاميةٍ

وكل داجية دهماءَ كالقارِ

فخيَّموا منك في سهلٍ مَباءتُهُ

وأوسعوا بك طراً بعد إقتار

ولو قدرتَ من اللين اللطيف بهم

أحللتَهم بين أجفان وأشفار

فكم ضيوفِ ضيوفٍ في رحالهمُ

وكم هنالِكَ من زوار زوار

تُطوَى لنا الأرض إن أمَّتك نِيّتُنا

وإن لقيناك زِيدت نشرَ أقطار

طَيٌّ ونشر لشوق لا كِفاء لهُ

وطلعةٌ منك فيها طيُّ إعسار

وحُقَّ أن تُنْشَر الدنيا لذي أملٍ

لا قال يا خيرَ مُمتارٍ لممتار

كما يحق بأن تطوى لذي سفرٍ

نَواك يا خير مُزدار لمزدار

لنا فوائدُ شتّى منك نافعة

عُرف لعافٍ وعرفان لِنظّار

ما انفكّ آتوك من مالٍ تجود به

ومن إضاءة آراءٍ وأفكار

آراؤك البيض تهديهم وتشفَعها

آلاؤك الصُّفر ما الأيدي بأصفار

فالناس تحت سماءٍ منك مشمِسةٍ

والناس تحت سماءٍ منك مِدْرار

أصحت وصابتْ ففيها كل منفعةٍ

وربما أصعقت يوماً لأشرار

وليس يصلح لاستصلاح مملكة

غير امرئٍ نافعٍ بالحق ضرّار

ما ليم قطّ على استئثاره أحدٌ

إلا وجدناك معذولاً لإيثارِ

تعطي الجزيل وما أكبرتَ قيمتَهُ

وأيسرُ الشكر تلقاهُ بإكبارِ

شهدتُ أنك سَلسال كماء حَياً

وسائرُ الناس صلصال كفخارِ

أقسمتُ بالفعلاتِ الغُرّ تفعلها

في الناس أنك من غَرّاء مِذْكارِ

لئن سبقتَ إليّ الناس كلهمُ

لقد سبقت إلى شكري وأشعاري

أبكرتَ فاصطدتني والقومُ في سنةٍ

وصاحبُ الصيدِ قِدْماً كلُّ مبْكار

أنت الذي صان لي عرضي ومسألتي

عن كل كلبٍ على الأحرار هَرّار

ولن يُثوِّب شعراً كالعليم به

ولن يقوِّم ثوباً مثلُ سمسار

أمطيتَني البِشرَ حُملاناً وأقفرني

قومٌ وكم بين حملان وإقفار

كم سهلةٍ فيك لا تُكدِي مَحافرها

وصخرةٍ منك تنبي كلّ منقار

يا خائفاً بدآتٍ منه مشرِفةً

على عوائدِ سيْب منه ثرثار

ثِقْ بالعوائد منهُ إنه رجل

كالسيل يحفِر تياراً بتيار

لا تَخش من بدئه قَطْعاً لعودته

فإن إقدامه إقدام كرّار

حاشاه أن يردع الإجزالُ كَرّتهُ

أو أن يقدّم إغزاراً لإنزار

بل تستخف بما أعطاك قبضتُه

حتى يرى ألف قنطار كدينار

وحق من لا يفي شيءٌ بهمته

أن يستقل لعافٍ ألفَ قنطار

خِرْقٌ يحاجز بالإجبار عاذلَهُ

ولا يحاجز ممتاحاً بإجبار

ما عامل الدهرَ في إقباله أحدٌ

إلا اشترى منه إقبالاً بإدبارِ

بني ثوابةَ لا زالتْ منازلكم

تُلفَى مثابة مدّاحٍ وأشعار

أغراضَ منتَزعٍ أكْلاء مرتَبعٍ

مَهنْاةَ منتجعٍ غاياتِ أسفار

ما زلتمُ تمنحون العُرفَ جاحدَهُ

حتى أقرّ به من بعد إنكار

وفي الرقاب وُسومٌ من صنائعكم

إن أنكرتْها رجال بعد إقرار

تستعبدون بها الأحرار دهركُمُ

فكم عبيدٍ لكم في الناس أحرار

لكنّ من عَبَّد الأحرار عبدهم

عن غير عمدٍ بحكم للعلى جاري

يريد إعتاق ملهوفٍ فتُلزِمُهُ

نُعماهُ رقّاً بلا إثمٍ ولا عارِ

لكم علينا امتنان لا امتنان به

وهل تَمُنُّ سماواتٌ بأمطارِ

فكل حرّ بنعماكم وصمتكُمُ

من مَنِّكم مكتسٍ من مَنِّكم عاري

وكيف ينوي اعتباد الحر معتِقُهُ

في كل بؤس وإعسار بإيسارِ

وما اعتبادكُمُ حرّاً بمعتمدٍ

أنّى ونياتُكم نيات أخيار

وكم منحتم وكم ألقيتُمُ عِذراً

بعد اللُّهَى لا لتقصير وإقصار

أريتمونا عياناً كل مكرمةٍ

كانت قديماً لدينا رَجْم أخبار

تخادَعون عن الدنيا وزِبْرجها

فتُخدَعون وما أنتم بأغمار

وتفعلون جميلاً في مساترةٍ

كأنّ معروفكم إيداع أسرار

ما سار مدحكُمُ في الأرض منشمِراً

إلا بعُرفٍ لكم في الناس سيار

يا رُبّ أبواعِ أقوامٍ ذوي كرمٍ

قِيست فما عُدلت منكم بأشبار

طُلتم بمجدكُمُ الأمجادَ كلهم

لا تعدموا طول أقدارٍ وأعمار

إن كان أورقَ أقوامٌ فإنكُمُ

مفضّلون بتنوير وإثمارِ

أظللتُمُ بشكير نبتُهُ ثمر

للمجتبين وحييتم بنُوار

كأنما الناس في الدنيا بظلكُمُ

قد خيموا بين جنات وأنهارِ

أيامُنا غُدواتٌ كلها بكمُ

خلالهن ليالٍ مثل أسحارِ

لكم خلائق لو تحظى السماءُ بها

لما ألاحتْ نجوماً غير أقمارِ

لا ترهبوا الدهر إن العرف ناهضُهُ

لكم على الدهر منها خير أنصارِ

أنتم بها منه في حِرْزٍ وواقيةٍ

إن صال يوماً بأنيابٍ وأظفار

لولا عمارتكم للملك دولتَهُ

لأصبح الملك في بيداءَ مِقفار

كتّاب ملك إذا شئتم مقاتَلةً

يستنفر الملك منكم خير أنفار

تقاتلون بآراءٍ مسددةٍ

لا بل بأسلحةٍ لا بل بأقدار

أقلامكم كرماح الخط مشرَعةٌ

طولاً كطولٍ وآثاراً كآثار

آراء صدقٍ أتى التوفيق خِيرتَها

في موقف بين إيراد وإصدار

يا رُبّ ثِقلٍ حملتم عن خلائقنا

لم تعدلوه بآثام وأوزار

لا كالأُلى حملوا ما لا يفون به

وأُوقِروا من أثام أي إيقار

رآكم الله والسلطان حزبهما

فاستعمر الملك منكم خير عمار

لو لم تكونوا دروعاً للدروع بها

لأعورتْ كلُّ درعٍ أي إعوار

أو لم تكونوا سهاماً للسهام بها

إذاً لطاشتْ مرامي كل أُسوار

أو لم تكونوا رماحاً للرماح بها

لم يجعل الله فيها نقض أوتار

أو لم تكونوا سيوفاً للسيوف بها

لأخفرت حامليها أيّ إخفار

رعيتُم لَقِحات الفيء رِعيتها

فأعقبتْ بعد إنزار بإغزار

حَفّلتُمُ ومريتم كل ناحيةٍ

قد حاردتْ ثم ثَلَّثتم بإدرار

فأترعتْ عفواتُ الدَّرّ مِحلبها

وطال ما لم تصادف غير إغبار

تُلفى العِلاب إذا أدررتُمُ دِرراً

ملأْن بين قرارات وأصبار

يا رُبّ أمرٍ غدا حُضّاره غيباً

وأنتُمُ غيب فيه كحُضار

كم قد سموتم بأيديكم إلى شرفٍ

لم يسمُ قطّ له قوم بأبصار

لا تجعلوا من حديث الناس موعظةً

ولا يزلْ عُرفكم أسمارَ سُمّار

ومستخفٍّ بقدر الشعر قلت له

لن ينفُق العطر إلا عند معطار

لا تُصغِر الشعر إن أصغرت قائلهُ

فإنه غير محقوقٍ بإصغار

ولا يغرّنْك تصريف الهُنيِّ له

فتستخفّ بشأن منه كُبّار

أما ترى المسك بَيْناه على حجرٍ

يُذلّه كل ذلٍّ فِهر عَطّار

إذ بَلَّغتهُ صروف الدهر غايتهُ

فاحتلّ منزلةً من رأس جبار

يكفيك أن أبا العباس ينصرهُ

وإنما الحكمُ فيه حكمُ معيار

فاعدِل بلومك عني إنني رجلٌ

أجررتُ في الشعر حبلي أيَّ إجرار

في الشعر أشياءُ يرتاح الكريم لها

مثل اهتزاز قويم المتن خَطّار

أبني البديعَ وأُهديه إلى ملك

يبني الرفيع وما يبني بأحجار

أضحت له مِنَح تحيا بها مِدحٌ

عُونٌ بعونٍ وأبكار بأبكار

يُكسَى المديح ولم يُعور مجرّدهُ

وكعبة الله لا تكسى لإعوار

ما في مجرد بيت الله مثْلبةٌ

كلّا وإن كان مستوراً بأستار

فرد البلاغة لا يخلو مخاطِبُهُ

من سحر يافعة لا سحر سحّار

يزداد في القول إنجازاً ومَشربُهُ

محضُ العذوبة لم يَمْلَح لإبحار

لا يعرف الناس إقلالَ العييِّ لهُ

حاشاه ذاك ولا إكثار مِهْذار

تلقى به في مقامات الحجى بطلاً

على كلام سواه غير مغوار

مجانب كل تمويهٍ لبيِّنةٍ

محارب كل تعذير لإعذار

رأيت مدحك كالإبصار بعد عمىً

إذ غيره كالعمى من بعد إبصار

إن القريض الذي يخزَى بحائكه

ليَكتسي بك فخراً غير أطمار

كالمسك يفخر منسوباً إلى ملك

وإن تواضع منسوباً إلى الفار

يزري على الشعر أقوامٌ بحاكته

وما عليه إذا أُلبستَهُ زاري

معلومات عن ابن الرومي

ابن الرومي

ابن الرومي

علي ابن العباس بن جريج، أو جورجيس، الرومي، أبو الحسن. شاعر كبير، من طبقة بشار والمتنبي. روميّ الأصل، كان جده من موالي بني العباس. ولد ونشأ ببغداد، ومات فيها مسموماً، قيل:..

المزيد عن ابن الرومي

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة ابن الرومي صنفها القارئ على أنها قصيدة عامه ونوعها عموديه من بحر البسيط

×

حرف الشاعر

تصنيفات الدول

الجنس