الديوان » العصر العباسي » ابن الرومي »

خلياني عند اصطكاك الخصومِ

عدد الأبيات : 118

طباعة مفضلتي

خلِّياني عند اصطكاك الخصومِ

وازحما بي عند اعتراك القُرومِ

وكلاني إلى بلائي وصِدْقي

تأمنا نبوةَ الكَهَام اللئيمِ

يا ابن بوران ما نجوتَ منَ الوأ

دِ لخيرٍ لكن لشرٍّ عظيمِ

لو تبعتَ الأُلى مضوْا من شهيد

ووئيدٍ إلى جنان النعيمِ

كان خيراً من البقاء لحربي

بل أبى شؤمُ جَدِّك المشؤوم

وإذا لم تَحِنْ محائنُ قومٍ

فلماذا تجري نحوسُ النجوم

أنا من أذْعَنَتْ له الإنسُ والجنْ

نُ جميعاً بالقَسْرِ والترغيم

واسعُ العفوِ للمُنيبِ وعندي

نقماتٌ تدومُ للمستديم

سوف تدري غداً إذا ما التقينا

للتهَاجي في حَفْلِ أهل العلوم

حين أفْتَرُّ عن قوافيَّ غُرَّاً

وتُوَرِّي عن مَضْحكٍ مَهْتوم

يا ابن بوران كيف أخطأك الجس

م فلمْ تعلُ جِسْمَ كُلِّ جسيم

فلعمْرِي لما أُتيتَ من الما

ءِ ولكن من السِّقاءِ الهزيم

شملَ الناسَ عدلُ أُمِّك حتى

سارَ فيهم كَسيْر جورِ سدُومِ

لو رآك الرجالُ شيئاً نفيساً

كثُرتْ فيك هثهثات الخصوم

كيف ندعوهمُ لآبائهم رَبْ

بي ومنهم أمثال هذا الزنيم

كُلُّ فحْلٍ أبوك عدْلاً من اللَ

هِ وعيسى بلا أبٍ كاليتيم

تطمِث الأرضُ من مواطئ بورا

نَ ولو بينَ زمزمٍ والحطيم

كلُّ عضوٍ من جِسمها فيه فرجٌ

يقتضيها الزنا اقتضاءَ الغريم

أفحشُ القذف والهجاء لبورا

نَ طهورٌ كالرجمِ للمرجوم

كيف لا تسقطُ السماء على الأر

ضِ ونُرمَى من أجلها بالرجومِ

كثُرتْ موبقات بوران حتَّى

ضاقَ عنها عفوُ الغفورِ الرحيم

غلبتهُ خلاعةً ومُجوناً

يا لقوم للشيخة المِغْليم

ذلَّلت أنفهُ فكيفَ أرادَتْ

صرَفتْهُ كالكودَنِ المخْطوم

فإذا ليم في تغاضيه عنها

قال من شأْنِيَ اطراحُ الهموم

رضي الشيخُ بالذي قدرَ اللَّ

هُ فألقى مقالدَ التسليم

غيرَ أنْ لم تَغْبنْهُ طرفةُ عيْن

بفُجورٍ ولا زناً مَكْتومِ

بل بسحناءِ وجهِ سهلٍ طليقٍ

وبطيبٍ من نفسِ سمْحٍ كريم

لو أطاعتْ كما عصتْ لاستحقَّتْ

خُلَّة الله دون إبراهيم

ليس لي من هجاءِ بورانَ إلا

نَقْل منثُورهِ إلى المنظومِ

ومعانِيَّ كلهنَّ اتباعٌ

لا ابتداعٌ والعلمُ بالتعليم

هي تفري لي الفريَّ فأحذو

حذوها كالإمام والمأموم

ما أراني أُسيِّرُ الشعرَ فيها

سيرها في سُهولها والحُزوم

هي أهدى من القوافي وأسرى

في دُجَى الليلِ والفلا الدَّيْموم

حملاها النهارُ والليلُ دأْباً

يُعملان الرسيمَ بعدَ الرَّسيم

ليس يُخلي منها مكاناً مكانٌ

هي شيءٌ خُصُوصُهُ كالعُموم

تتأنَّى محيضها ثم تَزْني

في المحاريب طاعةً للرجيم

هي طيفُ الخيالِ يطرقُ أهل ال

أرض من بين ظاعنٍ ومقيم

هي بالليل كلُّ شخصٍ تراه

ماثلاً في الظلام كالجرثوم

لا تَمَلُّ البروكَ أو تقعُ الطي

رَ على متنها كبعضِ الأروم

ناقضتْ مريم العفافَ فلمَّا

قاومتها بالغيِّ والتأثيم

صمَدَتْ في الزِّنا تُناسلُ حَوَّا

ء فحوَّاءُ عِندها كالعقيمِ

ذاتُ فرج هو استها سابرِيٌّ

شائع الذَّرع ليس بالمقسوم

ينظم الأكمهُ القلائد فيه

ويرى الذرَّ في الظلامِ البهيم

قالبٌ مِشْفريه عنْ طبقاتٍ

لثقاتٍ من طُحلبٍ مركوم

يسعُ السبعة الأقاليم طُرَّاً

وهو في إصبعين من إقليم

كضمير الفؤادِ يلتهم الدن

يا وتحويه دفتَا حَيْزوم

زمهريرٌ على الأيور ولكن

هو في حِسِّها كنار الجحيم

ودواءُ الحُمَّى عسيرٌ إذا ما

بطنتْ عن مَجَسَّةِ المحموم

أيُّها الجالدو عُمَيْرةَ طُرّاً

لا عدِمْتُمْ ظُلامةً من ظلوم

كيف ضعتم وفرجُ بوران موقو

ف على ابن السبيل والمحروم

ولها كعثبٌ رحيبُ النواحي

قلقُ الشِّدقْ ليس بالمَفْطوم

وأرى أنكُمْ ستلقون عُذْراً

ومقالاً يحجُّ كُلَّ خصيم

فتقولون من يرومُ ركوب ال

بحْرِ لا سيَّما مَهَبَّ العقيم

أيُّها المُؤذني بصرْم حبالي

رُبَّ رُزْءٍ كالمَغْنَم المَغْنومِ

في الذي بين ترْمَتَيْكَ وبيني

خلفٌ منْ وصالكَ المصروم

لا تخلني قرعتُ سِنّاً بظُفْرٍ

من ندام عليك أو تنديم

في سبيلِ الشيطان منك نصيبي

وعليكَ العفاء لؤمَ ابن لوم

وهنيئاً لحرمتيكَ هنيئاً

حازتا فحلتي بغَيْرِ قسيمِ

كانتا منكَ في ضِرارٍ فأمسى

لهما شِربُ يومك المَعْلوم

ثمَّدتني بناتُ بورانَ حتَّى

أعْقمَتْني وكنتُ غير عقيم

لقى الناسُ من زناهُنَّ شرّاً

فهُمُ بين جافر وسقيم

قد أكلن الأيورَ أكل الضَّواري

وشربنَ المنيَّ شرْبَ الهِيم

رافعاتِ الأقْدام بالليل يدعو

ن على المحصِنين بالتأثيم

جامعاتٍ بذاك أمرين في أم

رٍ فعالَ المُسْتَمْتِعِ المستديم

إنَّ مَنْ كوَّنَ السِّفاحَ سِفاحاً

ساطهُ مِنْ دِمائها واللُّحومِ

فهو يَجْري فيها ويَسْلُكُ منها

حيثُ تَجرِي أرواحها في الجُسومِ

نزعَ اللَّهُ غَيْرَةَ الفحْلِ منه

فهُو ما شئتَ من فؤادٍ سليم

تَقْلِسُ النَّحْلُ في مرارته الأر

يَ مُصَفّىً من القذى والموم

غير أنَّ الفتى يُغايرُ عِرْسَيْ

هِ على كل ناشيء صِهميم

جِذلُ نَيْكٍ يمشي الهوينا فينما

زُ وزيمٌ منْ لَحْمهِ عن وزيم

سائل القمعَ ليلة القَفْص عنهُ

بين حاناتها وبينَ الكُروم

باتَ قِمْعٌ يدعُّهُ في الصَّمارى

مثلَ دعِّ الرَّبيبِ لحْيَ اليتيم

يتقصاه مُغْرقَ النَّزْعِ فيه

كتقصِّي الطبيب سبْرَ الأميم

كُلَّما هبَّ هبَّةً بنشاطٍ

حفزتْ جعسَه إلى البُلْعوم

فهو يَجْتَرُّ جرةً بعد أخرى

تترقى من فرثه المزحومِ

يا أخا النحو والمُقَدَّمَ فيه

لَم ترَ اللام أُدغمت في الميم

غيرَ لام أدغمتها أنت في مي

مك ثم احتجَجْتَ يا ابنَ الخطيم

قلتُ لما قرأتَ في مجلس الأق

وامِ طُوبى الأصمِّ والمزكوم

أيُّ نَتْن وأيُّ مَسْموعِ سوْءٍ

عدِماهُ حاشا الكتابِ الحكيم

كيفَ لا يحرق الجِنانَ ابنُ بورا

ن بذاك الفم الخبيث النَّسيم

قسماً لو يكون الاسمُ المُسَمَّى

أصبحتْ كُلُّ جَنَّةٍ كالصَّريم

غرَّكَ الرائدان ويلكَ مني

وأساماك في الوبيل الوخيم

إذْ تَنَقَّصْتَني بصعلكة الرأ

س سفاهاً فاذَّمَمت غير ذميم

ما تعدَّيتَ أن وصفت خِشاشاً

لوْذَعِيّاً كالحيَّة المشهوم

لوذعيّاً كأنَّ ما بين عطفي

هِ مصابيحُ كُلِّ ليلٍ بهيم

نَبَضِيُّ الفؤاد يسرب في الخُر

ت وينغلُّ في مجاري السموم

وقديماً ما جَرَّبَ الناسُ قَبْلي

ثِقلَ الهامِ في الخِفاف الحُلوم

واعتبِرْ أنَّ أفسل الطير في الطَّيْ

رِ وفينا كروسات البُوم

ثم حاولت بالمصيقل تصغي

ري فما زدْتني سوى تعْظيم

كالذي يعكسُ الشِّهابَ ليَخْفَى

وهْو أدنى لهُ إلى التَّضريم

وإذا سُمِّيتْ دُوَيهيَّةً إح

دى الدواهي فالأمر غير مروم

ما تُبالي وبينَ كشحيك هذا ال

شِعْرُ سُكْنَى لظىً وشُرْبَ الحميم

كلماتٌ ليست بمكروهة المس

موع لكن مكروهة المشمومِ

لم تَسرَّب في خَرْقِ أُذْني وطارت

كمطير الفُساء في خيشوم

يا ابن بورانَ قد أظَلَّكَ زَجْرٌ

كالدُّخانِ المذكور في حاميم

يا ابن بوران لا مفر من الل

هِ ولا من قضائه المحتوم

كنتَ فيما أرى حسبتَ هجائِي

ك هجاءً أبقى مَصَحَّ أديم

فتغاضيتَ خوف أعْرمَ منه

راضياً خُطَّةَ الذليلِ المضيم

فإذا الأمرُ فوق ما كنتَ قدَّر

تَ وليسَ اليقينُ كالترجيم

صدمت مِسمعيك شُنْعُ القوافي

صدمةً غادرتك كالمأموم

فتلوَّمْتَ واقفاً موقِف الأش

قرِ بين التأخير والتقديم

تَقسِمُ الأمر رهنَ نحرٍ وعَقْرٍ

قد تَحيَّرتَ حيرةَ المدهوم

ساعةً ثم قلتَ قد هلك الهُلْ

كُ فأشْفي غيظي وأُمضي هُمومي

ولعَمري لقد عميتَ عن الرُّشْ

د وقصدِ المحجَّة المستقيم

ما مضيضُ الكُلوم مغتبطاتٍ

كمضيض الكُلومِ فوقَ الكلوم

إنَّ شتْماً ألمته يا ابنَ بورا

نَ لأدهى من العذاب الأليم

ليس هذا عهدي بصبرك للهو

ن علىسالف الزمان القديم

ما عهدناك قطُّ إلا عَزوفاً

للْمَذَلّاتِ مستباحَ الحريم

لا تبالي من ناكَ أمَّك جهراً

مِنْ عدُوٍّ ومن وليٍّ حَميم

أفَتَرضى بِنَيْكها وتُبالي

شتْمها يا ضلال حِلمْ الحليم

اعتبرْ أين مَنْ يجاهر بالسو

ءةِ في أمِّه من المَشْتوم

غيرَ أنِّي أنضجْتُ جِلدكَ كيّاً

فتململْ فأنتَ غيرُ ملوم

لكَ عُذرٌ أن لا تنام لعمري

أنا أدهى من أن ينام سليمي

يا ابن بوران دعوة لو تَجَرَّأ

تَ بها ما قرنتَ ميماً بميم

هاكها حلة سيودي بك الده

ر وفيها طرائق التسهيم

قد أردتُ التَّشْبيبَ فيها ولكنْ

لم تكنْ لي مندوحةٌ في الميم

لا يراني الإلهُ أهجوكَ عُمري

أنت عندي في حالة المرحوم

لِلْقوافي في وصفِ أمِّكَ شُغْلٌ

يا ابن بوران عن صفاتِ الرسوم

معلومات عن ابن الرومي

ابن الرومي

ابن الرومي

علي ابن العباس بن جريج، أو جورجيس، الرومي، أبو الحسن. شاعر كبير، من طبقة بشار والمتنبي. روميّ الأصل، كان جده من موالي بني العباس. ولد ونشأ ببغداد، ومات فيها مسموماً، قيل:..

المزيد عن ابن الرومي

تصنيفات القصيدة