الديوان » العصر الايوبي » محيي الدين بن عربي »

نوقف فإن العلم ذاك الذي يجري

عدد الأبيات : 121

طباعة مفضلتي

نوقف فإن العلم ذاك الذي يجري

وتعلم بأن الحكم منا ولا تدري

وما قلت إلا ما تحقه به

كذا قرّر الله المهيمن في صَدري

أنا في عباد الله روح مقدّس

كمثل الليالي روحها ليلة القدر

تقدّست عن وتر بشفع لأنني

غريبٌ بما عندي عن الشفع والوتر

ولما أتاني الحقُّ ليلاً مبشّراً

بأني ختام الأمر في غرَّة الشهر

وقال لمن قد كان في الوقتِ حاضراً

من الملأ الأعلى ومن عالم الأمر

ألا فانظروا فيه فإنّ علامتي

على ختمه في موضع الضرب في الظهر

وأخفيته عن أعين الخلقِ رحمة

بهم للذي يعطى الجحود من الكفر

عرضت عليه الملك عرضاً محققاً

فقال لي الأمر المعظم في الستر

لأنك غيب والسعيد من اقتدى

بسيِّده في حالة العسر واليسرِ

فنحمد في السراء حمداً مخصصاً

ونحمد حمداً سارياً حالة الضرّ

ظهورك في الأخرى فثم ظهورنا

لذا جئتني في العربِ إذ جئتَ بالشكر

فإنَّ وجود الشكرِ يبغي زيادة

من الله في النعماء فانهض على أثري

لو أنك يا مسكين تعرف سرَّه

لكنت بما تدري به أوحد العصر

غريباً وحيداً حائراً ومحيراً

وكنتَ على علمٍ تُصان عن الذكر

خفيٌ على الألباب من أجل فكرها

وإن كان أعلى في الوضوحِ من البدر

أنا وارثُ لا شكّ علمَ محمدٍ

وحالته في السرّ مني وفي الجهر

ولستُ بمعصومٍ ولكن شهودنا

هو العصمة الغرَّاء في الأنجم الزهر

ولستُ بمخلوفٍ لعصمة خالفي

من الناسِ فيما شاء منه على غمر

علمت الذي قلنا ببلدة تونس

بأمر إلهي أتاني في الذكر

أتاني به عام تسعين شربنا

بمنزل تقديسٍ من الوهم والفكر

ولم أدر أني خاتم ومعينٌ

إلى أربع منها بفاس وفي بدر

أقام لي الحقُّ المبينُ يمينه

بركبته والساقُ من حضرة الأمر

وبايعته عند اليمين بمكة

وكان معي قومٌ وليسوا على ذكري

وأقسم بالحجر المعظم قدرُه

وفي ذلك الايلا يمين لذي حجر

لئن كان هذا الأمر في فرعِ هاشم

لقد جاء بالميراثِ في طيْ نشري

وأين بلال من أبي طالب لقد

تشرَّف بالتقوى المحقر في القدر

سألتك ربي أن تجود لعبدكم

بأنْ يك مستوراً إلى آخر الدهر

كمثل ابن جعدون وقد كان سيِّداً

إماماً فلم يبرح من الله في ستر

سألتك ربي عصمة الستر إنه

على سنة الحناوي سنتنا تجري

لقد عاينت عيني رجالاً تبرزوا

خضارمة عليا وما عندهم سرِّي

وأقسمتُ بالشمسِ المنيرةِ والضحى

وزمزم والأركانِ والبيتِ والحجر

لئن كان عبدُ الله يملك أمره

فما مثله عبدُ السميعِ أو البَرِّ

فإنَّ لكلِّ اسم تعيَّن ذكرُه

سوى الذات مدلولاً له حكمة الظهر

فمن يشتهي الياقوت من كسب كدِّه

يقاسي الذي يلقاه من غمة البحر

أنا صهر مختار أنا الختن الذي

أتاني به الفاروقُ عند أبي بكر

فلم أستطع عني دفاعاً ولم أكن

بما جاءني فيه مبشره أدري

بحجرته الغرّا بمسجد يثرب

بحضرةِ عبد الله ذي النائلِ الغمر

وما زلت في وقت الغروبِ بمشهد

أشاهده فيه إلى مطلع الفجر

ومصباح مشكاةٍ المشيئة في يدي

أنوّر بيت الله عن وارد الأمر

لأسرح منه والصلاة تلزّني

على ما أراه ما يزيد على العشر

لباسي الذي قد كان في اللون أخضرا

وإني من ذاك اللباسِ لفي أمر

غنيتُ بتصديقي رسالة أحمد

عن الكشف والذوق المحقق والخبر

وهذا عزيز في الوجودِ مناله

ولو لم يكن هذا لأصبحت في خُسر

ولي في كتاب الله من كل سورة

نصيبٌ وجلّ الخير من سورةِ العصرِ

تواصوا بحق الله في كلِّ حالة

كما أنهم أيضاً تواصوا على الصبر

أحبُّ بقائي ههنا لزيادة

وأفزع إيماناً إلى سورة النصر

إذا لم أكن موسى وعيسى ومثلهم

فلست أبالي أنني جامع الأمر

فإني ختم الأولياء محمد

ختامُ اختصاص في البداوةِ والحضر

شهدتُ له بالملك قبلَ وجودِنا

على ما تراه العينُ في قبضة الذرّ

شهود اختصاص أعقل الآن كونه

ولم أك في حال الشهادة في ذعر

لقد كنتُ مبسوطاً طليقاً مسرّحاً

ولم أك كالمحبوس في قبضة الأسر

ظهرتُ إلى ذاتي بذاتي فلم أجد

سواي فقال الكل أنت ولا تدري

فإن أشركت نفسي فلم يك غيرها

وإن وجدتْ كانت على مركبٍ وعر

إذا قلتُ بالتوحيد فاعلم طريقه

فما ثم توحيد سوى واحد الكثر

ولا بد أن تمتاز فالوتر حاصلٌ

ولكن في الإيجاد لا بد من نزر

لقد حارتِ الحيراتُ في كلِّ حائر

وحاصل هذا الأمر في القول بالنكر

فإن شهدتْ ألفاظنا بوجودِنا

تقول المعاني إنني منك في خسر

إذا ذكروا جسمي حننت لشامنا

وإن ذكروا روحي حننت إلى مصر

وما الفخر إلا في الجسومِ وكونها

مولدة الأرواح ناهيك من فخر

ألا إن طيب الفرع من طيب أصله

وكيف يطيب الفرع من مخبث النجر

يعز علينا أن تردّ سيوفنا

مفللةً من ضربِ هام ومن كسر

صريراً من أقلامِ سمعتُ أصمني

وما علمت نفسي بصم من الصر

حياة فؤادي من علومِ طبيعتي

كإحياء ماء قد تفجر من صخر

بلاداً مواتاً لا نبات بأرضها

فأضحت لمحياها تبسم بالزهر

تتيه به عجباً وزهواً ونحوه

حدائق أزهار معطرة النثر

نراها مع الأرواحِ تثنى غصونها

حنوّا على العشاقِ دائمة البشر

فيا حسنه علماً يقوم بذاتنا

جمعنا به بين الذراع مع الشبر

وما بين سعي الساع والباع والذي

يهرول بالتقسيم فيه وبالشبر

فيحظى بمجلاه وبالصورة التي

لها سورة فوق الطبيعة والفقر

سريت إليه صحبة الروح قاصداً

إلى بيته المعمور في ررفِ الدُّر

فكن في عداد القوم واصحب خيارهم

ولا تك في قوم أسافلة غمر

ولا تتركنهم وانظر الحق فيهم

كما تشهد الأبصار منزلة الغضر

ولا تتخذ نجماً دليلاً عليهمُ

فسكناهم المعروف بالبلد القفر

وعاشر إذا عاشرت قوماً تبرقعوا

أشدّاء مأمونين من عالم القهر

علوم عبادِ الله في كل موقف

وغير عباد الله في موقف النشر

ترى عابد الرحمن في كل حالة

تميل به الأرواح كالغصن النضر

بقاء وجودي في الوجود منعماً

بما أنعم الله عليّ من السحر

يسوق لي الأرواح من كل جانب

فما معجزاتٌ بالخيالِ ولا السحر

كما جاد لي بالحل من كل حرمة

صبيحةَ يوم الرمي من ليلةِ النحر

ويممَ لي المطلوب من كل منسكٍ

تجلى لنا فيه إلى حالة النفر

سباني وأبلاني بكل مقرطَقٍ

وما نظمَ الرحمن من لؤلؤ التعر

نزين به إكليل تاجٍ وساعد

وسلك يدليه على لبّةِ النحر

لقد أنشأ الله العلومَ لناظري

على صور شتى من البيض والسمر

ترفلن في أثوابِ حسن مهيم

ومنوّعة الألوان من حمر أو صفر

فمتكىءٌ منهم على فرش ألبها

ومتكىءٌ منهم على رفرفٍ خضر

وبيضٍ كريماتِ عقائل خرّد

يجرّون أذايلَ البها أيما جرّ

لقد جمع الله الجمالَ لأحمد

وغير رسول الله منه على الشطر

فمن كان يدري ما أقول ويرتقي

إلى عرشه العلويّ من شاطىء النهر

فذاك الذي حاز الكمال وجوده

وزاد على الأملاك علماً بما يجري

إذا جاء خير الله يصبح نادماً

بما فرط المسكين في زمن البذرِ

علوم أتت نصاً جلياً تقدَّست

عن الظنِّ والتخمين والحدس والحزر

تجيء وما ينفك عنها مجيئها

ولكنها تأتيك بالمدّ والجزر

ألا كلُّ خُلقٍ كان مني تخلقاً

بخلقٍ إلهيٍّ كريمٍ سوى النذر

فيا شؤمه خلقاً فإنَّ أداءه

كمثلِ أداء الفرض في القسر والجبر

لقد طلعتْ يوماً عليَّ غمامةٌ

تكون لما فيها من الصون كالخدر

فقلت تجلى في غمامٍ علمته

أتاني به الرحمن في محكم الذكر

فجادت على أركان كوني بأربع

معارفَ ألبانٍ وماءٍ ومن خمر

وما أخرجت نحلٌ لنا من بطونها

مصفّى لنا فيه الشفاء من الضرّ

علومٌ يقومُ الحبر منا بفضلها

فما هي من زيد يمرّ على عمر

تعالت فلا شخص يفوز بنيلها

ولا سيما إن كان في ظلمة الحشر

بها ميز الرحمن بين عبادِه

غداة غدٍ في موقفِ البعث والنشر

كما ميز الرحمن بين عبادِه

إذا دفنوا في الأرض من ضغطة القبر

فضمٌ لتعذيبٍ وضمُ تعشق

فلا بد منه فاعلموا ذاك من شعري

قد اشتركا في الضم من كان ذا وفا

لما كان في عهدٍ ومن كان ذا غدر

يجيء بأعذارٍ ليقبل عذره

وليس له يومَ القيامة من عذرِ

ويقبل منه صدقه في حديثه

ولو جاء يومُ العرضِ بالعمل النزر

لقد عمّ بالطبع العزيز قلوبنا

فلا يدخلن القلبَ شيءٌ من النكر

جهلت علوماً في حداثة سننا

وما نلتَ هذا العلمِ إلا على كبر

وما خفت من شيء أتاني بغتة

كخوفي إذا خفنا من النظر الشزر

جرينا به في حلبة الكشفِ والحجى

على الصافناتِ الغر والسبق الضمر

فلما أتينا الصور قال لنا فتى

ألا إنه الناقورُ فافزع إلى النقر

فملت إليه في رجالٍ ذوي نهى

بمحوٍ وإثباتٍ من الصحو والسكر

أهدى كما قال الجُنيد بحامل

فقلت له أين القعود من البكر

فأنزلني منه بأكرم منزل

علوت به فوق السماكين والنّسر

وفرَّق حالي بين هذا وهذه

وأين زمانُ الرطبِ من زمن البسر

إذا كان لي كنتُ الغنيُّ بكونه

وأصبحت ذا جاه وأمسيتُ ذا وفر

دعاني إلهي للحديث مسامراً

ولي أذن صماءُ من كثرة الوقر

وحملني ما لا أطيق احتماله

وأطت ضلوعي من ملابسة الوقر

وخفت على نفسي كما خاف صالح

على قومه خوفَ المقيمين في الحجر

إذا قلت يا الله لبى لدعوتي

ولم يقضي عنه الذي كان من وزري

معلومات عن محيي الدين بن عربي

محيي الدين بن عربي

محيي الدين بن عربي

محمد بن علي بن محمد ابن عربي، أبو بكر الحاتمي الطائي الأندلسي، المعروف بمحيي الدين بن عربي، الملقب بالشيخ الأكبر. فيلسوف، من أئمة المتكلمين في كل علم. ولد في مرسية (بالأندلس)..

المزيد عن محيي الدين بن عربي