الديوان » مصر » محمود سامي البارودي » رد الصبا بعد شيب اللمة الغزل

حلل القصيدة بواسطة BAYAN AI

رَدَّ الْصِّبَا بَعْدَ شَيْبِ اللِّمَّةِ الْغَزَلُ

وَرَاحَ بِالْجِدِّ مَا يَأْتِي بِهِ الْهَزَلُ

وَعَادَ مَا كَانَ مِنْ صَبْرٍ إِلَى جَزَعٍ

بَعْدَ الإِبَاءِ وَأَيَّامُ الْفَتَى دُوَلُ

فَلْيَصْرِفِ اللَّوْمَ عَنِّي مَنْ بَرِمْتُ بِهِ

فَلَيْسَ لِلْقَلْبِ فِي غَيْرِ الْهَوَى شُغُلُ

وَكَيْفَ أَمْلِكُ نَفْسِي بَعْدَ مَا ذَهَبَتْ

يَوْمَ الْفِرَاقِ شَعَاعاً إِثْرَ مَنْ رَحَلُوا

تَقَسَّمَتْنِي النَّوَى مِنْ بَعْدِهِمْ وَعَدَتْ

عَنْهُمْ عَوَادٍ فَلا كُتْبٌ وَلا رُسُلُ

فَالصَّبْرُ مُنْخَذِلٌ وَالدَّمْعُ مُنْهَمِلٌ

وَالعَقْلُ مُخْتَبِلٌ وَالْقَلْبُ مُشْتَغِلُ

أَرْتَاحُ إِنْ مَرَّ مِنْ تِلْقَائِهِمْ نَسَمٌ

تَسْرِي بِهِ فِي أَرِيجِ الْعَنْبَرِ الأُصُلُ

سَارُوا فَمَا اتَّخَذَتْ عَيْنِي بِهِمْ بَدَلاً

إِلا الْخَيَالَ وَحَسْبِي ذَلِكَ الْبَدَلُ

فَخَلِّ عَنْكَ مَلامِي يَا عَذُولُ فَقَدْ

سَرَّتْ فُؤَادِي عَلَى ضَعْفٍ بِهِ الْعِلَلُ

لا تَحْسَبَنَّ الْهَوَى سَهْلاً فَأَيْسَرُهُ

خَطْبٌ لَعَمْرُكَ لَوْ مَيَّزْتَهُ جَلَلُ

يَسْتَنْزِلُ الْمَلْكَ مِنْ أَعْلَى مَنَابِرِهِ

وَيَسْتَوِي عِنْدَهُ الرِّعْدِيدُ وَالْبَطَلُ

فَكَيْفَ أَدْرَأُ عَنْ نَفْسِي وَقَدْ عَلِمَتْ

أَنْ لَيْسَ لِي بِمُنَاوَاةِ الْهَوَى قِبَلُ

فَلَوْ قَدَرْتُ عَلَى شَيءٍ هَمَمْتُ بِهِ

فِي الْحُبِّ لَكِنْ قَضَاءٌ خَطَّهُ الأَزَلُ

وَلِلْمَحَبَّةِ قَبْلِي سُنَّةٌ سَلَفَتْ

فِي الذَّاهِبِينَ وَلِي فِيمَنْ مَضَى مَثَلُ

فَإِنْ تَكُنْ نَازَعَتْنِي النَّفْسُ بَاطِلَهَا

وَأَطْلَعَتْنِي عَلَى أَسْرَارِهَا الْكِلَلُ

فَقَدْ أَسِيرُ أَمَامَ الْقَوْمِ ضَاحِيَةً

وَالْجَوُّ بِالْبَاتِرَاتِ الْبِيضِ مُشْتَعِلُ

بِكُلِّ أَشْقَرَ قَدْ زَانَتْ قَوَائِمَهُ

حُجُولُهُ غَيْرَ يُمْنَى زَانَهَا الْعَطَلُ

كَأَنَّهُ خَاضَ نَهْرَ الصُّبْحِ فَانْتَبَذَتْ

يُمْنَاهُ وَانْبَثَّ فِي أَعْطَافِهِ الطَّفَلُ

زُرْقٌ حَوَافِرُهُ سُودٌ نَوَاظِرُهُ

خُضْرٌ جَحَافِلُهُ فِي خَلْقِهِ مَيَلُ

كَأَنَّ فِي حَلْقِهِ نَاقُوسَ رَاهِبَةٍ

بَاتَتْ تُحَرِّكُهُ أَوْ رَاعِدٌ زَجِلُ

يَمُرُّ بِالْوَحْشِ صَرْعَى فِي مَكَامِنِهَا

فَمَا تَبِينُ لَهُ شَدّاً فَتَنْخَذِلُ

يَرَى الإِشَارَةَ فِي وَحْيٍ فَيَفْهَمُهَا

وَيَسْمَعُ الزَّجْرَ مِنْ بُعْدٍ فَيَمْتَثِلُ

لا يَمْلِكُ النَّظْرَةَ الْعَجْلاءَ صَاحِبُهَا

حَتَّى تَمُرَّ بِعِطْفَيْهِ فَتُحْتَبَلُ

إِنْ مَرَّ بِالْقَوْمِ حَلُّوا عَقْدَ حَبْوَتِهِمْ

وَاسْتَشْرَفَتْ نَحْوَهُ الأَلْبَابُ وَالْمُقَلُ

تَقُودُهُ بِنْتُ خَمْسٍ فَهُوَ يَتْبَعُهَا

وَيَسْتَشِيطُ إِذَا هَاهَى بِهِ الرَّجُلُ

أُمْضِي بِهِ الْهَوْلَ مِقْدَامَاً وَيَصْحَبُنِي

مَاضِي الْغِرَارِ إِذَا مَا اسْتَفْحَلَ الْوَهَلُ

يَمُرُّ بِالْهَامِ مَرَّ الْبَرْقِ فِي عَجَلٍ

وَقْتَ الضِّرَابِ وَلَمْ يَعْلَقْ بِهِ بَلَلُ

تَرَى الرِّجَال وُقُوفَاً بَعْدَ فَتْكَتِهِ

بِهِمْ يُظَنُّونَ أَحْيَاءً وَقَدْ قُتِلُوا

كَأَنَّهُ شُعْلَةٌ فِي الْكَفِّ قَائِمَةٌ

تَهْفُو بِهَا الرِّيحُ أَحْياناً وَتَعْتَدِلُ

لَوْلا الدِّمَاءُ الَّتِي يُسْقَى بِهَا نَهَلاً

لَكَادَ مِنْ شِدَّةِ اللأْلاءِ يَشْتَعِلُ

يَفُلُّ مَا بَقِيَتْ فِي الْكَفِّ قَبْضَتُهُ

كُلَّ الْحَدِيدِ وَلَمْ يَثْأَرْ بِهِ فَلَلُ

بَلْ رُبَّ سَارِيَةٍ هَطْلاءَ دَانِيَةٍ

تَنْمُو السَّوَامُ بِهَا وَالنَّبْتُ يَكْتَهِلُ

كَأَنَّ آثَارَهَا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ

رَيْطٌ مُنَشَّرَةٌ فِي الأَرْضِ أَوْ حُلَلُ

يَمَّمْتُهَا بِرِفَاقٍ إِنْ دَعَوْتُ بِهِمْ

لَبُّوا سِرَاعَا وَإِنْ أَنْزِلْ بِهِمْ نَزَلُوا

قَصْداً إِلَى الصَّيْدِ لا نَبْغِي بِهِ بَدَلاً

وَكُلُّ نَفْسٍ لَهَا فِي شَأْنِهَا عَمَلُ

حَتَّى إِذَا أَلْمَعَ الرُّوَّادُ مِنْ بعْد

وَجَاءَ فَارِطُهُمْ يَعْلُو وَيَسْتَفِلُ

تَغَاوَتِ الْخَيْلُ حَتَّى كِدْنَ مِنْ مَرَحٍ

يَذْهَبْنَ فِي الأَرْضِ لَوْلا اللُّجْمُ وَالشُّكُلُ

فَمَا مَضَتْ سَاعَةٌ أَوْ بَعْضُ ثَانِيَةٍ

إِلا وَلِلصَّيْدِ فِي سَاحَاتِنَا نُزُلُ

فَكَانَ يَوْماً قَضَيْنا فِيهِ لَذَّتَنَا

كَمَا اشْتَهَيْنَا فَلا غِشٌّ وَلا دَغَلُ

هَذَا هُوَ الْعَيْشُ لا لَغْوُ الْحَدِيثِ وَلا

مَا يَسْتَغِيرُ بِهِ ذو الإِفْكَةِ النَّمِلُ

إِنَّ النَّمِيمَةَ وَالأَفْوَاهُ تُضْرِمُهَا

نَارٌ مُحَرِّقَةٌ لَيْسَتْ لَهَا شُعَلُ

فَاتْبَعْ هَوَاكَ وَدَعْ مَا يُسْتَرَابُ بِهِ

فَأَكْثَرُ النَّاسِ إِنْ جَرَّبْتَهُمْ هَمَلُ

وَاحْذَرْ عَدُوَّكَ تَسْلَمْ مِنْ خَدِيعَتِهِ

إِنَّ الْعَدَاوَةَ جُرْحٌ لَيْسَ يَنْدَمِلُ

وَعَالِجِ السِّرَّ بِالْكِتْمَانِ تَحْمَدُهُ

فَرُبَّمَا كَانَ فِي إِفْشَائِهِ الزَّلَلُ

وَلا تَكُنْ مُسْرِفَاً غِرّاً وَلا بَخِلاً

فَبِئْسَتِ الْخَلَّةُ الإِسْرَافُ وَالْبَخَلُ

وَلا يَهُمَّنْكَ بَعْضُ الأَمْرِ تَسْأَمُهُ

لا يَنْتَهِي الشُّغْلُ حَتَّى يَنْتَهِي الأَجَلُ

وَاعْرِفْ مَوَاضِعَ مَا تَأْتِيهِ مِنْ عَمَلٍ

فَلَيْسَ فِي كُلِّ حِينٍ يَحْسُنُ الْعَمَلُ

فَالرَّيْثُ يُحْمَدُ فِي بَعْضِ الأُمُورِ كَمَا

فِي بَعْضِ حَالاتِهِ يُسْتَحْسَنُ الْعَجَلُ

هَذَا هُوَ الأَدَبُ الْمَأْثُورُ فَارْضَ بِهِ

عِلْماً لِنَفْسِكَ فَالأَخْلاقُ تَنْتَقِلُ

مِنْ كُلِّ بَيْتٍ إِذَا الإِنْشَادُ سَيَّرَهُ

فَلَيْسَ يَمْنَعُهُ سَهْلٌ وَلا جَبَلُ

لَمْ تُبْنَ قَافِيَةٌ فِيهِ عَلَى خَلَلٍ

كَلَّا وَلَمْ تَخْتَلِفْ فِي رَصْفِهَا الْجُمَلُ

فَلا سِنَادٌ وَلا حَشْوٌ وَلا قَلَقٌ

وَلا سُقُوطٌ وَلا سَهْوٌ وَلا عِلَلُ

تَغَايَرَتْ فِيهِ أَسْمَاعٌ وَأَفْئِدَةٌ

فَكُلُّ نَادٍ عُكَاظٌ حِينَ يُرْتَجَلُ

لا تُنْكِرُ الْكَاعِبُ الْحَسْنَاءُ مَنْطِقَهُ

وَلا يُعَادُ عَلَى قَوْمٍ فَيُبْتَذَلُ

نبذة عن القصيدة

المساهمات


avatar

محمود سامي البارودي

مصر

poet-mahmoud-samial-baroudi@

374

قصيدة

8

الاقتباسات

2835

متابعين

محمود سامي باشا بن حسن حسين بن عبد الله البارودي المصري (1839–1904)، أحد أبرز روّاد النهضة الشعرية في العصر الحديث، وأول من أعاد للشعر العربي ألقه بعد فترة من الركود. ...

المزيد عن محمود سامي البارودي

اقتراحات المتابعة

أضف شرح او معلومة