الديوان » العراق » حيدر الحلي »

وجدك ما خلت الردى منك يقرب

عدد الأبيات : 112

طباعة مفضلتي

وجدِكَ ما خلتُ الردى منك يقربُ

لأنَّكَ في صدر الردى منه أهيبُ

أصابكَ لا من حيث تخشى سهامه

عليك ولا من حيث يقوى فيشغب

ولكن رمى من غرَّةٍ ما أصابها

بمثلك رامٍ منه يرمي فيعطب

وما خلتُ منك الداءَ يبلغ ما أرى

لأنَّك للدهر الدواءُ المجرَّبُ

ولا في فراش السقم قدَّرت أنَّني

أرى منك طوداً بالأكفِّ يقلبُ

أمنتُ عليك النائبات وإنَّها

لعن كلِّ من آمنته تتنكَّب

وقلت شغلنَ الدهرَ في كلِّ لحظةٍ

مواهبُ كفَّيك التي ليس توهب

ولم أدرِ أنَّ الخطب يجمع وثبة

وأن عشار الموت بالثكل مقرب

إلى حين أردتني بفقدك ليلةٌ

تولَّد منها يومُ حزنٍ عصبصب

فقام بكَ الناعي وقال وللأسى

بكلِّ حشاً يدميه ظفرٌ ومخلب

هلمَّ بني الدنيا جميعاً إلى التي

تزلزل منها اليوم شرقٌ ومغربُ

شكاةٌ ولكن في حشا المجدِ داؤها

وندبٌ ولكن هاشمٌ فيه تندب

صهٍ أيُّها الناعي فنعيك يعطب

عضضت الصفا لا بل حشا فاك إثلب

لسانك يا جفَّت لهاتُك أو غدت

بريقِ الأفاعي لا بريقِك ترطب

رويدك رفِّه عن حشاشة أنفسٍ

هفت جزعاً عمَّا تعمّي وتعرب

فدع صالحاً لي وانع من شئت إنَّها

ستذهب أحشاء الهُدى حين يذهب

فليتك لي في نعيك الناس كلّها

صدقت وفي فردٍ هو الناس تكذب

وداعٍ دعا والرشدُ يقبر والهدى

يسوف ثرى واراه والوحيُ ينحب

ألا تلكمُ الأملاك شعثاً تزاحموا

على من فهل منهم توارى مقرَّبُ

أمستعظمَ الأملاك لا بل هو الذي

إلى الله فيكم كلهُم يتقرَّبُ

لقد رفعوا منه مناكبَ لم يكن

لينهضَ لولا اللهُ فيهنَّ منكب

مناكبَ من جسمِ النبوَّة حمِّلت

إمامة حقٍّ فضلها ليس يحسب

لقد فنوا في دفنها العلمَ ميِّتاً

وحسبُكَ نارٌ في الجوانحِ تلهبُ

ويا رافديَّ اليومَ قوما على ثرًى

توارى به ذاك الأغرُّ المهذَّبُ

قفا عزِّيا المهديّ بابنٍ هو الأبُ

لذي الدين فالدين اليتيم المترَّب

سلا كثبَ ذاك القفر يندى صعيدُه

بريِّ بني الآمال هل راحَ ينضبُ

وهل روِّضت خصباً بكفٍّ عهدتُها

تنوبُ منابَ الغيث والعامُ مجدبُ

وهل زالَ من ذاكَ المحيَّا وضاؤه

فقد راح وجهُ الدهر للحشرِ يشحبُ

ضعي هاشمٌ سرجَ العُلى وترجَّلي

فما لك في ظهرٍ من العزِّ مركبُ

ودونك تقليب الأكفِّ تعلّلاً

فقد فاتَ منك المشرفيُّ المذرّب

ويا ناهبي دمعي اعذراني على البكا

فما الناسُ إلاَّ عاذلٌ ومؤنّب

قفا واندبا أو خلّياني ووقفةً

يدكُّ الرواسي شجوُها حين أندبُ

أجامعَ شمل الدين شعّب صدعُه

ليومك صدعٌ في الهُدى ليسَ يشعبُ

وأعجب شيءٍ أنَّ نعشك في السما

ومنك توارى في ثرى الأرضِ كوكبُ

رمتك بها أيدي المقادير علَّةً

عييتَ بها ما طبّها متطبّب

رجونا وقد أكدى الرجاء المخيب

نهنِّيك منها بالشفاء ونطربُ

ونجلسُ زهواً مستعدِّين للهنا

بنادٍ به الأمثالُ في الفخرِ تضربُ

بحيث قلوبُ الناس هذا منعمٌ

سروراً بإنشادي وهذا معذَّب

بلى قد جلسنا مجلساً ودَّت السما

أسرَّتُها من شهبها فيه تنصبُ

كأنَّا تأهَّبنا لأوبة مقبلٍ

وكانَ ليأسٍ منكَ هذا التأهُّبُ

وهل أملٌ في عودِ مَن ذهبتْ به

بقاطعة الآمال عنقاءُ مغرِبُ

وأقتل ما لاقيتُه فيك إنَّني

حضرت ومنك الشخص ناءٍ مغيَّب

وعندي ممَّا أسأر البين لوعةٌ

تجدُّ بأحناء الضلوع وتلعبُ

أقلِّب طرفي لا أرى لك طلعةً

يضيءُ بها هذا النديُّ المطيَّبُ

وأنصبُ سمعي لامتداحك لا أعي

به خاطباً بين السماطين يخطبُ

وممَّا شجاني أن بدا المجدُ ماثلاً

يصعد مثلي طرفه ويصوِّبُ

وقال وأرخاها جفوناً كليلةً

برغمي خلا منك الرواقُ المحجَّبُ

رزيتُ أخاً إن أحدث الدهرُ جفوةً

عتبت بها فارتدَّ لي وهو معتِبُ

وددتُ أن تبقى وأن لك الردى

فداءاً بمن فوقَ البسيطة يذهبُ

حُجبتَ عن الدنيا ولو تملك المنى

إذن لتمنَّت في ضريحك تحجبُ

فلا نفضت عن رأسها تربَ مأتمٍ

وخدّك من تحتَ الصعيدِ مترَّبُ

ثكلتُكَ بسَّامَ المحيَّا طليقه

فبعدك وجهُ الدهر جهمٌ مقطَّبُ

أوجهُك حيا أم بنانك أرطبُ

وذكرُك ميتاً أم حنوطك أطيب

وما نزعوه عنك أم ما لبستَه

لدار البلى أنقى جيوباً وأقشب

سأبكيك دهراً بالقوافي ولم أقلْ

من اليأس وجداً ما يقول المؤنّب

لسان القوافي باسم مَن بعد تخطبُ

فلا سمعَ بعد اليوم للمدح يطربُ

مضى من له كنَّ القرائحُ برهةً

إذا استولدتها قالةُ الشعر تنجبُ

أجل فلها في المجدِ خيرُ بقيَّةٍ

لها الفضلُ يعزى والمكارمُ تنسبُ

لئن عزبت تلك الخواطرُ نبوةً

فلا عن ثناهم والخواطر تعزب

وإن رغبت عن نظمها الشعر في الورى

فليس لها عن أهل ذا البيت مرغب

مضى من له كانت تهذِّب مدحها

وأبقى الذي في مدحه تتهذَّبُ

لئن أغرب المطري بذكر محمدٍ

فما انفكَّ في كسب المحامد يغرب

فتًى تقفُ الأكفاء دون سماطه

وقوف بني الآمال ترجو وترهبُ

أقلُّ علاه أنَّ أذيال فخره

لهنَّ على هام المجرَّة مسحب

زعيم قريشٍ والزعامة فيهم

من الله في الدنيا وفي الدين منصب

حولاً لأعباء الرياسة ناهضاً

بأثقالها في الحقِّ يُرضي ويغضب

يقلّب في النادي أناملَ سؤددٍ

مقبّلها زهواً يتيه ويعجبُ

إذا احتُلِبت يوماً أرت أضرع الحيا

على بُعد عهد بالحيا كيف تحلبُ

أخفُّ من الأرواح طبعاً وإنَّه

لذو همَّةٍ من ثقلها الدهر متعبُ

له شيمٌ لو كانَ للدهر بعضها

لأضحى إلينا الدهرُ وهو محبَّبُ

وخلْقٌ فلولا إنَّ في الخمرِ سورةٌ

لقلتُ الحميَّا منه في الكأسِ تسكبُ

لنعم زعيمُ القوم إن يثر لم يكن

ليلبسَ إلاَّ ما الندى منه يسلب

لنعم شريكُ السحب يبسط مثلها

بناناً به روض المكارم معشب

تهذِّبُ أخلاقَ السحاب وإنَّها

متى يجن هذا الدهرُ نعم المؤدّب

ترى وفدَه منه تطيف بمورقٍ

على جودِ كفَّيه الرجاء المشذَّبُ

فقد عرَّست حيث الندى لا سحابةً

جهامٌ ولا برق المكارم خلَّبُ

أبا القاسم اسمع لا وعى لك مسمعٌ

سوى مِدحٍ ليست لغيرك تخطبُ

تجلببت ثوب الدهر فابقَ ومثله

بودِّي إذا أخلقتَه تتجلببُ

لئن ضاقَ رحب ارض في عظم رزئكم

فصدرُك منه أي وعلياك أرحبُ

وحلمُك أرسى من هضاب يلملمٍ

وعودُك من ناب العواجم أصلبُ

وما حلَّ رزءٌ عزم من شدَّ أزره

أخٌ كحسين والأخ للضربِ يطلبُ

فتى الحزم أما في النهى فهو واحدٌ

ولكنَّه في موكب الحزم موكبُ

إذا القوم جدُّوا في احتيالٍ فحُوَّلٌ

وإن قلبوا ظهرَ المجنِّ فقُلَّبُ

وإن غالبَ الخطبُ الورى فقريعه

أخو نجدةٍ ما بين برديه أغلبُ

فلو شحذت فهرٌ بحدِّ لسانه

صوارمَها ما كلَّ منهنَّ مِضربُ

ولو تنتضي منه اللسانَ لصمّمت

بأقطع من أسيافها حين تضربُ

يُصافي بأخلاقٍ يروقك أنَّها

هي الراحُ إلاَّ أنَّها ليس تقطبُ

تواضعَ حتَّى صارَ يمشي على الثرى

وبيتُ علاهُ في السما مطنّبُ

قرى ضيفه قبل القِرى بشرُ وجهه

وقبل نزول النُزل أهلٌ ومرحبُ

إذا احتلب السحب النسيمُ فكفُّه

على الوفد طبعاً جودُها يتحلَّبُ

ألا مبلغٌ عني الغداةَ رسالةً

للحد أبي الهادي يقولُ فيطنبُ

أبا حسنٍ إن تمسِ داركَ والسما

سمائين في أُفقيهما الشهب تثقبُ

فتلك السما سعدٌ ونحسٌ نجومها

على أنَّها بعضٌ عن البعضِ أجنب

وهذي السما للسعدِ كلُّ نجومها

ويخلف فيها كوكباً منه كوكبُ

فلو عادَ للدنيا بشخصك عائدٌ

لأبصرتَ فيها ما يُسرُّ ويعجب

فمن وجهك الهادي تروق بمنظرٍ

لها حسنٌ والحمد بالحسنِ يكسبُ

وأحمدُ فيها من بهائكَ لامعاً

لوفدك فيه عازبُ الأنس يجلب

بكلِّ ابنِ مجدٍ ما نضا بردةَ الصبا

على أنَّه فيها لأضيافه أبُ

أخو الحزم إما قستَه في لداته

فطفلٌ وإن مارسته فهو أشيبُ

بنوكَ بنو العلياء أنجبت فيهم

لك الله هل تدري بمن أنت منجب

غطارفةٌ لا تعقبُ الشمسُ مثلهم

ولو أنَّها في أُفقها منك تعقب

ذوو غررٍ يجلو الغياهبَ ضوؤها

وغيرهم في عين رائيه غيهبُ

أأهل النفوس الغالبيات مولداً

لأنتم على كسب المكارم أغلب

رقاق حواشي الطبع طبتم شمائلاً

بها أرج من نفحة المسك أطيب

لكم خلقا مجدٍ فذلك للعدى

يمر وهذا للمحبِّين يعذبُ

طُبعتم سيوفاً لم يلقْ لنجادها

سوى منكب المجد المؤثل منكبُ

وطنَّبتم أبياتَ فخرٍ أبي العُلى

لكم عوضاً عنها النجومُ تطنّبُ

فما تلك إلاَّ زينة لسمائها

وهذي بفرق المجد للوحي تضرب

فدونكموها ثاكلاً قد تسلبت

ووشيُ بهاءٍ زانها ليس يسلبُ

أتت لكم عذراء في ريق الصبا

بعصرٍ سواها فيه شمطاءُ ثيّبُ

فِداكم من الأرزاء حاسدُ مجدكم

وإلاّ ففيكم عاش وهو معذَّبُ

طلعتم طلوع الشمس في مشرق العُلى

فلا تغربوا ما الشمس تبدو وتغرب

معلومات عن حيدر الحلي

حيدر الحلي

حيدر الحلي

حيدر بن سليمان بن داود الحلي الحسيني. شاعر أهل البيت في العراق. مولده ووفاته في الحلة، ودفن في النجف. مات أبوه وهو طفل فنشأ في حجر عمه مهدي بن داود...

المزيد عن حيدر الحلي