الديوان » عمان » أبو مسلم البهلاني » تلك ربوع الحي في سفح النقا

عدد الابيات : 391

طباعة

تلك ربوع الحي في سفح النقا

تلوح كالأطلال من جد البلى

أخنى عليها المرزمان حقبة

وعاثت الشمأل فيها والصبا

موحشةً إلا كناس اعفر

ومجثم الرأل وافحوصُ القطا

عرج عليها والها لعلها

تريح شيئاً من تباريح الجوى

نسألها ما فعلت قطانها

مذ باينوها ارتبعوا أي الحشا

هيهات أقوت لا مبين عنهم

لمحتف بشأنهم غير الصدى

تربَّع الآنسُ من أرجائها

واستأنست بها الظِّباء والمهَا

فقف بنا عند غصون بانها

نشاطر الورق البكاء والأسى

بحيث اهريقُ بقايا دمعتي

وأتُبع النفس إذا الدمع انقضى

إن من الحق على مدامعي

إن تسبق السحب على ربع عفا

عهدي بدمعي طاعة ادكارهم

وبفؤادي إن دعا العذل عصى

وما وقوفي عند بان نبتت

غصونه بين الضلوع والحشا

لولا علاقات هوى تحكمت

في رمق عاش على مثل الصلا

دعني أبكي دمناً تغيرت

وأطبق الجفن بها على القذى

واذكر الإِلف الذي كان بها

وكيف شطت بهم عنها النوى

لم يبق فيها أثر لهم سوى

عيارة الخيل ومركز القنا

لتسرح البرحة في براحها

فإنها قد بلغت رأس المدى

لطالما أطلحتها سارية

تمزع في الدو ولا مزع الطلا

يعملة قد أخذت سلاحها

من حقب يزينها على الونى

روعاء ترمي مقلتيها حذراً

بين عزيف وعواء وصدى

زيافة تحوذ في تجليحها

لا فرق ما بين الدماث والكدى

تخلف الريح تكوس خلفها

كأنها أعارت الريح الحفا

كأنها من حقب منحب

في سدفة الليل هلال قد خوى

كأنما تطير من لغامها

سرب ثغام فوق خيطان الغضا

بلبها البرق كأن سائقاً

يزجها نحاً بأسواط السنا

إذا استطار أرزمت رازفةً

تواضخ الخال بأجواز الفلا

كأنما البرق لها أجنحة

إذا رأته حلقت إلى السهى

أقول للبرق وقد أرقني

لهيبه أعلى ثنيات الحمى

سقيت أجراز البلاد فارتوت

وحظ قلبي منك الهاب الجذى

خل نعاماك تداجي مهجتي

فإنها محروقة من الجوى

أهفو إلى روح النسيم راجياً

اطفاء ما بالقلب من حر الصلا

أعلل الشوق يصادي كبدي

نفح شميم الزهر من تلك الربى

فكان من حيث الشفاء علتي

ورى زناد الشوق من ذاك النثا

وربما منيت نفسي طيفهم

وهو حلال لي أن حل الكرى

ولو قصدت هفوة بحبهم

أو كنت من عاهدهم فما وفى

أرسلت طرفي رائداً لدهشة

بربعهم تذهلني عن الأسى

هيهات لا تمنعني طلولهم

وسانحات ذكرهم إلا الضنى

ولو تركت واجبات حبهم

أو صدق الهجر غرامي والقلى

أو تركت لي كبداً صحيحه

أو جلد الحسر على قرع النوى

لكان لي على الطلول وقفة

أبريء النفس بها من الهوى

لكن لي قلباً عرته سكرة

ما ضل في غمارها ولا غوى

وعاش في صبابة تعمده

مال إليها عامداً فما ارعوى

أسلو بمن أهواهم وإن نأوا

وكيف يسلو دنف بمن نأى

وكيفما خامرني الحب فما

قلت رشادي يا ترى أين وخى

ليعمل الحب بنفسي ما يرى

إن ضلالي بهوى القوم هدى

ما زال بي مع الهوى تبصر

ينتقد الحب على شرط الحجا

ليت النهي مع الهوى تثبنت

راسخة فيها عزائم التقى

لو ارعوت مع الغرام نهية

لم يعبث الحب بأحلام النهى

اعمد ممن ضللته صبوة

وبين فوديه ضياء ابن جلا

لربما يهفو التصابي بالفتى

وماله وهفوة إذا عتا

إذا تباشير مشيب وضحت

لم تعذر المرء متى ولا عسى

وفي الصبا معتبة وزاجر

فكيف بالشيب إذا العود انحنى

وكيف بالشيب إذا تقاربت

خطاه أن يقصر في الجد الخطى

يبادر الكيس أخرى عمره

فيرقع الخِرق ويوثق العرى

إذا تولى أمد موقت

لم يبق للرجعة منه مرتجى

وكل ما تلبسُه من جدة

يعروه من كر الجديدين البلى

ليس الجديدان وقد تباريا

في حزبنا يرضيهما منا الفدا

حتى يثلا معهداً ومعهداً

ويمضيا ثَمَّ على الدنيا العفا

لقد بلوتُ الدهر في عفوته

فكدَّر الصوف وجدَّ ما عقى

وكان الهي الحق اجتبيتُ في صروفه

بالصبر أجدي من تفاريق العصا

وساءني الفائت إذ أكسبني

كنزاً من الصبر وفوزاً بالرضا

جبلة الدهر خؤون حوُّل

ما راش في عافية إلا برى

محافظُ الثَّبت على طباعه

حتى يحولَ الآل بحراً في الملا

لا يستقيل عثرة من ندم

ولا يقيل من به الحظ كبا

فاصحبه ذا عزم على علاته

تزجي الهموم للعلى على الوجا

مستحقبَ الصبر على مراسه

حراً سليم العرض من سوء النثا

تبلد الخطب إذا جالدته

بمرة تبسه بس السفا

محجب البث رحيباً شامخاً

من رقة الشكوى وسورة الجفا

إن هزك الممضُّ هُز طودَة

أو هزك الهولُ فسيف منتضى

توسعه مريرة ويتقى

من جدها ما يتقى من الردى

لا تعرف النكبة منك جولة

تخذو لها خذو مقودات البرى

تصارع الأخطار غير ضارع

لطودها الأعصم ساخ أو رسا

تحس كل حادث بسيفه

فإن نبا حيناً فأحياناً مضى

لا تعجل الأمر أمام وقته

ولا تفته حيث آن بالونى

وإن تعارضك اثنتان فاتخذ

أولاهما بالحق وانبذ الهوى

إن القوي من ثنى شرته

ومن إذا مال إلى النفس انتهى

والعقل والحق يحرران من

رق الهوى ويدعوان للعلا

وشر ما صاحب مرء جهله

مطية فارهة إلى الردى

ومن تكن عادته طادية

بالسوء هد مجده بما طدا

إني أصون صفحتي مقتنعاً

بما يطف من علالات الحسى

أنبو والهوب أواري ساعاً

عن مشرب أشربه على القذى

يحمي الكريم عرضه ويحتمي

إن يرد الآجن من كل الركى

لم التفاني في براض آسن

لا يرتجى من نبضه بل الصدى

ولا أقامي طمعاً مقارداً

ولست ولاجاً بأسواء القمى

كي لا ترى عين خسيس موقفي

ببابه منتظراً من الجدا

في ظلف العيش على قناعة

تظلف للعرض عن السوء غنى

ومطعم تهافتت ذبانه

قضم الهبيد منه أحلى في اللها

ما أضيع النبل إذا تطاولت

خساسة العرق عليه بالحبى

حسبك عيش ماجد على الرضا

بما منى اللّه به من المنى

ما أقذر العرض يلب عاذباً

برأسه إلى لئيم المنتحى

حتى بغاث الطير تسمو أنفاً

عن مشرب تخزى به لمنتضى

آليت لا تعلو يدي يد أمرء

يسفلها اللؤم ويطغيها الغنى

ولا أرى وجهي ناظراً إلى

وجه يحق أن يحيا بالحثى

وعيشة تمنها خساسة

أشد عندي قذراً من الوغى

قناعة المرء بما يمنى له

من حظه في عيشه خير المنى

ولا أذود الحظ عن طريقه

فالسيل حظ للوهاد لا الربى

ولا أبات شاكعاً من حسد

قد هيأ اللّه لكل ما كفى

في قسمة اللّه وفي ضمانه

وفي اقتناع الرزق غايات الرضا

إذا سنا اللّه لعبد نعمة

فواجب العبد الرضا بما سنا

ففيم يصلى حاسد ضميره

والحظ والأرزاق تقدير مضى

فافطن لاقسام الحظوظ أنها

قضية عادلة بين الورى

سوية وإن تكن تمايزت

حالة ذي عدم وحال من ثرى

لم يظلم القاسم محروماً ولا

كل سعيد بالثراء محتظى

ما سرني من الثراء وفره

إن كان بين اللؤم والحرص نما

إذا نفته هكذا وهكذا

صنائع في أهلها فقد زكى

فانهب المال حقائق العلا

وفك من أسر الزمان المهتدى

ما بليت موهبة في حقها

ووعد ما ضن به الحرص البلى

فربما تحسبه وضيعة

في متجر الفضل به الربح نما

عقائل المال إذا أطلقتها

خلدت الذكرى وأنت في الثرى

ما الحق اللّه بنفس حوبة

تحوبت من شحها بالمقتنى

أذل أعناق الرجال حرصهم

لا تستقيم عزة على الكدى

حتى متى كأسي ريق حية

ومطعمي من زمني مر الجنى

أطال الدهر حقوقاً كلها

كبارح الأروى منيعات الذرى

أقطع آمالي بما في بعضه

أكبر من كاف لدرك المبتغى

كأن تطلابي أمراً ممكناً

أصعب من أمر محال المرتجى

لست على الحمد من الأمر إذا

غالطته خلابة فيما أتى

آتيه نصاً فإذا خادعني

فوضتها للّه يقضي ما قضى

والخب لا تصحبه فضيلة

ولو إلى النجم بدهيه غلا

إن وسع الدهر احتمال عاجز

فهو سلاحي وتلادي المجتبى

ينفق في إهانتي صروفه

وانفق العزم وانفاقي زكى

ذنبي إليه جَنَفي عن لؤمه

وقدرتي على احتمال ما جنى

وإنني الحتف على لئامه

انكأ في حلوقهم من الشجى

أذود عن حريتي بحقها

واجهد النصر لحر مبتلى

وإنني لا أعرف الحد لما

أسطيع أن أنجزه من العلى

وإنني لا أبطل الجهد إلى

حد سكوني بين أطباق الثرى

وإنني أدرك أن عازماً

مثابراً يدرك غايات المنى

وإنني في محن ساورتها

علمت ما جهلته من الورى

وإن في حسن التدابير غنى

عن خدع وهو عماد من وهى

وإنني لا أستثير سيئاً

ولا أسيىء دفعه إذا عنى

ولا أداجي مالئاً وذامه

علي غيظاً بفقاعات النثا

ولا أحابي ملقاً ذا ظاهر

يشف لي ظاهره عما انطوى

مالي وجهان ولا ثلاثة

إن لم أكن حلواً أكن مر الجنى

تلك وما يفضلها خصائصي

وليسها عند الزمان ترتضى

أرى الحياة كلها ذميمة

وخيرها وشرها إلى مدى

يحبها المرء على آفاتها

وتظهر الآفة عند المنتهى

يعيش لا تندى صفاة كفه

يخزن للوارث كل ما اصطفى

لا تربح الدنيا بشح وافتقد

ما أوضع الجامع من خلد الغنى

نهب فيها هبة فتنسري

وكلنا مرتهن بما أتى

فاستخلص المجهود في تخليصها

من ورطة الذنب واشراك الهوى

وانتهز الفرصة في استدراكها

أوامر اللّه وما عنه نهى

إن لها عدواً إلى غايتها

والحد وافاك ودربك انقضى

لا تهملن ذرة في عبث

فلست متروكاً كما شئت سدى

تودع الأنفاس لا تبكي لها

ورجع ما ودعته لا يرتجى

والكل منها راحل ببضعة

من أجل مقدر على شفا

وآخر الأنفاس يرجو وقته

فهل ترى تأخيره إذا دنى

وربما فكرت في تأخيره

يكون أدنى لك من فكر الحجى

فودع الباقي منها مخلصاً

بالباقيات الصالحات في اللقا

دراكها مبادراً دراكها

فالأجل المعدود للعمر خلا

أما ترق لحياة أوذنت

بغصة الموت وهول الملتقى

ارحم حياة طلحت بوزرها

في حمل ذر منه ايهان القوى

لو قرصتها ذرة تألمت

فكيف بالنار إلى غير مدى

حتى متى تنصبني أمنية

في نصرة اللّه فتعدوني المنى

كأنني مكبل في شرك

يزداد في الشد إذا قلت وهى

أشاطر النجم السهاد سارياً

فيغرب النجم وعيني في السرى

كأن أفعى نهشت حشاشتي

من لازب الهم وتلهاب الحشا

أذكى من النار بقلبي زفرة

يخرجها المظلوم من حر الأسا

محترق الأكباد من حسرته

لا غوث لا منصف لا يلوي إلى

أنفاسه تطرق باب العرش لا

تطرق باباً غيره ولا ذرى

وعبرة تسفحها أرملة

كالخلق السحق اصارها الضوى

شعثاء غبراء عليها ذلة

مهضومة الحق عديمة الحمى

وصفرة على يتيم شاحب

أدقعه الفقر وأشواه الضنى

مفترساً على العفا أديمه

وهل له عافية على العفا

يغدو ويمسي ضاحياً تحت السما

كأنه عود خلال أو خلا

وضربة من سيف باغ نهكت

وجه تقي مثل تشهاق العفا

وسطوة من ظالم شباته

اقتل للاسلام من حد الظبى

ينتهك الحرمة لا تريغه

ضريبة من كرم ولا تقى

يرى عيال اللّه قوسه

يترك ما شاء وما شاء رمى

جاس البلاد بالبلاء طامياً

فبز حتى بلغ السيل الزبى

وغيرة المؤمن في ضميره

يطفئها الخوف ويطغيها الأسى

يهان في حريمه وعرضه

ودينه وماله مثل اللقا

حامي الحميا مرس لكنه

شرارة في ضرر لا ما عدا

ما تنفع الغيرة في مكمنها

والسيف في قرابه لا ينتضى

حتى تكر الخيل كشفاً ساقطاً

تهوي هوي العَاصفات في الوغى

تجمز جمزاً بالكماة شزباً

عوابساً شمساً كسيدان الشحا

في فيلق حالكة أركانه

يجلل الأرض الدجى راد الضحى

مجرٍ لهامٍ أرعنٍ هطلعٍ

غمرٍ دخاسٍ لجبٍ صعبِ الذرى

يقل في الجو عجاجاً لو هوى

عليه رضوى لم يصل إلى الثرى

تعشش العقبان في أحضانه

وتنشط الوحش إليه للخلا

لولا بروق المشرفيات به

لم يهتد الجيش الأمام والقفا

تضطرم الأرض بما تقدحه

سنابك الجرد وتقراع الشبا

يخلط غوراً بيفاع وقعه

فالأرض في بطن رحاه كاللها

تلتحم الشكة في رعاله

فالجيش في بحر حديد قد طغى

مزمجر الوغى له زمازم

زهاؤه الليل إذا الليل عسا

بكل صنديد عتيك داغر

مهول الكبة شداد السطى

يستحقب الحتف ويشهى حينه

إن يكن الحتف انتصاراً للهدى

تهوى النسور سيفه ورمحه

لما يتحيان لها من القرى

يصدع قلب الروع في عزيمة

أسرع من برق وأورى من لظى

كأنما جرازه من قلبه

لا ينتحي ضريبة إلا فرى

مجرس مضرس ممارس

يمترس الخطب إذا الخطب شحا

على سراة شامس مطهم

معترق في جريه عبل الشوى

يخترق الحومة في وطيسا

يعارض الهول ويعتام الردى

كأنه صاعقة منقضة

لوصك في خطفته الطود ثرى

محتمشاً مضطغناً صمصامة

يحوش أكداس الرعال كالقطا

أخلصه الصقل شهاباً قبساً

وكمن الموت به على الشبا

يفضفض الجحفل باهتزازة

منه ويجز الأشم إن هوى

يشفعه بلهذم سطامه

أعصل رقشاء على الحتف انطوى

في مأزق بين كمي قد دمى

يحشرج الروح وضرغام شصى

يسوط فيه فيلقاً بفيلق

كما يسوط البهم ضرغام الشرى

بهذه الخطة نشفي غيظنا

إن كان بالسيف أخو الغيظ اشتفى

بهذه الخطة نرضي ربنا

إن كان فينا طالب منه الرضا

بهذه الخطة نبتاع العلى

في الدين والدنيا ونستوفي المنى

بهذه الخطة نرقى سلباً

لغاية حض عليها ودعا

أين رجال اللّه ما شأنكم

إلى متى في ديننا نرضى الدنا

إلى متى نعجز عن حقوقنا

إلى متى يسومنا الضيم العدا

كنا أباة الضيم لا يقدح في

صفاتنا الذل ونقدح الصفا

كنا حماة الأنف لا يطمع في

ذروتنا الطامع في نيل الذرى

لا يطرق الوهن عماد مجدنا

وكم ثللنا عرش مجد فكبا

على م صرنا سوقة إمعة

اتبع من ظل واقتى من عصا

ما أفظع الشنار أو يزيله

ضرب يزيل الهام من فوق الطلى

إلى متى نخزى ولا يؤلمنا

كالميت لا يؤلمه حز الشبا

أذل من وتد حمار فيهم

وقدرنا أقصر من ظفر القطا

إلى متى نهطع في طاعتهم

ونتقي وليتها تجدي التقى

إلى متى نهرع في أذنابهم

لا ملتجى لا منتهى لا منتحى

إلى متى يعرقنا نكيرهم

وجورهم وكفرهم عرق المدى

إلى متى تقضمنا أضراسهم

إلى متى نحن لهم عبد العصا

إلى متى تعركنا أحكامهم

إلى متى إلى متى إلى متى

أي محب اللّه فينا صادقاً

لو صدق الحب لهان المختشى

لا ينتهي إذ نفست قروانها

محارم الليل إلى العز اللقا

أين ذوو الغيرة من لي بهم

قد حزب الأمر قد انقد السلا

اتسع الخرق على راقعه

من يشعب الوهى ويرتق الثأى

أما شعرتم أنها داهية

شعواء لا فصية منها بالولى

هبوا من النومات أن حية

تنباع ما بين شراسيف الحشا

حتى على الموت الزؤام نومكم

وليته موت على حفظ الحمى

قد استباحوا حرمات دينكم

ومنعوا الأرض الحياة والحيا

تحكموا في ملككم ورزقكم

وكبسوا البئر وقطعوا الرشا

منّوا عليكم بغذاء طفلكم

وحسوة الماء ونفحة الصبا

وأزعجوكم عن ظلال ريفكم

وليتكم لن تزعجوا عن الفلا

وضايقوكم في بلاد ربكم

حتى على مدفن ميت في الثرى

لا يرقبون فيكم إلا ولا

ذمة دين أو ذمام من رعى

قد سفكت دماؤكم وانتهكت

حرمتكم ولا حشا ولا خلا

نقعد يشكو بعضنا لبعضنا

وما مفاد من شكا ومن بكى

في بعض هذا غصة لعاقل

لو رجعت أفكارنا إلى النهى

يسومنا الخسف خسيس ناقص

لا دين لا حكمة لا فضل ولا

أليس مما يذهل اللب له

عسف الطواغيت بشرع المصطفى

وحملنا على اتباع غيلهم

مصيبة لحرها ذاب الحصى

هب ملكنا ورزقنا فيىءً لهم

فديننا الأقدس فيىء وجزى

للّه ما أفظعها داهية

لو عوفيت قلوبنا من العمى

فيا صباحاه وهل من سامع

لصرختي وهل يجيب من دعا

قد ذبح الملك وهذا دمه

ومدية الذابح في نحر الهدى

وأصبح استقلالكم فريسة

بين كلاب النار يا أسد الشرى

أليس عاراً أن نعيش أمة

مثل اللقا أو غرضاً لمن رمى

يلفنا الخزي إلى أوكاره

ويحكم النذل علينا ما يرى

أنشرب الماء القراح ما بنا

من مضض وليس بالحلق شجا

ونهنأ العيش على أكداره

وتطعم الأجفان لذات الكرى

وجنبنا جنب صدىء صاغر

والسيف حران الحشا من الصدى

كم نظلم السيف بمنع حقه

أما يجازى ظالم بما جنى

إن السيوف طبعت لحقها

وحقها تحكيمها على الطلى

والسيف شهم لا يفيت حقه

أصدق من جد وأكفى من كفى

والسيف حر لا يقر خازياً

يصول إن ضيم وإن صال اشتفى

والسيف لا يرضى الذليل صاحباً

إن الذليل بالشنار مكتوى

والسيف جلاء المخازي آخذ

بضبع من يكرمه إلى العلى

والسيف مفتاح إذا تضايقت

على الهمام الحر آراء النهى

والسيف كالصدق من الرجال ما

هززته لخطة إلا مضى

والسيف في عزومه مؤيد

إن شد سد وتقاضى وقضى

والسيف ذو نقيبة في أمره

ثبت على العلات ميمون الخطى

والسيف أقضى بالحقوق حاكماً

أوفر حق ما به السيف أتى

والسيف أوفى صاحب رافقته

إن خانك الدهر وأهله وفى

والسيف فيه فرج معجل

إن الغموم بالسيوف تجتلى

والسيف يعطيك الذي اشتهيته

إن توله من حقه كما اشتهى

إن السيوف عاهدت أربابها

بالمصدر الأقصى وتقريب القصا

هن فحول الحرب منها لقحت

وهن يقتدن الفحول بالبرى

والمجد حيث أبرقت وأرعدت

ينبت من ساعته ويرتعى

ما بالنا نحصنها عقائلاً

من المقاصير عليهن الحلى

أين بنو الاسلام ما يعجزنا

والعزة الكر بحومات الوغى

أين بنو القرآن هل ثبطكم

كتابكم عن الجهاد للعدى

أين غطاريف الجلاد بالظبى

أين مشائيم الطعان بالقنا

أين بنو التوحيد لو صدقتم

توحيدكم ما رقص الشرك على

أين بنو الأحرار ما سكونكم

والملك والدين حريب والحرى

كم ذا يناغيكم مبير خادع

أطرق كرى إن النعام في القرى

فجشموه جشماً وبيلة

أو تهصروا العظم وتنزعوا الشوى

هلم شدوا شدة قاصمة

مريضة الشمس حمية الوحا

ثبوا إلى الموت كراماً واندبوا

عزائماً تسعر تسعار الصلا

إن ضراباً بالصفاح خطة

ترد ما فات وترسي ما هفا

قد آن للاحرام أن نحله

وننحر الهدي على رأس الصفا

قد آن للصائم وقت فطره

لطالما ارمض بالصوم الحشا

قد آن للوضوء أن ننقضه

بالسافح الثائر فرصاد الكلى

نقر أحلاس البيوت خشعاً

أبصارنا مغمضة عما دهى

ندرس تأريخ الالى تقدموا

وحسبنا اللّه تعالى وكفى

إن العظام لا تؤاتي شرفاً

ولا أقاصيص الوغى تكفي الوغى

والسلف الصالح سل سيفه

وكان ما كان له ثم انقضى

تلك الرفات طينة صالحة

لغارس وحارث ومن بنى

أتبحثون بينها عن عزة

أوفي لعل فرجاً أوفي عسى

تلكم إذاً أمنية مخلفة

وضيعة العقل وجهل وعمى

لنا صفاح ولها سوابق

لكننا نصفح عن سبق العلى

والمجد لا يملك عن وراثة

لكن بتحطيم الشبا على الشبا

عز على ما أثلث عهودها

كسب المعالي واندفاع ما عنا

ولو تقلدنا فعال أهلها

لم يعبث الفأر بهيصار الشرى

نعيش في هينمة بذكرهم

يعقبها واهاً وأنى ومتى

نعم لهم سوابق لكنها

لا تنعش الجد إذ الجد كبا

معصومة الذروة لا يبلغها

إلا همام باللهاميم اقتدى

إذا اتكلنا قعدداً عليهم

لم يسلم المجد اذا من الأذى

شدوا الحزيم للهوادي فانثنت

ودوخوا بالعزم صعب المرتقى

واحمشوا الحرب إباء ضيمها

بل هم لها متى ذكت عين الذكا

هم علموا الدهر مراس قرنه

ثم انتهى بعد المراس مهتدى

هم علموا السيف مضاء عزمهم

فهو قرين عزمهم حيث انتوى

هم أدهشوا الهول بما يهوله

فانكفأ الهول شكياً بالضوى

هم شيدوا المجد بما ابيض به

فود عوادي دهرهم حتى غطا

هم عقدوا بالعز عين همهم

فلا تداني ذلة لهم حمى

لا يطرق الضيم عزيز ركنهم

ولا يضام عائذ به احتمى

هم أسغبوا للمكرمات دهرهم

فدهرهم للمكرمات في طوى

هم أجدبوا سوحهم من وفرهم

وهم لأرض اللّه غيث وحيا

هم أنضبوا غدرانهم بجودهم

وفجروا في الناس ينبوع الغنى

هم وسعوا الكون حلوماً وهدى

وصائلاً ونائلاً ومجتدى

هم أمجدوا وانجدوا وأوجدوا

وأفقدوا وطولوا الباع الوزى

هم جردوا وشردا وطردوا

وأوعدوا وأوردوا بحر الجدى

هم لكبات الخميس حدها

وجدها وشدها والمحتمى

هم إذا الخيل ارتجحن بحرها

في مأزق الروع تراموا للردى

أولئك القوم وصيت فخرهم

إن كان في أسماعكم ذاك الوحا

أسلافنا ومالنا من مجدهم

إلا حديث بعدهم لا يفترى

لم التحجى بعدهم في شرف

عند رفات القوم في الأرض حجا

نرفع منا أنفسنا وننتخي

كأنها من كسبنا تلك النخا

نصحبهن أنفساً مثقلة

بطيئة تحمل أوقار الونى

تعزف عن مضوفة إذا عنت

مجفلة عن المضاف إن دعا

إلا نفوس عزم عارفة

لهن جأش إن طمى الهول رسا

الاشدا في أنفس أبية

يصبرها على مقاساة الشدا

تشفع أحساباً زكت بمثلها

لها بما أصله الأصل أسى

هلم فلنحذو حذو سعيهم

فليس للانسان إلا ما سعى

ليسوا رجالاً لا نطيق فعلهم

لكنهم جدوا وقصرنا الخطى

تناولت أكفنا سيوفهم

يا أسفاً وعجزت عن السطى

ما انطمست من دوننا سبيلهم

قد نصبوا الأعلام فيها والصوى

ما كابدتنا خطة عن شأنهم

أفظع مما كادبوه فانفأى

هم غربوا وشرقوا وأيمنوا

وأشأموا ومهدوا لنا الذرى

وهم سروا بجدهم وجهدهم

فحمدوا صباحهم غب السرى

همو أقاموا سنناً شامخة

تمثل الشهب ارتفاعاً وسنا

هم أقدموا ارتجرد السراحيب لها

تعطش الصادى إلى نار الوغى

تزفي الخميس جحفلاً فجحفلاً

مثل الدبور انجفلت عنها الطخى

ياهي مالي وعشيري أرملوا

معاقل العز وأيتموا العلى

أين رجال اللّه أين غارهم

قد هدم الحوض ودمت الركى

أين الذين استخلصت شيمتهم

كأنها الدر اليتيم المنتقى

أين الذين محصت سيرتهم

مكدرات دهرهم حتى صفا

أين الذين عرجوا إلى السما

أعني سماء العلم والدين الهدى

أين شموس الأرض أنى أفلت

وأبقت الناس على مثل الدجى

أين الخيار العائذ الكون بهم

وصفوة الصفوة من هذا الورى

أين ربيع الأرض أين غيثها

يا حرباً لا غيثها ولا السدا

أين بقايا اللّه في عباده

ظنائن اللّه وقائذ التقى

أين أسود الغيل ماذا اغتالها

قد أسد الثعلب فينا وضرى

هيهات بعد القوم شدت رحلها

حمية الدين وصارت منتسى

أنشدها من مسجد فمعهد

فمنهج فمجمع فمنتدى

فلم أجد منشودتي في موضع

ثم حدست أنها رهن الثرى

أرملة ناحت على أحرارها

ثم ثوت آسفة فيمن ثوى

أواه أواه رزئنا بعدهم

وليتنا في خلف عمن مضى

ما في الحمى من دافع ومتق

ما يعقب الخزي ولا من يتقى

قد ضاعت الحرمة بعد صونها

وشنت الغارة في عقر الحمى

وطرق الحي ذئاب جوه

ودعثر الزرب وخاس المرتعى

ادعوا رعاة الحي في قبورهم

إن سمع الميت دعاء من دعا

ادعوا لها الأموات إذ آيست من

احيائهم لعل فيهم من وعى

يا أيها الراعي انتبه فما بقي

حول المراعي ما ثغى وما رغى

يصخ صوتي مسمعاً ومسمعاً

لو كان من يزعجه هذا الندا

أصبح قومي جثة باردة

عي بها الطب وعيت الرقى

ما أثر النصح على ألبابهم

إلا كآثار الحيا على الحصى

وما رسوخ الوعظ من قلوبهم

إلا كما يرسخ في الصخر الصدى

ولا لاحرار الكلام عندهم

تكرمة ولا لحر مستوى

تنصحهم فتجتوى ديارهم

إن الكرام دارهم لا تجتوى

امحضهم نصائحاً لو ذهبت

إلى جماد ذاب أو ماء جسا

فتنثني نصائحي مكارِهاً

يقرضها اللوم وينفيها القلى

سيدرك النصح لزاز محوذ

عزائم الرأي إذا لاح الجلا

لقد نفت عني الرجال شيمة

لو سكنتهم زلزلت قلب العدا

لكنني أعجز أن أفيتهم

تكذيبهم بينتي للمدعى

إن القلوب استشعرت جبلة

فتاركت أحلامها إلى الهوى

ليس العصور الغر إن تكشفت

بحسنها هادية لمن غوى

كل امرىء بفعله معتبر

والسيف بالشفرة يفضل العصا

فتحت عيني فرأيت غافلاً

يحمله السيل وليته درى

ونائماً والنار في جثمانه

كأنه جزل الغضى وما وعى

وراضياً بذلة مفتخراً

بأن يعيش خازياً ومزدرى

ومؤمناً مستضعفاً يغمزه

ظالمه من الرجا إلى الرجا

وعاقلاً في رأيه متهماً

وأرشد الآراء للحر الدوا

وحاسداً لنعمة تخاله

أسعر ما كان إذا قلت خبا

وبائعاً لوطن فيه انتشى

بلقمة يلذها وهي الودى

فهل لنا استقامة وعزة

وحالنا مشؤومة كما نرى

وأغلب الناس الوفاء عندهم

مستهجن وعهدهم على شفا

يجرون في الأهواء لا تكبحهم

شكيمة عن دحل ولا هوى

وأدعياء الفضل إن دعوتهم

لغمرة الجلى تراموا للعرا

همهم في شهوات طبعهم

هم السوام في ارتياد المرتعى

سريهم من جمع المال ولو

أفلس من مروءة ومن حجى

إذا دعا المجد تفادى ناقصاً

وإن دعاه بذخ قال أنا

لا يشرف اليوم بعقل مقتر

والسيد الأقعس من نال الغنى

فخذ من الغمر الدني رأيه

إن ملأ الكيس ودعه إن ضقا

تخاضعت له الرقاب عنوة

وإن جست صفحته وإن ظمى

عصائب الاسلام تلكم حالنا

وليس يخفى في الظلام ابن رجلا

ما تنتظرون في التماس طبكم

قد نكأ الجرح وادنف الضنى

ليس لها إلا التفاف قوة

بقوة ومقتدى بمقتدى

ليس لها إلا نفوس طفئت

أضغانها واشتعلت فيها التقى

يلمها الايمان قلباً واحداً

وجهته اللّه وحشوه الهدى

إذا رمت فقوسها واحدة

وما رمت وإنما اللّه رمى

دب إليكم داء من قبلكم

من حسد يسفعكم ومن قلى

فخلصوا الأنفس من أدوائها

فقل من مهما أصابته نجا

ولو تآلفتم على ايمانكم

وكانت الأوجه وجهاً ينتحى

ومحصت أنواره قلوبكم

فصفيت من فتنة ومن شذا

ضاق على الخسم الفضاء دونكم

وعزه الاركاس من حيث نزا

عسى الذي قدر ما يهولكم

يزيل باللطف الخفي ما عنا

ويمطر الروح على ربوعكم

فينضر الروض وإن كان ذوى

نبذة عن القصيدة

المساهمات


معلومات عن أبو مسلم البهلاني

avatar

أبو مسلم البهلاني حساب موثق

عمان

poet-Abu-Muslim-Al-Bahlani@

248

قصيدة

1

الاقتباسات

51

متابعين

ناصر بن سالم بن عديِّم بن صالح بن محمد بن عبدالله بن محمد الرواحي البهلاني العماني أبو المهنا الشهير بأبي مسلم: شاعر قاض صحافي من كبار شعراء عمان كان في ...

المزيد عن أبو مسلم البهلاني

اقتراحات المتابعة

أضف شرح او معلومة