الديوان » مجتمع الديوان » المغرب » خالد أخازي » عبورٌ قاسٍ... لولا الرسائل

حلل القصيدة بواسطة BAYAN AI

كجنديٍّ... يجامل شتاء
ببقية حطب هالك
جره هطل عنيف
منسي الزمان
والمواسم والأنواء.

كجندي...
يروّض طيشَ الخواطر
بسرح قطيع الارتياب
برسائل منسية الطريق
إلا من بريق وشهيق
عله يوهم كل طائف
طاف به وشق
ليلا وزاد وضيق
أنّه لا غريق في عقله
يرحل بارد الجثة
من منفى المنفى
ليحط على كتف
أنهكها ترقب الطوارق.

كجندي...
يحاور وجوهًا
عالقةً بين السطور،
ويلعن في خبرٍ عابر:
خائنًا أفلت كلابَ الصيد،
ومتربّصًا استباح الدجاج،
وجزّارًا يفاوض الجوع
على رغيفٍ
لامرأةٍ يطوّقها الحرمان،
وخبزًا
لا يفتح الأبواب ليلًا
لأحلام العابرين.

الذاكرة لا تودّع

كان يخشى في سرّه
على الذاكرة
أن تفقد الحواسَّ
وملامحَ آخرِ وداع.

فيهدأ روعه
بعبارةٍ
تفيض بالصبر والوفاء،
تصف نارَ الجيران،
وتصمت
عن خراب الأحضان.

وله أن يطوي الرسالة،
كأنَّ الطيَّ
ضمادُ الغائبين،
وكأنَّ الورق
سريرٌ دافئ
لمن لم يعودوا.

آخر خندق

في سطرٍ ما
توقّف عن تحية المسافرين.

يسأل عن أسمائهم،
كيف مكثوا،
وأين باتوا
حين ضحكوا،
حين سكروا،
قبل أن يبتلعهم الطريق.

صار يقاوم خوفَه الخفيَّ
بدفءِ كفٍّ
تستخرجها من بين الورق،
وبرائحة الحبر الأسنّ
يعيد رسم
ضحكات الصغار.

ويكتم
زئيرًا عنيدًا
ولدَ ليلةَ
شقَّ عفنُ الشكِّ
طريقَه
تحت جلد الهزيمة.

ما وراء خطوط النار

كجنديٍّ
يرمّم جدارَ الصبر
بصورةٍ عائليةٍ
أكلتها الذاكرة،

يغمسها
في ليلٍ بارد،
كلما اختطفه الشوق
إلى ما وراء
خطوط النار.

يمدّ يده
إلى غدٍ يتلعثم.

يهرب من طابور الموت
نحو رسائل مبعثرة،
لا يخشى الرصاص...
يخشى فقط
أن يصل
إلى موته
قبل وصول الغمام.

وجهٌ بين الجثث

يعبر حقولَ الألغام
كما يعبر الأعمى
ذاكرته.

يلتقي وجهَه
الشاحب
بين الجثث.

كان يحزم
أمتعة القتلى،
يحمل ظلالهم
إلى جهةٍ مجهولة،
ولا يتعرّف
إلى جثته.

خوف الأحياء

كجنديٍّ
يقرأ اسمَه
في أرشيفٍ
مثقلٍ بالمراجع.

يرى كبرياءَ الأوسمة
حول نعشٍ بلا جسد.

يرسمون المجد
فوق صدرٍ لم يخفق
إلا لتفاصيل صغيرة:

جرحٍ يئنّ في الظهيرة،
وغربةٍ تنام على عتبةٍ
لا يفتحها أحد.

ولا أحد يسأل:

كم قبرًا مجهولًا
يمشي بينهم،
يحمل وجهًا
كوجه الجيران قربنا؟

يمسح الغبار عن كتفيه،
ويفهم:

أن النصب
ليس احتفالًا بالغابرين،
بل خوفُ الأحياء
من أن يصيروا
بلا شواهدَ ولا تأبين.

الثالث المضيء

وأنا... الذي تعرفونني
أحصي ما تبقّى من خطواتي،
وأبتلع السلالم،
وأظنُّ الطريق
كلما أرهقني
يبعدني عن الموت.

ثم اكتشفتُ:
أن الموت
كان يمشي بجانبي.

علّموني
سهرَ الأشكال
في العقل اليوناني،

لكنهم زيّفوا الحياة.

فلا خطٌّ مستقيم
نحو القلاع الصامدة،
ولا حربٌ تفتح السديم،

إلا امتدادٌ
لذلك الخطِّ المنكسر فينا،
يحمله الجندي
حين ينام على ترابٍ
لا يشبه تراب الوطن.

علّموني
غرورَ القواميس،
ومنحوني
قسوةَ الدلالة،
ووهمَ التأويل،

إلا حلمًا واحدًا
احتفظوا به.

كيف أمحو اسمي
لأسكن مرادفًا آخر
بعد الرحيل،
لا يشلُّ الأحلام؟

نسوا الثالثَ المضيءَ
بين الموت والحياة.

قالوا:
الموتُ شمعةٌ تنطفئ.

ولم يقولوا إن الظلام
ليس غيابَ الضوء،
بل ذاكرةٌ
تبحث علنًا
عن نجمة.

نبذة عن القصيدة

المساهمات


خالد أخازي

المغرب

@Akhazi63

33

قصيدة

6

متابعين

خالد أخازي هو كاتب وروائي وشاعر وإعلامي مغربي، يُعد من الأصوات الأدبية والإعلامية التي تجمع بين الإبداع السردي والاشتغال الصحفي والنقد الثقافي. عُرف باهتمامه باللغة العربية الفصيحة وبناء نصوص روائية ذات بعد إنساني واجتماعي، كما يشتغل في مجالات القيادة التربوية والتكوين في البيداغوجيا والديداكتيك. المسار الأدبي يتميز مشروعه الإبداعي بالجمع بين الرواية والشعر والمقالة الفكرية، مع انشغال واضح بقضايا الهوية والذاكرة والإنسان والتحولات الاجتماعية والثقافية. وتصفه بعض القراءات النقدية بأنه كاتب «لا يه…

المزيد عن خالد أخازي

أضف شرح او معلومة