الديوان » مجتمع الديوان » السعودية » صائغ القوافي » أراعي عهودَ الودِّ

حلل القصيدة بواسطة BAYAN AI

خَلِيلَيَّ عُوجَا واسألا الرَّكبَ ما الخَبَرُ

فإنَّ بقلبي من هواها لهيبَ نارِ

تركتُ سُبُلَ الأطماعِ وهيَ مذلَّةٌ

وسرتُ إلى دربِ المكارمِ والفَخارِ

أُحبُّ التي لا يستخفُّ بقدرِها

لئيمٌ ، ولا يرقى لعُلياها صِغارِ

رأيتُ جمالَ المرءِ صونَ كرامةٍ

وليسَ بحسنِ الوجهِ عندي مدارِ

فإن قربتْ كان القُربُ فضلَ مودةٍ

وإن بعدتْ لم ينطفئْ فيَّ إصراري

وما الحبُّ عندي ذلَّةٌ لمحبِّه

ولكنَّه خُلْقُ الكرامِ ذوي الوقارِ

أراعي عهودَ الودِّ وهي أمانةٌ

كما يُرعى حقُّ الجارِ حقَّ الجوارِ

فلا أبتغي وصلًا يُمدُّ بمنَّةٍ

ولا أشتري رضوانَ قلبٍ بانكسارِ

أرى الحرَّ من يبقى على العهدِ ثابتًا

ولو عَصَفتْ في الدهرِ ريحُ اختبارِ

وما كلُّ قلبٍ يحملُ الودَّ صادقًا

فكم زينةٍ تخفي خفايا العوارِ

لقد علَّمتني الدهرُ أنَّ مودةً

بغيرِ صفاءِ النفسِ تمضي لِبَوارِ

وإن غابَ وجهٌ قد ألفتُ حضورَهُ

فذكرُهُ في الصدرِ أرسخُ من ديارِ

أقلِّبُ أمرَ الحبِّ بينَ مكارمٍ

فأرفعُ ما يبقى وأهجرُ ما يُضارِ

وما أسألُ الأيامَ مالًا تقدِّمُهُ

فحسبيَ قلبٌ لا يُباعُ بدينارِ

وإن قال قومٌ : هان عهدُكَ في الهوى

قلتُ : الثباتُ على المحبةِ من شعاري

فما زال ذو العزمِ الكريمِ مصابرًا

لصعبِ الليالي دونَ ضعفٍ وانكسارِ

أرى العينَ قد تهوى ويملكُها الفتى

إذا كانَ في أخلاقِهِ سُؤددُ حرِّ

وما الشوقُ إلا نارُ قلبٍ مجرَّبٍ

تنقّي خفايا النفسِ بعدَ اختبارِ

سأحفظُ ما بيني وبينكِ سرَّهُ

فصونُ الأسرارِ دأبُ الكبارِ

ولو حالَ بينَ الدارِ والدارِ مفازةٌ

وطالتْ ليالي البعدِ في كلِّ مسارِ

فما يقطعُ الأرواحَ بُعدُ منازلٍ

إذا كانَ بينَ القلبينِ عهدُ إخاءِ

وعدّلتُها : فما يقطعُ الأرواحَ بُعدُ منازلٍ

إذا كانَ في القلبينِ عهدٌ من الوقارِ

وما كلُّ من يلقى الهوى بمُحسنٍ

فمنهم كريمُ الطبعِ ، منهم ذو غِرارِ

أُحبُّ بعقلٍ لا تجرُّهُ رغبةٌ

وأمضي بدربِ الحِلمِ دربَ ذوي البصارِ

فإن جاءَ وصلٌ كان فضلًا ونعمةً

وإن فاتَ لم أخسرْ جمالَ انتصاري

وما كلُّ من يرجو المودةَ نائلٌ

ولكنَّ حرَّ النفسِ يرضى بالأقدارِ

إذا صحَّ عهدُ الودِّ لم يخشَ قاطعًا

ولا هابَ صرفَ الدهرِ بعدَ إصرارِ

أقيمُ على ما قلتُ والقولُ ذمَّةٌ

ومن هانَ قولُ المرءِ هانَ لدى الأحرارِ

وما العشقُ أن يمحو الفتى قدرَ نفسِهِ

ولكنَّهُ سموُّ الفؤادِ لذي الوقارِ

أرى المرءَ يسمو حين يحفظُ عزَّهُ

ويبقى على أخلاقهِ وقتَ إعسارِ

وقد علَّمتني في الليالي تجاربٌ

بأنَّ الثباتَ أقربُ الأمرِ للظَّفارِ

فلا أجعلُ الأشواقَ قيدًا لخطوتي

ولا أرتضي ذلًّا يعيبُ مساري

أراقبُ نجمَ الليلِ وهو مسافرٌ

فيذكرني بالصبرِ وسطَ القفارِ

وأسألُ ريحَ الصبحِ عن أثرِ التي

لها في فؤادي منزلٌ بعدَ منزلِ الدارِ

فترجعُ لا تحملُ سوى عطرِ ذكرِها

كأنَّ نسيمَ الروضِ بعضُ الآثارِ

وما البدرُ إلا صورةٌ من محاسنٍ

تمرُّ على الأبصارِ مثلَ منارِ

ولكنَّ حسنَ الروحِ أبقى مكانةً

من الزهرِ يفنى تحتَ حرِّ نهارِ

فإن زالَ زينُ الوجهِ يومًا فإنني

أرى الخلقَ المحمودَ خيرَ ادِّخارِ

وما المرءُ إلا ما أقامَ بصدرهِ

من العزمِ والتقوى وحسنِ الشعارِ

فكم طالبٍ وصلًا أضاعَ كرامةً

وكم صائنٍ للعهدِ فازَ بوقارِ

أُحبُّكِ حبًّا لا يُرى في مذلَّةٍ

ولا يرتضي دربَ الهوانِ لِمُختارِ

فإن أنعمتْ أيامُنا بقُرْبةٍ

فذاك جميلُ الحظِّ بعدَ انتظارِ

وإن فرَّقتْ بينَ القلوبِ مسافةٌ

فلا ينقطعْ ودٌّ بصدقِ شعارِ

سأبقى على عهدِ المحبةِ ما بقي

من العمرِ نبضٌ في عروقِ نهارِ

وأحملُ ذكراها كحملِ أمانةٍ

يصونُ خفاياها فؤادي بإسرارِ

وما كنتُ ممَّن يستجيرُ بودِّهِ

إذا عزَّ مطلوبٌ وضاقتْ مداري

ولكنني أمضي وعندي عزيمةٌ

كما يمضي الصخرُ الصليبُ بوقارِ

أداري شجونَ القلبِ وهوَ مكابرٌ

وأكتمُ نارَ الشوقِ خلفَ استتارِ

فليسَ جمالُ الحبِّ دمعًا مسفَّحًا

ولا كثرةَ الشكوى لِصَرفِ الديارِ

ولكنَّه صبرُ الكرامِ إذا ابتُلوا

وحفظُ عهودٍ في الزمانِ العسارِ

أرى المرءَ مرآةَ المروءةِ فعلُهُ

إذا واجهَ الأيامَ دونَ فرارِ

وما الشخصُ بالثوبِ الذي يرتديهِ

ولكنْ بأفعالٍ تطيبُ بآثارِ

فإن ذكرتني في المجالسِ ساعةً

فقولي : وفى ، لم يحنِ رأسًا بإعسارِ

وإن جاءَ واشٍ يحملُ الزيفَ بيننا

فلا يهدمِ البنيانَ نقلُ الأخبارِ

فما كلُّ قولٍ قاله القومُ صادقٌ

ولا كلُّ صمتٍ دالُّ معنى الفرارِ

أريدُ لوُدّي أن يبقى مكرَّمًا

كما يُصانُ السيفُ في كفِّ مختارِ

فلا أستحلُّ الوصلَ وهوَ مهانةٌ

ولا أقبلُ القربَ الذي فيهِ إزرارِ

لقد علمتْ نفسي بأنَّ كرامةً

أجلُّ من الدنيا وما فيها من الدارِ

وما طلبُ العاشقِ لقاءَ حبيبِهِ

بعيبٍ إذا صانَ الطريقَ عن العارِ

ولكنْ عجيبٌ من يضيِّعُ قدرَهُ

لينالَ وقتًا عابرًا من قرارِ

فإن جادَ دهرٌ بالقُربِ كنتُ مكرِّمًا

وإن منعتْ أيّامُهُ كنتُ ذا صبرِ

فعدّلتُها : فإن جادَ دهرٌ بالوصالِ فإنني

أصونُ الودادَ بعزَّةِ الأحرارِ

وإن حالتِ الأيامُ دونَ مرادِنا

بقيتُ على نهجي بغيرِ انكسارِ

أقلِّبُ أيامي ولستُ بسَاخطٍ

ففي كلِّ صعبٍ حكمةٌ لذوي الأبصارِ

وقد رأيتُ الناسَ أصنافَ معشرٍ

فمنهم وفيٌّ ، منهمُ ذو غِرارِ

فآثرتُ أهلَ الصدقِ في كلِّ موطنٍ

وهجرتُ أهلَ الزيفِ والأشرارِ

وما الحبُّ إلا عهدُ نفسٍ لنفسِها

إذا صحَّ لم يحتجْ لكثرةِ إقرارِ

وإني لأرضى بالقليلِ إذا صفا

ولا أرتضي كثرًا يشوبُهُ عارِ

فما العيشُ إلا ما أقامَ كرامةً

وما المالُ إلا زائلٌ بعدَ إدبارِ

وقد عرَّفتني الدهرُ كيفَ أحتمي

من الذلِّ بالإقدامِ والإصرارِ

أحبُّكِ لا حبَّ الذي ضاعَ رأيُهُ

فألقى بقدرِ النفسِ في كلِّ مسعارِ

ولكنْ كحبِّ الفارسِ الحرِّ دربَهُ

يمضي ويصبرُ في صعابِ الأسفارِ

فإن أقبلتْ أيامُنا فسنلتقي

وإن أدبرتْ لم ننحنِ للأقدارِ

لقد كانَ في عينيكِ سرٌّ رأيتُهُ

يريحُ فؤادي من عناءِ الأعصارِ

وما كنتُ أبغي من محاسنِ وجهِها

سوى خُلُقٍ يبقى جميلَ الآثارِ

فزينُ الفتى ما خلَّفتْهُ شمائلٌ

وغيرُ ذاكَ الزينُ وهمٌ للأنظارِ

أرى الناسَ يبغونَ المحاسنَ صورةً

وينسونَ ما في النفسِ من حسنِ أسرارِ

فلا تغرُرَنْكَ زينةُ اليومِ إنَّها

كظلٍّ على أرضٍ سريعِ انحسارِ

وخذْ من صفاءِ القلبِ زادًا فإنَّهُ

أبقى رفيقًا في طويلِ المسارِ

وإن قالَ لي عاذلٌ : اتركْ هواها

أجبتُ : هوى الأحرارِ ليسَ بانكسارِ

فما كلُّ من صانَ المودةَ خاسرٌ

ولا كلُّ من باعَ العهودَ بذي فخارِ

وقد علمتْ أني إذا قلتُ كلمةً

حفظتُ معانيها إلى آخرِ الدارِ

أرتِّبُ في صدري مكارمَ همَّةٍ

وأجعلُها زادي بوجهِ المخاطرِ

فإن ضاقَ بابُ الوصلِ لم يضقِ لنا

فضاءُ القلوبِ الحرةِ الأطهارِ

وما البعدُ إلا اختبارُ صفائنا

يُمَيِّزُ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالإِضْمَارِ

فكم من قريبٍ لا يساوي وجودُهُ

وكم من بعيدٍ في الضلوعِ لهُ دارِ

سأبقى على عهدي وإن طالَ مدَّتي

فإنَّ الوفاءَ شيمةُ الأخيارِ

وما كنتُ أرجو في المودةِ مغنمًا

سوى طيبِ ذكرٍ خالدٍ في الأعصارِ

فإن جاءني منها سرورٌ فنِعمةٌ

وإن ذهبتْ فاللهُ ربُّ الأقدارِ

أحبُّكِ حبًّا لا تغيِّرُ عهدَهُ

رياحُ الليالي أو صروفُ المدارِ

كحبِّ الجبالِ الراسياتِ لأرضِها

تقاومُ ضربَ الريحِ والإعصارِ

وإن سألتني النفسُ عن غايةِ المنى

قلتُ : سلامُ القلبِ بعدَ انتصارِ

فلا الملكُ يغويني ولا المالُ غايتي

ولا زينةُ الدنيا تغيِّرُ أفكاري

أرى كلَّ ما يبقى من المرءِ خلقَهُ

وغيرُ الخُلُقِ يمضي معَ الأعمارِ

وقد صحبتْ روحي هواها مكرَّمًا

فلم أجعلِ التقديرَ سوقَ تجارِ

إذا مرَّ طيفٌ من خيالِ حبيبةٍ

أقامَ بقلبي موضعَ النورِ والنارِ

وما كلُّ من يشكو الغرامَ محبُّهُ

فمنهم صريحُ الودِّ ، منهم ذو أسرارِ

أحبُّ بصمتٍ لا يضيِّعُ هيبةً

فبعضُ حديثِ القلبِ أسمى من جهارِ

وأعرفُ أنَّ الودَّ زرعٌ نسقيهِ

بصدقِ النفوسِ لا بكثرةِ إقرارِ

فإن أدبرتْ دنيا المحبةِ مرَّةً

بقيتْ لنا ذكرى جميلةُ الآثارِ

وإن أقبلتْ فالحمدُ للهِ إنَّها

مقامٌ لقلبٍ صانَ عهدَ الكبارِ

سأمضي وفي صدري بقايا مودةٍ

كباقي ضياءٍ في ظلامِ المغارِ

وإن ذكرتني الريحُ في بعضِ موقفٍ

فقولي : مضى ، والوفاءُ لَهُ مَنَارِ

مضى رجلٌ لم يجعلِ الحبَّ مذلةً

ولم يشترِ الرضوانَ بالذلِّ والعارِ

تعلَّمَ أنَّ العشقَ خُلُقٌ وهمَّةٌ

وأنَّ كريمَ القومِ يعلو على العارِ

فإن سألَ التاريخُ عن قصةِ الهوى

فقُلْ : هاهنا قلبٌ وفى باختيارِ

وليسَ جمالُ الحبِّ في كثرةِ اللقا

ولكنْ ببقيا العهدِ بينَ الأخيارِ

فذاكَ هو الحبُّ الذي أبتغيهِ لي

نقيًّا من الأطماعِ والأوزارِ

يبيتُ بقلبي لا يمسُّ جلالَهُ

سوى نورِ صدقٍ في خفايا الأسحارِ

وإن غابَ من أهوى فذكرُهُ حاضرٌ

كنجمٍ على ليلِ الفلاةِ لهُ منارِ

فهذا ختامُ القولِ في الحبِّ إنَّهُ

كَرِيمٌ إِذَا مَا صَانَهُ الحُرُّ بَعْدَ مَزَارِ

نبذة عن القصيدة

المساهمات


صائغ القوافي

السعودية

@alsuwagh

856

قصيدة

266

متابعين

صائغ القوافي الشاعر فهد بن عبدالله بن فهد بن خالد الصويغ الأنصاري ، شاعر سعودي معاصر من جدة، تعود جذوره إلى المدينة المنورة ينتمي إلى الخزرج. لُقّب بـ صائغ القوافي لجلالة نظمه ورصانة ألفاظه وسلاسة سبكه، وينظم الشعر بجميع بحوره حتى صار عنوانًا للجزالة والدقة. يُعد من أبرز الأصوات الشعرية العربية الحديثة، جامعًا بين الفصيح والتفعيلة، ومتألقًا في الغزل العذري والوجد والوطني والمديح النبوي. أصدر 24 ديوانًا، نالت حضورًا نقديًا وثقافيًا لافتًا وأصبحت له مكانة مرموقة في الساحة الأدبية

المزيد عن صائغ القوافي

أضف شرح او معلومة