الديوان » العصر المملوكي » البوصيري »

أزمعوا البين وشدوا الركابا

أزمَعوا البَيْنَ وَشَدُّوا الرِّكابا

فاطلب الصبرَ وخَلِّ العِتابا

ودنا التَّوديع مَمَّنْ وَدِدْنا

أَنَّهم داموا لدينا غِضابا

فاقْرِ ضَيْفَ البَيْنِ دمعاً مُذالاً

يا أخا الوَجْدِ وقلْباً مُذابا

فمَنِ اللائِمُ صَبَّاً مَشُوقاً

أنْ بَكى أَحْبَابَهُ والشَّبابا

إنما أَغْرَى بِنا الوَجْدَ أَنَّا

ما حَسبْنَا لِفِرَاقٍ حسابَا

وَعُرَيْبٌ جَعَلُوا بالمصَلَّى

كلَّ قلبٍ يومَ ساروا نِهايا

عَجَبَاً كيف رضُوا أنْ يَحلُّوا

مِنْ قلوبٍ أحرقوها قِبابا

أضْحَتِ الأرض التي جاوَرُوها

يَحْسُدُ العَنْبَرُ منها الترابا

لا تكَذِّبْ خَبَراً أنَّ سَلْمَى

سَحَبَتْ بالتُّرْبِ ذَيْلا فَطابا

وَكَسَتْهُ حُلَلَ الرَّوْضِ حتى

تَوَّجَتْ منها الرُّبَا والهِضابا

ابْتَسَمَتْ عَنْ مِثْلِ كَأْسِ الحُمَيَّا

نَظَمَ الماءُ عليها حُبابا

سُمْتُها لَثْمَ الثنايا فقالتْ

إنَّ مِنْ دُونِكَ سُبْلاً صِعابا

حَرَسَتْ عَقْرَبُ صُدْغَيَّ خَدِّي

وَحَمَتْ حَيَّةُ شَعْرِي الرُّضابا

وَيْحَ مَنْ يَطْلُبُ مِنْ وَجْنَتَيَّ ال

وردَ أوْ مِنْ شَفَتَيَّ الشَّرابا

حَقُّ مَنْ كانَ لهُ حُبُّ سَلْمَى

شُغلا أنْ يَسْتَلِذَّ العذابا

وَلِمَنْ يمدَحُ خَيْرَ البرايا

أنْ يَرَى الفقرَ عَطاءً حِسابا

وَكَفَاني باتِّباعي طَريقَاً

رَغِبَ المُخْتارُ فيها رِغابا

كلما أُوتِيتُ منها نَصيباً

قُلْتُ إني قدْ مَلَكْتُ النِّصابا

يا حَبيباً وَشَفِيعاً مُطاعاً

حَسْبُنا أنَّ إليك الإِيابا

لَمْ نَقُلْ فيكَ مقالَ النَّصارَى

إذْ أضَلُّوا في المَسيحِ الصَّوابا

إنما أنتَ نَذِيرٌ مُبينٌ

أنْزَلَ اللَّهُ عليك الكِتابا

بِلِسان عربيٍّ بَليغٍ

أفْحَمَ العُرْبَ فعَيَّتْ جوابا

يُطْمِعُ الأسماعَ فيه بياناً

وَسَنا طِبِّهِ عَلَى العَقْلِ يابا

حَوَتِ الكُتْبُ لُبَاباً وَقِشْرَاً

وَهْوَ حاوٍ مِنَ اللُّبابِ لُبابا

يَجْلِبُ الدُّرَّ إلى سامِعِيه

كَلِمٌ لم يُرَ فيه اجْتِلابا

أشْرَقَتْ أنوارُهُ فرأيْنا ال

رأسَ رَأْساً وَالذُّنابى ذُنابا

وَرَأَى الكُفَّارُ ظِلّاً فَضَلُّوا

وَيْحَهُم ظَنُّوا السَّرابَ الشَّرابا

وإذا لَمْ يَصِحَّ بالْعِلْمِ ذَوْقُ

وُجِدَ الشَّهْدُ مِنَ الجَهْلِ صابا

كيف يهدي اللَّهُ منهم عنيداً

كلما أبْصَرَ حقّاً تَغَابى

وَإِذَا جِئْتَ بآياتِ صِدْقٍ

لم تَزِدْهُم بِكَ إلَّا ارْتِيابا

أنتَ سِرُّ اللَّهِ في الخَلْقِ وَالسِّر

رُ عَلَى العُمْيِ أشَدُّ احْتِجَابا

عاقِبٌ ماحٍ مَحَا اللَّهُ عنَّا

بِكَ ما نَحْذَرُ منه العقابا

خَصَّهُ اللَّهُ بِخُلْقٍ كريمٍ

وَدَعا الفَضلَ له فاسْتجابا

وَله مِنْ قَابِ قَوْسَينِ ما شَر

رَفَ قَوْسَيْنِ بذكْرٍ وَقابا

مِنْ دُنُوٍّ وَشُهُودٍ وَسِرٍّ

بانَ عنه كلُّ وَاشٍ وَغابا

وَعلومٍ كَشَفَتْ كلَّ لبْسٍ

وَجَلَتْ عَنْ كلِّ شمسٍ ضَبابا

لَمْ يَنَلْهَا باكْتِسَابٍ وفضلُ ال

له ما لَيسَ يُنَالُ اكْتِسَابا

وَإذَا زَارَ حبيبٌ مُحِبَّاً

لا تَسَلْ عن زائرٍ كَيفَ آبا

كلُّ مَنْ تابَعه نالَ منه

نَسَبَاً مِنْ كلِّ فضْلٍ قِرابا

شَرَّفَ الأنسابَ طُوبى لأَصْلٍ

وَلِفَرْعٍ حازَ منه انتسابا

دينُه الحَقُّ فدَعْ ما سِواه

وَخُذِ المَاءَ وَخَلِّ السَّرابا

جَعَلَ الزُّهْدَ له والعطايا

والتُّقَى والبَأْسَ والبِرَّ دَابا

أَنْقَذَ الهَلْكَى ورَبَّى اليَتَامى

وفَدَى الأسْرَى وفَكَّ الرِّقابا

بَصَّر العُمْيَ فيا لَيْتَ عَيْني

مُلِئَتْ مِنْ أخْمَصَيْه تُرابا

أَسْمَعَ الصُّمَّ فَمَنْ لِي بِسَمْعِي

لو تَلَقَّى لفْظَهُ المُستطابا

ودَعا الهَيجاءَ فارْتَاحَت السُّمْ

رُ اهْتِزَازاً والسُّيُوفُ انْتِدَابا

تَطْرَبُ الخَيْلُ بِوَقْعٍ فَتَخْتَا

لُ إلى الحَربِ وتَعْدوا طِرابا

منْ عِتَاقٍ رَكِبَتْها كُماةٌ

لم يخافوا لِلْمَنُونِ ارْتِكَابا

كلُّ نَدْبٍ لوْ حَكَى غَرْبَهُ السَّيْ

فُ لَمَا اسْتصحبَ سَيْفٌ قِرَابا

قاطعَ الأهلِينَ في اللَّهِ جَهْرَا

لَمْ يَخَفْ لَوْمَاً ولم يَخْشَ عابا

لَمْ يُبالِ حينَ يَغْدُو مُصيباً

فِي الوغَى أو حين يَغْدُو مُصابا

مِنْ حُمَاةٍ نَصَروا الدِّينَ حتى

أَصْبَحَ الإِسلامُ أَحْمَى جَنابا

رَفَعُوا الإِسلامَ مِنْ فوقِ خَيْلٍ

أَرْكَبَتْ كلَّ عُقابٍ عُقابا

خَضَبُوا البيضَ مِنَ الهام حُمْراً

ما تزالُ البِيضُ تَهْوَى الخِضابا

لَمْ يُرِيدُوا بِذُكُورٍ جَلَوْهَا

لِلْحُرُوبِ العُونِ إِلَّا الضِّرَابا

أرْغَمَ الهادي أُنُوفَ الأَعادي

بِرِضاهم وأَذَلَّ الرِّقابا

فأَطاعته الملوكُ اضطِراراً

وأَجابَتْهُ الحُصونُ اضطرابا

وصناديدُ قُرَيْش سَقاها

حَتْفَها سَقْيَ اللِّقاحِ السِّقايا

حَلَبُوا شَطْرَيْهِ فِي الجودِ والبَأْ

سِ فأَحْلَى وأَمَرَّ الحِلابا

وجَدُوا أَخلافَ أخْلاقِهِ فِي ال

خصبِ والجَدْبِ تَعَافُ الخِصابا

دَرُّهَا أطيبُ دَرٍّ فإنْ أمْ

كَنَكَ الحَلْبُ فَرَاعِ العِطابا

جَيَّشَ الجَيْشَ وسَرَّى السَّرايَا

ودَعا الخَيْلَ عِتَاقاً عِرابا

وهوَ المَنْصُورُ بالرُّعْبِ لو شا

ءَ لأَغْنَى الرُّعبُ عنها ونَابا

لو تَرَى الأَحزَابَ طاروا فِراراً

خِلْتَهُمْ بينَ يديهِ ذبابا

أوَ لَمْ تَعْجَب له وهْوَ بَحْرٌ

كيف يَسْتَسْقِي نَدَاهُ السَّحابا

كانتِ الأرضُ مَواتاً فأحْيا

بالْحَيا منها المواتَ انسكابا

نَزَعَتْ عنها مِنَ المَحْلِ ثَوْباً

وكَسَتْها مِنْ رِياضٍ ثِيابا

سَيِّدٌ كيفَ تأَمَّلْتَ معنا

هُ رَأتْ عَيْنَاكَ أمراً عُجابا

مَنْ يَزُرْهُ مُثقَلاً بالخَطايا

عادَ مَغْفُورَ الخطايا مُثابا

ذِكْرُه في الناسِ ذِكْرٌ جَميلٌ

قالَ لِلْكَوْنَيْنِ طيبا فطابا

وسِعَ العَالَم عِلمَاً وجُودا

فدعا كُلّا وأَرْضَى خِطابا

فَتَحَلَّتْ منه قَوْمٌ عُقُوداً

وتَحَلَّتْ منه قومٌ سِخابا

ليتَني كنتُ فيمن رآهُ

أَتَّقِي عنه الأذى والسِّبابا

يومَ نالَتْهُ بإفْكٍ يَهودٌ

مِثْلَمَا اسْتَنْبَحَ بَدْرٌ كِلابا

فادْعُني حَسَّانَ مَدْحٍ وزِدْني

إنّني أَحْسَنْتُ منه المنابا

يا رسولَ اللَّهِ عُذْرَاً إذَا هِبْ

تُ مَقَامَاً حَقُّه أنْ يُهابا

إنني قُمْتُ خطيباً بِمَدْحِي

كَ ومَنْ يَمْلِكُ منه الخطابا

وتَرَامَيْتُ به في بِحَارٍ

مُكْثرا أمواجَها والعُبابا

بِقَوافٍ شُرِعَتْ للأعادِي

وجَدُوها في نفوسٍ حِرَابا

هِيَ أَمْضَى مِنْ ظُبَى البِيضِ حَدَّاً

فِي أعادِيكَ وأنْكَى ذُبابا

فارْضَهُ جُهْدَ مُحِبٍّ مُقلٍّ

صَانَه حُبُّكَ مِنْ أَنْ يُعابا

شابَ في الإسلامِ لكن له في

كَ فؤادٌ حُبُّه لنْ يُشابا

يَتَهَنّى بالأمانيّ إِن

نَهُ قبلَ مماتٍ أَنابا

كلما أَوْسَعَهُ الشَّيْبُ وَعْظا

ضَيَّقَ الخوفُ عليه الرِّحابا

ضَيَّعَ الحَزْمَ وفيه شباب

وأتى مُعْتَذِراً حِينَ شابا

وغدا مِنْ سُوءِ ما قد جَنَاه

نادِماً يَقْرَعُ سِنَّاً وَنابا

أفلا أرجو لذَنْبِي شَفِيعاً

ما رَجَاهُ قَطُّ راجٍ فخابا

أحمدُ الهادي الّذي كلّما جِئ

تُ إليه مُسْتَثيباً أثابا

فاعذِروا في حُبِّ خيرِ البرايا

إنْ غَبطْنا أَو حَسَدْنا الصِّحابا

إنْ بدا شمساً وصاروا نجوما

وطَمَى بحراً وفرُّوا ثِغابا

أَقْلَعَتْ سُحْبُ سُفنِهِمْ سِجالا

مِن علومٍ وَوَرَدنا انصِبابا

وغَدَونا بينَ وَجدٍ وفقدٍ

يَعْظُمُ البُشْرَى به وَالمُصابا

وَتَبَارَأْنَا من النَّصْبِ وَالرَّفْ

ضِ وَأَوْجَبْنَا لكلٍّ جَنابا

إنَّ قوماً رَضِيَ اللَّهُ عنهم

ما لنا نُلقَى عليهم غِضَابا

إننِي في حُبِّهم لا أُحابي

أَحداً قطُّ وَمنْ ذَا يُحابَى

صلوات اللَّهِ تَتْرَى عليه

وَعليهم طيِّباتٌ عِذابا

يفتَحُ اللَّهُ علينا بها مِنْ

جُودِهِ وَالفَضْلِ باباً فبابا

ما انْتَضَى الشَّرْقُ من الصُّبْحِ سَيْفاً

وَفَرَى مِنْ جُنْحِ لَيْلٍ إهابا

معلومات عن البوصيري

البوصيري

البوصيري

محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري (608 هـ - 696 هـ / 7 مارس 1213 - 1295) شاعر صنهاجي اشتهر بمدائحه النبوية. أشهر أعماله البردية المسماة "الكواكب الدرية في..

المزيد عن البوصيري

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة البوصيري صنفها القارئ على أنها قصيدة عتاب ونوعها عموديه من بحر المديد


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس