الديوان » العصر المملوكي » البوصيري »

جاء المسيح من الإله رسولا

عدد الأبيات : 153

طباعة مفضلتي

جاءَ المَسِيحُ مِنَ الإلهِ رَسُولا

فأبَى أَقَلُّ العالَمِينَ عُقُولا

قَوْمٌ رَأَوْا بَشَرَاً كريماً فادَّعَوْا

مِنْ جَهْلِهِمْ للَّهِ فيهِ حُلولا

وَعِصَابَةٌ ما صَدَّقَتهُ وَأَكثَرَت

بالإِفكِ والبُهْتانِ فيهِ القِيلا

لَمْ يَأْتِ فيهِ مُفْرِطٌ ومُفَرِّطٌ

بالحَقِّ تَجرِيحاً وَلا تَعدِيلا

فكَأَنَّما جاءَ المَسِيحُ إليهمُ

لِيُكَذِّبُوا التَّوْراةَ والإِنْجِيلا

فاعجَب لِأُمَّتِهِ الّتي قد صَيَّرَتْ

تَنْزِيهَها لإِلهِها التَّنْكِيلا

وإِذا أرادَ اللَّهُ فِتْنَةَ مَعْشَرٍ

وَأَضَلَّهُمْ رَأَوُا القَبِيحَ جَمِيلا

هُمْ بَجَّلوهُ بِباطِلٍ فابْتَزَّهُ

أَعْداؤُهُ بالباطِلِ التَّبجِيلا

وتَقَطَّعُوا أَمْرَ العَقائِدِ بينهم

زُمَراً ألَم تَرَ عِقدَها مَحْلُولا

هَوَ آدَمٌ فِي الفَضْلِ إِلَّا أنّهُ

لَمْ يُعْطَ حالَ النَّفْخَةِ التَّكْمِيلا

أسَمِعْتُمُ أنَّ الإِلهَ لحَاجَةٍ

يَتَنَاوَلُ المَشْرُوبَ وَالمَأْكُولا

ويَنَامُ مِنْ تَعَبٍ وَيَدْعُو رَبَّهُ

ويَرُومُ مِنْ حَرِّ الهَجِيرِ مَقِيلا

ويَمَسُّهُ الألَمُ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِع

صَرْفَاً لَهُ عنهُ ولا تَحْوِيلا

يا ليتَ شِعْرِي حِينَ ماتَ بِزَعْمِهِم

من كانَ بالتَّدْبِيرِ عنه كَفِيلا

هَلْ كانَ هذا الكَوْنُ دَبَّرَ نَفْسَهُ

مِنْ بَعْدِهِ أَمْ آثَرَ التَّعْطِيلا

اجْزُوا اليَهُودَ بِصَلْبِهِ خَيْراً ولا

تُخْزُوا يَهُوذَا الآخِذَ البِرْطِيلا

زَعَمُوا الإلهَ فَدَى العَبيدَ بِنَفْسهِ

وأراهُ كانُ القاتِلَ المَقْتُولا

أيَكونُ قَوْمٌ في الجَحِيمِ ويَصْطَفِي

منهم كَلِيماً رَبُّنا وخَلِيلا

وإذا فَرَضْتُمْ أنَّ عيسى ربّكُمْ

أفَلَمْ يَكُنْ لِفِدَائِكُمْ مَبْذُولا

وأُجِلُّ رُوحاً قامَتِ المَوْتَى بهِ

عَنْ أَنْ يُرَى بِيَدِ اليَهودِ قَتِيلا

فَدَعُوا حديثَ الصَّلْبِ عَنْهُ ودُونكُمْ

مِن كُتبِكُم ما وافَقَ التَّنْزِيلا

شَهِدَ الزَّبُورُ بِحِفْظِهِ ونَجاتِهِ

أَفَتَجْعَلُونَ دَلِيلَهُ مَدْخُولا

أَيَكُونُ مَنْ حَفِظَ الإلهُ مُضَيَّعاً

أَوْ مَنْ أُشِيدَ بِنَصْرِهِ مَخْذُولا

أَيَجُوزُ قَوْلُ مَنَزِّهٍ لإِلههِ

سبحانَ قاتِلِ نَفْسِهِ فأَقُولا

أَو جَلَّ مَنْ جَعَلَ اليَهُودُ بِزَعمِكُمْ

شَوْكَ القَتادِ لِرَأْسِهِ إكلِيلا

ومَضَى بِحَمْلِ صَلِيبِهِ مُستَسلِماً

لِلموتِ مَكتُوفَ اليَدَينِ ذَلِيلا

كَم ذا أُبَكِّتُكُم وَلَمْ تَستَنكِفُوا

أنْ تَسْمَعُوا التَّبْكِيتَ والتَّخجِيلا

ضَلَّ النَّصارَى في المَسِيحِ وَأَقْسَمُوا

لا يَهْتَدُونَ إلَى الرَّشادِ سَبِيلا

جَعَلُوا الثَّلاثَةَ واحِداً وَلوِ اهتَدَوا

لَمْ يَجْعَلوا العَدَدَ الكَثيرَ قليلا

عَبَدُوا إلهاً مِنْ إلهٍ كائِناً

ذَا صُورَةٍ ضَلّوا بها وهَيُولَى

ضَلَّ النَّصارَى واليَهُودُ فلا تَكُنْ

بِهِم عَلَى سُبُلِ الهُدَى مَدلُولا

والمُدَّعُو التَّثلِيث قَوْمٌ سَوَّغُوا

ما خالف المنقولَ والمَعْقُولا

والعابِدُونَ العِجْلَ قد فُتِنُوا به

ودُّوا اتِّخاذَ المُرْسَلِينَ عُجُولا

فإذا أتَتْ بُشْرَى إليهِم كَذَّبُوا

بِهَوَى النُّفُوسِ وقُتِّلُوا تَقْتِيلا

وَكَفَى اليهودَ بأنهم قد مَثَّلُوا

مَعْبُودَهمْ بِعِبادِهِ تَمثيلا

وبأَنَّ إسرائيلَ صارعَ رَبَّهُ

ورَمَى به شُكْراً لإِسْرائيلا

وبأنَّهم رحَلُوا به في قُبَّةٍ

إذْ أَزْمَعُوا نَحْوَ الشآمِ رَحِيلا

وبِأنَّهمْ سَمِعُوا كلامَ إلهِهِمْ

وسَبِيلُهُم أنْ يَسْمَعُوا المَنْقُولا

وبِأنَّهمْ ضَرَبُوا لِيَسْمَعَ ربُّهُمْ

في الحَربِ بُوقاتٍ لَهُ وَطُبُولا

وبأَنَّ رَبَّ العالَمِينَ بَدا لَهُ

في خَلْقِ آدَمَ يَا لَهُ تَجْهِيلا

وبَدا لَهُ في قَوْمِ نوح وانثَنَى

أسَفاً يَعُضُّ بَنَانَهُ مَذْهُولا

وبِأَنَّ إبراهيمَ حاولَ أَكْلَهُ

خُبْزَاً وَرامَ لِرِجلِهِ تَغْسِيلا

وبأَنَّ أموالَ الطَّوائِفِ حُلِّلَتْ

لهُمُ رباً وخيانَةً وَغُلولا

وبِأنَّهم لَم يَخْرُجُوا مِنْ أَرضِهِم

فكأنّهم حسِبُوا الخُروجَ دُخُولا

وحَدِيثُهُم في الأَنبِياءِ فلا تَسَل

عنه وخَلِّ غِطاءهُ مَسْدُولا

لَم يَنتَهُوا عَن قَذفِ دَاوُودَ وَلا

لوطٍ فكيفَ بِقذْفِهِمْ رُوبِيلا

وَعَزَوْا إلَى يَعقُوبَ مِن أَولادِهِ

ذِكْراً مِنَ الفِعْلِ القَبِيحِ مَهولا

وَإلى المَسِيحِ وَأُمِّهِ وَكَفَى بها

صِدِّيقَةً حَمَلَتْ به وَبَتُولا

وَلِمَنْ تَعَلَّقَ بالصَّلِيبِ بِزَعمِهِم

لَعْناً يَعُودُ عليهمُ مكفولا

وَجَنَوْا عَلَى هارونَ بالعِجْلِ الّذي

نَسَبُوا لَهُ تَصْوِيرَهُ تَضْلِيلا

وَبأنَّ موسى صَوَّرَ الصُّوَرَ التي

ما حَلَّ منها نَهْيُهُ مَعْقُولا

ورَضُوا لهُ غَضَبَ الإِلهِ فلا عَدا

غَضَبُ الإلهِ عَدُوَّهُ الضِّلِّيلا

وبأنَّ سِحْراً ما اسْتطاعَ لآيَةٍ

منه وَلا اسطاعَتْ لهُ تَبْطِيلا

وبأنَّ ما أبْدَى لهُمْ مِنْ آيَةٍ

أبْدَوا إلَيهِ مْلَها تَخييلا

إِلَّا البَعُوضَ ولا يَزالُ مُعانِداً

لإِلهِهِ بِبَعُوضَةٍ مَخْذُولا

ورَضُوا لِمُوسى أنْ يقولَ فواحِشاً

خَتَمَتْ وَصِيَّتُهُ لهنَّ فصُولا

نَقَلوا فَواحِشَ عَن كليمِ اللَّهِ لَم

يَكُ مِثلُها عَنْ مِثلِهِ مَنُقُولا

وأَظُنُّهُمْ قد خالفوه فعجَّلتْ

لهُمُ العُقوبة بالخنا تعْجِيلا

وَشَكَتْ رِجالُهُمُ مَصادِرَ ذَيْلِها

ونِساؤُهُمْ غيرَ البُعُولِ بُعولا

لُعِنَ الَّذينَ رَأوْا سَبِيلَ مُحَمَّدٍ

وَالمُؤْمِنِينَ بِهِ أضَلَّ سَبِيلا

أَبْناءُ حَيَّاتٍ ألَم تَرَ أنّهم

يَجِدُونَ دِريَاقَ السُّمومِ قَتولا

مُذْ فارَقوا العِجْلَ الّذي فُتِنُوا به

وَدُّوا اتِّخاذَ الأنبياءِ عُجُولا

فإِذا أتَى بَشَرٌ إليهم كَذَّبُوا

بِهَوَى النُّفُوسِ وقُتِّلُوا تَقْتِيلا

أَخلَوا كِتابَ اللَّهِ مِن أَحكَامِهِ

عَدواً وَكانَ العامِرَ المَأهُولا

جَعلوا الحَرامَ بهِ حَلالاً وَالهُدَى

غَيّاً وَمَوْصولَ التُّقَى مَفْصُولا

وَدَعَاهُم ما ضَيَّعُوا مِنْ فَضْلِهِ

أنْ يَمْلَؤُوهُ مِنَ الكلامِ فُضُولا

كَتَمُوا العِبَادَةَ والمعادَ وَما رَعَوْا

لِلحَقِّ تَعجِيلاً وَلا تَأجِيلا

عَجَباً لَهُم وَالسَّبتُ بَيعٌ عِندَهُم

لَم يَلقَ منهُ المُشتَرُون مَقِيلا

هَلَّا عَصَوا في السَّبتِ يُوشَعَ إذ غَدا

يَدْعُو جُنُوداً للوَغَى وخُيُولا

أَو خالَفُوا هارُونَ في ذبحٍ وَفي

عَجْنٍ به لَمْ يُبْدِ عنهُ نُكُولا

أو أَلْحَقُوا بهما المَسِيحَ وَسَوَّغُوا ال

تَحْرِيمَ في الحالَيْنِ والتَّحْلِيلا

أو أثبَتُوا النَّسخَ الَّذي في كُتبِهم

قد نُصَّ عنْ شَعْيا وعَنْ يُوئِيلا

أوَ لَمْ يَرَوْا حُكْمَ العَتِيقَةْ ناسِخاً

أحكامَ كُتْبِ المُرْسَلِينَ الأُولى

أفَيَأنَفُ الكُفَّارُ أنْ يَستَدرِكُوا

قَوْلاً عَلَى خيرِ الوَرَى مَنحُولا

لا دَرَّ دَرُّهُمُ فإنَّ كلامَهم

يذَرُ الثَّرَى مِنْ أَدْمُعِي مَبْلولا

فكأنَّني ألفَيْتُ مُقْلَةَ فاقِدٍ

ثَكْلَى ومُوجَعَةٍ تُصِيبُ عَوِيلا

ظَنُّوا بربِّهِمُ الظُّنُونَ ورُسْلِهِ

وَرَمَوْا إناثاً بالأَذَى وَفُحُولا

إن يَبخسُوهُ بِكَيْلِ زُورٍ حَقَّهُ

فَلأُوسِعَنَّهُمُ الجزاءَ مَكِيلا

وَمِنَ الغَبِينَةِ أنْ يُجازي إفْكَهُم

صِدْقِي ولَسْنا في الكَلامِ شُكُولا

لَو يَصْدُقُونَ لَمَا أتَت رُسُلٌ لهُمْ

أتَرَى الطَّبِيبَ غَدَا يَزورُ عَلِيلا

إنْ أنكَرُوا فضلَ النبيِّ فإنّما

أرخَوا عَلَى ضَوءِ النَّهارِ سُدُولا

اللَّه أَكبَرُ إنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ

وكتَابَهُ أَقْوَى وَأَقْوَمُ قِيلا

طَلَعَت بهِ شمسُ الهِدَايَةِ لِلوَرَى

وَأبى لَها وصْفُ الكمالِ أُفُولا

والحَقُّ أَبْلَجُ في شريعَتِهِ الّتي

جَمَعَتْ فروعاً لِلْوَرَى وأُصُولا

لا تَذْكُروا الكتبَ السَّوالِفَ عندَهُ

طَلَعَ النَّهارُ فأَطْفِئُوا القِنْدِيلا

دَرَسَت معالِمُها ألا فاستَخبِرُوا

منها رُسوماً قد عَفَتْ وطُلُولا

تُخبِركُمُ التَّوراةُ أنْ قد بَشَّرَتْ

قِدْماً بأَحْمَدَ أَمْ بإسْماعِيلا

وَدَعَتهُ وَحشَ النَّاسِ كلُّ نَدِيَّةٍ

وَعَلَى الجَمِيعِ لَهُ الأَيادِي الطُّولَى

تَجِدُوا الصحيحَ مِنَ السَّقِيمِ فطالما

صَدَقَ الحَبِيبُ هَوَى المحِبِّ نُحولا

مَنْ مِثْلُ موسَى قد أُقِيمَ لأَهْلِهِ

مِنْ بَيْنَ إخْوَتِهِمْ سِواهُ رَسولا

أَو أنَّ إخْوَتَهمْ بنو العِيصِ الّذي

نُقِلَتْ بَكارَتُهُ لإِسْرائيلا

تَاللَّهِ ما كانَ المُرادُ به فَتَى

موسَى ولا عِيسَى وَلا شَمْوِيلا

إذْ لَنْ يَقُومَ لَهُمْ نَبِيٌّ مِثْلُهُ

منهم ولو كانَ النَّبِيُّ مَثيلا

طوبى لِمُوسى حينَ بَشَّرَ باسمِهِ

ولِسامِعٍ مِنْ فَضْلِهِ ما قيلا

وَجِبالُ فارانَ الرَّواسِي إنّها

نالت عَلَى الدُّنيا به التَّفضيلا

واستَخبِرُوا الإِنْجِيلَ عنه وحاذِرُوا

مِنْ لَفْظِهِ التَّحْرِيفَ والتَّبْدِيلا

إنْ يَدْعُهُ الإِنْجِيلُ فارِقْلِيطَهُ

فلَقَدْ دَعاهُ قبلَ ذلكَ إيلا

ودَعاهُ رُوحَ الحَقِّ لِلوَحيِ الّذي

يُتْلَى عَليه بُكْرَةً وَأَصِيلا

وأراهُ لا بِتَكلُّمٍ إِلَّا إذا

أرفَعتُ عنكم للإِلهِ مَقُولا

إنْ أنْطَلقْ عنكم يَكُنْ خيرٌ لكم

لِيَجِيئَكُمْ مَنْ تَرْتَضُوهُ بَدِيلا

يَأتِي على اسْمِ اللَّهِ منه مُبارَكٌ

ما كانَ مَوْعِدُ بَعْثِهِ مَمْطُولا

يَتْلُو كِتَابَ البَيِّنَاتِ كِتابُهُ

ويَرُدُّ أَمْثالِي به التَّأوِيلا

وَيُفَنِّدُ العُلَماءَ تَوْبِيخاً لَهُم

وكَفَاهُمُ بِخَطِيئَةٍ تَخْجِيلا

ويُزِيحُ مُلْكَ اللَّهِ منكم عَنوَةً

لِيُبيحَهُ أهلَ التُّقَى ويُنيلا

وكما شَهِدْتُ لهُ سَيَشهَدُ لِي إذا

صار العليمُ بما أتَيْتُ جَهُولا

يُبْدِي الحوادِثَ والغُيُوبَ حَدِيثُهُ

وَيسوسُكُمْ بالحَقِّ جِيلاً جِيلا

هُوَ صَخْرَةٌ ما زُوحِمَتْ صَدَمَتْ فلا

تَبْغُوا لها إلَّا النُّجُومَ وُعُولا

والآخِرونَ الأَوَّلونَ فَقَوْمُهُ

أَخَذُوا عَلَى العَمَلِ القَلِيلِ جَزِيلا

والمُنْحَمنَّا لا تَشْكُّوا إنْ أتَى

لَكُمُ فليسَ مَجِيئُهُ مَجْهُولا

وَهُوَ المُوَكَّلُ آخِراً بالكَرمِ لا

يَخْتَارُ مالِكُهُ عليه وكيلا

وَهوَ الَّذي مِن بعدِ يَحيَى جاءهم

إذْ كانَ يَحيَى لِلْمَسِيحِ رَسيلا

وَسَلُوا الزَّبورَ فإنَّ فيه الآن مِن

فصْلِ الخطابِ أوامِراً وفصولا

فهوَ الَّذي نَعَتَ الزَّبورُ مُقَلَّداً

ذا شَفْرَتَيْنِ مِنَ السُّيوفِ صَقِيلا

قُرِنَت بِهَيبَتِهِ شَريعَةُ دِينِهِ

فَأَراكَ أَخْذَ الكافِرِينَ وبِيلا

فاضَت عَلَى شَفَتَيْهِ رَحْمَةُ رَبِّهِ

فاستَشْفِ مِنْ تِلْكَ الشِّفاه عَلِيلا

وَلِغالِبٍ مِنْ حَمْدِهِ وَبَهَائِهِ

مَلأَ الأَعادِي ذِلَّةً وخُمولا

فِي أُمَّةٍ خُصَّتْ بِكلِّ كَرَامَةٍ

وتَفَيَّأَتْ ظِلَّ الصَّلاحِ ظَلِيلا

وَعَلَى مَضاجِعهِم وكلِّ ثَنِيَّةٍ

كلٌّ يُسِرُّ وَيُعلِنُ التَّهْلِيلا

رُهْبانُ لَيْلٍ أُسْدُ حَرْبٍ لم تَلِج

إِلَّا القَنا يَوْمَ الكَرِيهَةِ غِيلا

كم غادَروا الملك الجليلَ مُقَيَّداً

والقَرْمَ مِنْ أشْرَافِهِمْ مَغْلُولا

فاللَّهُ مُنتَقِمٌ بِهِم مِن كُلِّ مَنْ

يَبْغِي عَلَى الحَقِّ المُبينِ عُدُولا

أَعَجِبْتَ مِنْ مَلكٍ رَأَيْتَ مُقَيَّداً

وَشرِيفِ قَوْمٍ عِنْدَهمْ مَغْلولا

خَضَعَتْ مُلوكُ الأرضِ طائِعَةً لَهُ

وغَدا به قرْبانُهُمْ مَقْبُولا

ما زَالَ لِلمُستَضعَفِينَ مُؤَازِراً

وَأُلي الصَّلاحِ وَلِلعُفاةِ بَذُولا

لمْ يَدْعُهُ ذُو فاقَةٍ وضَرُورَةٍ

إِلَّا ونالَ بِجُودِهِ المَأْمُولا

ذاكَ الَّذِي لم يَدعُهُ ذُو فاقَةٍ

إِلَّا وكانَ لهُ الزَّمانُ مُنِيلا

تَبْقَى الصَّلاةُ عليهِ دائمَةً فَخُذ

وَصْفَ النبيِّ مِنَ الزُّبُورِ مَقُولا

وَكِتابُ شَعْيا مُخْبِرٌ عَنْ رَبِّهِ

فاسْمَعْهُ يُفْرِحُ قَلْبَكَ المَتْبُولا

عَبْدِي الَّذي سُرَّتْ به نَفسِي وَمَن

وَحْيِي عليه مُنزَّلٌ تَنزِيلا

لَمْ أُعْطِ ما أَعْطَيْتُهُ أَحَداً مِنَ ال

فَضْلِ العظيمِ وحَسْبُهُ تَخْوِيلا

يَأتِي فَيُظهِرُ في الوَرَى عَدْلِي وَلم

يَكُ بالهَوَى في حُكْمِهِ لِيَمِيلا

إنْ غَضَّ مِنْ بَصَرٍ وَمِنْ صَوْتٍ فما

غَضَّ التُّقَى والفَضلُ مِنهُ كلِيلا

فَتَحَ العُيُونَ العُورَ لكنَّ العِدا

عَنْ فضلِهِ صَرَفُوا العُيُونَ الحُولا

أَحيا القلوبَ الغُلفَ أَسمَعَ كلَّ ذِي

صَمَمٍ وَكَمْ داءٍ أزالَ دَخِيلا

يُوصِي إلى الأُمَمِ الوصايا مِثْلَمَا

يُوصِي الأَبُ البَرُّ الرَّحِيمُ سَلِيلا

لا تُضْحِكُ الدُّنيا لهُ سِنّاً وَما

لَمْ يُؤْتَ منها عَدَّهُ تَنوِيلا

منْ غيرُ أحمدَ جاءَ يَحْمَدُ رَبَّهُ

حَمْداً جَدِيداً بالمزِيدِ كَفِيلا

وَكِتابُهُ ما ليسَ يُطْفَأُ نُورُهُ

والحَقُّ مُنْقَادٌ إليه ذَلولا

خَصَمَ العِبادَ بِحُجَّةِ اللَّهِ الَّتي

أمْسَى بها عُذْرُ الوَرَى مَتْبُولا

فَرِحَتْ بهِ البَرِّيَّةُ القُصْوَى وَمَنْ

فيها وفاضَلَتِ الوُعُورُ سُهولا

فَزَهَت وَنالَت حُسنَ لُبنانَ الَّذي

لَولا كَرامَةُ أَحمَدٍ ما نِيلا

مُلِئت مَساكِنُ آلِ قَيْدارٍ به

عِزّاً وطابَتْ مَنْزِلاً ونَزِيلا

جَعَلُوا الكَرامَةَ لِلإِلهِ فَأُكرِمُوا

فاللَّه يَجْزِي بالجَمِيلِ جَمِيلا

وَلِبَيتِهِ الحَرَمِ الحرامِ طَرِيقُهُ

يَتْلُو رَعِيلَ المخلِصِينَ رَعِيلا

لا تَخطُرُ الأَرجاسُ فيهِ وَلا يُرَى

لِخُطاهُمُ في أَرْضِهِ تَنقِيلا

كَتِفاهُ بينهما علامَةُ مُلكِهِ

للَّهِ مُلكٌ لا يَزالُ أثيلا

مَن كانَ مِن حِزبِ الإلهِ فَلَم يَزَل

منه بِحُسْنِ عِنايَةٍ مَشْمُولا

هُوَ راكِبُ الجَمَل الَّذي سَقَطَتْ بهِ

أصْنامُ بابِلَ قد أتاكَ دَلِيلا

وَالغَرْسُ في البَدْوِ المُشار لِفَضْلِهِ

إنْ كُنْتَ تَجْهلُهُ فَسَلْ حِزْقِيلا

غُرِسَتْ بأَرْضِ البَدْوِ منه دَوْحَةٌ

لَمْ تَخْشَ مِنْ عَطَشِ الفَلاةِ ذُبُولا

فَأَتَتْكَ فاضِلَةَ الغُصُونِ وأَخرَجَت

ناراً لِمَا غَرَسَ اليَهُودُ أَكُولا

ذَهَبَتْ بِكَرْمَةِ قَوْمِ سَوءٍ ذُلِّلَتْ

بِيَدِ الغُرورِ قُطُوفُها تَذلِيلا

وَسَلو المَلائِكَةَ التي قد أَيَّدَتْ

قَيْدارَ تُبْدِي العِلَّةَ المَعْلولا

معلومات عن البوصيري

البوصيري

البوصيري

محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري (608 هـ - 696 هـ / 7 مارس 1213 - 1295) شاعر صنهاجي اشتهر بمدائحه النبوية. أشهر أعماله البردية المسماة "الكواكب الدرية في..

المزيد عن البوصيري