الديوان » العصر المملوكي » ابن نباته المصري »

قضى وما قضيت منكم لبانات

عدد الأبيات : 108

طباعة مفضلتي

قضى وما قُضِيَتْ منكم لباناتُ

متيَّمٌ عبثتْ فيهِ الصبابات

ما فاضَ من جفنهِ يومَ الرحيل دمٌ

إلاَّ وفي قلبهِ منكم جراحات

غبتمْ فغابتْ مسرَّاتُ القلوبِ فلا

أنتم بزعمي ولا تلك المسرَّات

أحبابنا كلّ عضوٍ في محبَّتكِم

كليمُ وجدٍ فهل للوصلِ ميقات

يا حبَّذا في الصَّبا عن حيّكم خبرٌ

وفي بروقِ الغضَا منكم إشارات

وحبَّذا زمنُ اللهوِ الذي انْقرضت

أوقاته الغرّ والأعمالُ نيَّات

حيثُ المنازلُ روضاةٌ مدبجَةٌ

وحيثُ جاراتها غيثٌ سحابات

أيام ما شعرَ البينُ المشتّ بنا

ولا خلت من مغاني الأنس أبيات

حيثُ الشبابُ قضاياهُ منفَّذةٌ

وحيثُ لي في الذي أهوى وِلايات

وحيثُ أسعَى لأوطان الصبى مرحاً

ولي على حكمِ أيَّامي ولايات

وربَّ حانةُ خمارٍ طرقتُ ولا

حانت ولا طرقت للقصفِ حانات

سبقت قاصِد مغناها وكنت فتىً

إلى المدامِ له بالسبقِ عادات

أعشو إلى ديرِها الأقصى وقد لمعت

تحت الدجى فكأنَّ الدَّير مشكاة

وأكشف الحجبَ عنها وهي صافيةٌ

لم يبقَ في دنها إلاَّ صُبابات

راحٌ زحفت على جيشِ الهموم بها

حتَّى كأنَّ سنا الأكوابِ رايات

وبتُّ أجلو على الندمانِ رونقها

حتَّى لقد أصبحوا من قبلِ ما باتوا

مصونة السرّ ماتتْ دونَ غايتها

حاجاتُ قومٍ وللحاجاتِ أوقات

تجولُ حولَ أوانيها أشعَّتها

كأنَّما هي للكاسات كاسات

وتصبح الشرب صرعى دونَ مجلسِها

وهي الحياةُ كأنَّ الشربَ أموات

تذكرت عند قومٍ دوْس أرجلهم

فاسْترجعت من رؤوس القوم ثارات

واسْتضحكت فلها في كلّ ناحيةٍ

هبات حسنٍ وفي الآناف هبات

كأنَّها في أكفِّ الطائفين بها

نارٌ تطوف بها في الأرضِ جنَّات

من كلّ أغيدَ في دينارِ وجنته

توزَّعت من قلوب الناسِ حبَّات

مبلبل الصدغ طوع الوصل منعطف

كأنَّ أصداغه للعطفِ واوات

ترنَّحت وهي في كفَّيه من طربٍ

حتى لقد رقصت تلك الزجاجات

وقمتُ أشربُ من فيهِ وخمرتهِ

شرباً تُشَنُّ بهِ في العقلِ غارات

وينزلُ اللثمُ خدَّيه فينشدها

هي المنازلُ لي فيها علامات

سقياً لتلك اللييلاتِ التي سلفت

فإنَّما العمرُ هاتيك اللييلات

تقاصرت عن معانيها الدهور كما

تقاصرت عن كمال الدِّين سادات

حبرٌ رأينا يقينَ الجود من يدِه

وأكثرُ الجود في الدنيا حكايات

محجب العزّ في أيَّام سؤدَدهِ

للعزّ محوٌ وللأمداحِ إثبات

سما على الخلقِ فاسْتسْقوا مواهبه

ى غروَ أن تسقيَ الأرضَ السموات

واسْتشْرف العلم مصقولاً سوالفه

بدهره وزهتْ لليمن وجنات

واسْتأنف الناسُ للأيامِ طيب ثناً

من بعد ما كثرت فيها الشكايات

لا يختشِي موتَ نعمى كفهِ بشرٌ

كأنَّ أنعمهُ للخلقِ أقوات

ولا تزحزَحُ عن فضلٍ شمائلهُ

كأنَّها لبدورِ الفضلِ هالات

يا شاكيَ الدهرِ يممهُ وقدْ غُفرتْ

من حوْلِ أبوابهِ للدَّهرِ زَلاَّت

ويا أخا الذَّنبِ قابلْ عفوه أَمَماً

أيانَ لا ملجأ أوْ لا مغارات

ولا يغرَّنك غفران فتغمره

فللعقارِ على لينٍ شرارات

ويا فتى العلم إنْ أعيتكَ مشكلةٌ

هذا حماه المرجّى والهدايات

ويا أخا السعي في علمٍ وفي كرمٍ

هذي الهدايا وهاتيك الهدايات

لا تطلبنَّ من الأيَّامِ مشبهَهُ

ففي طِلابك للأيَّامِ إعنات

ولا تُصِخْ لأحاديث الذين مضوا

ألوى العنان بما تملى الروايات

طالع فتاويهِ واسْتنزِلْ فتوَّتهُ

تلقَ الإفاداتِ تتلوها الإفادات

وحبر الوصف في فضلٍ بأيسره

تكادُ تنطقُ بالوصفِ الجمادات

فتىً تناولَ صحفَ المجدِ أجمعهَا

من قبلِ ما رقمت في الخدِّ خطّات

حامي الدِّيار بأقلامٍ مسدَّدة

تأخر الشك عنها والغوايات

حامي الذّمار بأقلامٍ لها مدَدٌ

من الهدى واسمه في الطرسِ مدَّات

قويمة تمنع الإسلام من خطرٍ

فأعجب لها ألفات وهي لامات

تعلمت بأس آساد وصوب حياً

منذ اغْتدتْ وهي للآساد غابات

وعُوِّدتْ قتل ذي زيغ وذي خطل

كأنَّها من كسير الحظِّ فضلات

وجاورَت يد ذاكَ البحر فابْتسمت

هنالك الكلماتُ الجوهرِيات

لفظٌ تشفّ عن المعنى لطافته

كما تشفّ عن الرَّاحِ الزجاجات

عوّذ بياسينَ أطراساً براحتهِ

فيها من الزخرفِ المشهودِ آيات

واسْتجلِ منطقه الأعلى وطاعته

تجلى الشكوك ولا تشكى الدّجنات

أغرٌّ يهوى مُعادَ الذكر عنه إذا

قيل المُعادات أخبارٌ معادات

تعجُّ طلاَّبه من حول ساحتهِ

فما تفهّمُ من ناديه أصوات

وفدٌ وخيلٌ وآبالٌ محبرة

مدحاً قد اختلفت فيهِ العبارات

إذا تعمَّق في نعماء ضاعفها

كأنَّ كلّ نهاياتٍ بدايات

وإن خطا للمعالي خطوةً بهرت

كأنَّ أولَ ما يخطوه غايات

لا عيبَ فيهِ سوى علياء معجزة

فيها لأهلِ العُلى قِدماً نكايات

يجرِي دمُ التبرِ للنزَّالِ بعدهمُ

هذا هو الجود لا نابٌ ولا شاة

ويجتلَى من سجاياه التي اشْتهرت

للضدِّ هلكٌ وللمعتزِّ منجاة

فلا وقايةَ تحمِي وفدَ راحته

بلى على عرضهِ الأنقى وقايات

ولا مثالَ لما شادتْ عزائمه

إلاَّ إذا نيلت الشهبُ المنيرات

في كل يومٍ دروسٌ من فوائده

ومن بوادئِ نعماه إعادات

صلَّى وراءَ أياديهِ الحياء فعلى

تلك الأيادِي من السحبِ التحيات

وصدَّ عمَّا يروم اللوم نائله

فما تفيد ولا تجدِي الملامات

يرامُ تأخيرُ جدواه وهمتهُ

تقول إيهاً فللتأخير آفات

من معشر نجب ماتوا وتحسبهم

للمكرُمات وطيب الذكر ما ماتوا

ممدّحين لهم في كلّ شارقةٍ

برٌّ وتحت سجوف الليل إخبَات

لا تشتكي الجور إلاَّ من تعاندهم

ولا تذمهمُ في المحلِ جارات

ولا تسوق رياح المزنِ أيسر ما

ساقتهُ تلك النفوس الأرْيحيَّات

بيتٌ أتمتْه أوصافُ الكمال كما

تمت بقافيةِ المنظومِ أبيات

ما روضة قلدت إحياء سوسنها

من السحابِ عقودٌ لؤلؤيات

وخطَّتِ الريحُ خطاً في مناهلها

كأن قطرَ الغوادي فيه جريات

وللجداولِ تصفيقٌ بساحتِها

والقطر روضٌ وللأطيارِ رنَّات

يوماً بأبهجَ من أخلاقهِ نظرا

أيَّام تعْيي السجيَّات السخيات

ولا الشموسُ بأجلى من فضائلِهِ

أيام تدجو الظنون اللوذعيَّات

ولا النجومُ بأنأى من مراتبه

أيَّام تقتصر الأيدِي العليات

قدرٌ علا فرأى في كلّ شمس ضحىً

جماله فكأنَّ الشمس مرآة

وهمَّةٌ ذكرها سارٍ وأنعمها

فحيثما كنت أنهارٌ وروضات

يا ابنَ المدائحِ إن أمدحْ سواك بها

فتلك فيهم عوارٍ مستردات

لي نيَّةٌ فيك إذ لي فيهمُ كلمٌ

وإنَّما لبني الأعمالِ نيَّات

الله جارك من ريبِ الزمانِ لقد

تجمَّعت للمعالي فيك أشتات

جاورت بابك فاسْتصلحت لي زمنِي

حتى صفَا وانْقضت تلك العداوات

ونطَّقتني الأيادي بالعيونِ ثنىً

فللكواكبِ كالآذانِ إنصات

وبتُّ لا أشتكِي حالاً إذا شكيت

في بابِ غيرك أحوال وحالات

إلاَّ ذوي كلمٍ لو أنَّ محتسباً

تكلمت من جميع القوم هامات

يزاحمُون بأشعارٍ ملفَّقةٍ

كأنَّها بين أهلِ الشعرِ حشوات

ويطرحون على الأبوابِ من حمقٍ

قصائِداً هي في التحقيق بابات

من كل أبلهَ لكن ما لفطنتِه

كالبُلهِ في هذه الدنيا لإصابات

يحمّ حين يعاني نظمَ قافيةٍ

عجزاً فتظهرها تلك الخرافات

ويغتدِي فكرهُ المكدودُ في حرَقٍ

وقد أحاطت بما قالَ البرودات

وقد يجيء بمعنىً بعد ذا حسنٍ

لكن على كتِفَيهِ منه كارات

أعيذُ مجدَكَ من ألفاظِهم فلها

جنىً كأنَّ معانيهم جِنايات

لا يغرهم بندىً يأتيهمُ فكفى

مدحاً بأن يتأتَّى منك إنصات

إن لم تفرِّق بفضل بين نظمهمُ

وبين نظمي فما للفضلِ لذَّات

حاشاك أن تتساوى في جنابك من

قصائدِ الشعر سوْآتٌ وجَبهات

خذْها عروساً لها في كلّ جارحةٍ

لواحظٌ وكؤسٌ بابليَّات

أوردت سؤددك الأعلى مواردَها

وللسها في بحارِ الأُفقِ عبَّات

شمَّاء يرْكعُ نظمُ الناظمين لها

كأنما ألفاتُ الخطِّ دالات

نعم الفتَى أنتَ يستصغى الكلام لهُ

حتَّى تسير لهُ في العقلِ سوْرَات

ويطرب المدحُ فيه حينَ أكتبه

كأن منتصب الأقلامِ نايات

ما بعد غيثك غيثٌ يستفادُ ولا

من بعدِ إثبات قولِي فيكَ إثبات

خصصت بالمدحِ اللاتي قد ارْتفعت

منِّي الثناء ومن نعماك آلات

فسدْ وشدْ وابقَ ما دامَ الزمانُ ففي

بقياك للدِّين والدُّنيا عنايات

حزتَ المحامِد حتَّى ما لِذي شرفٍ

من صورةِ الحمدِ لا جسمٌ ولا ذات

معلومات عن ابن نباته المصري

ابن نباته المصري

ابن نباته المصري

محمد بن محمد بن محمد بن الحسن الجذامي الفارقي المصري أبو بكر جمال الدين. شاعر عصره، وأحد الكتاب المترسلين العلماء بالأدب، أصله من ميافارقين، ومولده ووفاته في القاهرة. وهو من..

المزيد عن ابن نباته المصري

تصنيفات القصيدة