الديوان » العصر الاموي » ذو الرمة »

دنا البين من مي فردت جمالها

عدد الأبيات : 93

طباعة مفضلتي

دَنا البَينُ مِن مَيٍّ فَرُدَّت جِمالُها

فَهاجَ الهَوى تَقويضُها وَاِحتِمالُها

وَقَد كانَتِ الحَسناءُ مَيٍّ كَريمَةً

عَلَينا وَمَكروهاً إِلَينا زِيالُها

وَيَومٍ بِذي الأَرطى إِلى بَطنِ مُشرِفٍ

بِوَعسائِهِ حَيثُ اِسبَطَرَّت حِبالُها

عَرَفتُ لَها داراً فَأَبصَرَ صاحِبي

صَفيحَةَ وَجهي قَد تَغَيَّرَ حالُها

فَقُلتُ لِنَفسي مِن حَياءٍ رَدَدتُهُ

إِلَيها وَقَد بَلَّ الجُفونَ بِلالُها

أَمِن أَجلِ دارٍ صَيَّرَ البَينَ أَهلُها

أَيادي سَبا بَعدي وَطالَ اِحتِيالُها

بِوَهبينَ تَسنوها السَواري وَتَلتَقي

بِها الهوجُ شَرقِيّاتُها وَشَمالَها

إِذا صَوَّحَ الهَيفُ السَفا لَعِبَت بِهِذ

صَبا الحافَةِ اليُمنى جَنوبٌ شِمالُها

فُؤادُكَ مَبثوثٌ عَلَيهِ شُجونُهُ

وَعَينُكَ يَعصي عاذِليكَ اِنهِلالُها

تَداوَيتُ مِن مَيٍّ بِهِجرانِ أَهلِها

فَلَم يَشفِ مِن ذِكرى طَويلٍ خَبالُها

تُراجَعُ مِنها أَسوَدَ القَلبِ خَطرَةٌ

بَلاءٌ وَيَجري في العِظامِ اِمذِلالُها

لَقَد عَلِقَت مَيٌّ بِقَلبي عَلاقَةً

بَطيئاً عَلى مَرِّ الشُهورِ اِنحِلالُها

إِذا قُلتُ تَجزي الوُدَّ أَو قُلتُ يَنبَري

لَها الجودُ يَأبى بُخلُها وَاِعتِدالُها

عَلى أَنَّ مَيّاً لا أَرى كَبَلائِها

مِنَ البُخلِ ثُمَّ البُخلُ يُرجى نَوالُها

وَلَم يُنسِني مَيّاً تَراخي مَزارِها

وَصَرفُ اللَيالي مَرُّها وَاِنفِتالُها

عَلى أَنَّ أَدنى العَهدِ بَيني وَبَينَها

تَقادَمَ إِلّا أَن يَزورَ خَيالُها

بَني شُقَّةٍ أَغفوا بِأَرضٍ مُتيهَةٍ

كَأَنَّ بَني حامِ بنِ نوحٍ رِئالُها

لَدى كُلِّ نَقضٍ يَشتَكي مِن خِشاشِهِ

وَنِسعَيهِ أَو سَجراءَ حُرٍّ قَذالُها

وَأَيُّ مَزورٍ أَشعَثِ الرَأسِ هاجِعٍ

إِلى دَفِّ هَوجاءِ الوَنِيِّ عِقالُها

طَواها إِلى حَيزومِها وَاِنطَوَت لَها

جُيوبُ الفَيافي حَزنُها وَرِمالُها

دَروجٌ طَوَت آطالَها وَاِنطَوَت لَها

بَلاليقُ أَغفالٌ قَليلٌ حِلالُها

فَهذي طَواها بُعدُ هذي وَهذِهِ

طَواها لِهذي وَخدُها وَاِنسلالُها

وَقَد سَدَتِ الصُهبُ المَهارى بِأَرجُل

شَديدٍ بِرَضراضِ المِتانِ اِنتِضالُها

إِذا ما نِعاجُ الرَملِ ظَلَّت كَأَنَّها

كَواعِبُ مَقصورٌ عَلَيها حِجالُها

تَخَطَّت بِنا جَوزَ الفَلا شَدَنِيَّةٌ

كَأَنَّ الصَفا أَوراكُها وَمَحالُها

حَراجيجُ ما تَنفَكُّ تَسمو عُيونُها

كَرَشقِ المَرامي لَم تَفاوَت خِصالُها

إِلى قُنَّةٍ فَوقَ السَرابِ كَأَنَّها

كُمَيتٌ طَواها القَودُ فَاِقوَرَّ آلُها

إِذا ما حَشَوناهُنَّ جَوزَ تَنوفَةٍ

سَباريتَ يَنزو بِالقُلوبِ اِهوِلالُها

رَهاءٍ بَساطِ الظَهرِ سِيٍّ مَخوفَةٍ

عَلى رَكبِها إِقلاتُها وَضَلالُها

تَعاوى لِحَسراها الذِئابُ كَما عَوَت

مِن اللَيلِ في رَفضِ العَواشي فِصالُها

شَجَجنَ الفَلا بِالأَمِّ شَجّاً وَشَمَّرَت

يَمانِيَةٌ يُدني البَعيدَ اِنتِقالُها

طِوالُ الهَوادي وَالحَوادي كَأَنَّها

سَماحيجُ قُبٌ طارَ عَنها نُسالُها

رَعَت بِأَرضِ البُهمى جَميماً وَبُسرَةً

وَصَمعآءَ حَتّى آنَفَتها نِصالُها

بَرَهبى إِلى رَوضِ القِذافِ إِلى المِعا

إِلى واحِفٍ تَروادُها وَمَجالُها

فَلَمّا ذَوى بَقلُ التَناهي وَبَيَّنَت

مَخاضُ الأَوابي وَاِستُبيِنَت حِيالُها

تَرَدَّفنَ خَشباءَ القَرينِ وَقَد بَدا

لَهُنَّ إِلى أَهلِ السِتارِ زِيالُها

صَوافِنُ لا يَعدِلنَ بِالوِردِ غَيرَهُ

وَلكِنَّها في مَورِدَينَ عِدالُها

أَعَينُ بَني بَوٍّ غُمازَةُ مَورِدٌ

لَها حينَ تَجتابُ الدُجى أَم أُثالُها

فَلَمّا بَدا في اللَيلِ ضَوءٌ كَأَنَّهُ

وَإِيّاهُ قَوسُ المُزنِ وَلّى ظِلالُها

تَيَمَّمنَ عَيناً مِن أُثالٍ نَميرَةً

قَموساً يَمُجُّ المُنقِضاتُ اِحتِفالُها

عَلى أَمرِ مُنقَدِّ العِفاءِ كَأَنَّهُ

عَصا قَسِّ قوسٍ لينُها وَاِعتِدالُها

إِذا عارَضَت مِنها نَحوضُ كَأَنَّها

مِنَ البَغي أَحيانً اِمُدانىً شِكالُها

أَحالَ عَلَيها وَهوَ عارِضُ رَأسِهِ

يَدُقُّ السِلامَ سَحَّهُ وَاِنسِحالُها

كَأَنَّ هَوِيَّ الدَلوِ في البِئرِ شَلُّهُ

بِذاتِ الصِوى آلافَهُ وَاِنِشِلالُها

لَهُ أَزمَلٌ عِندَ القِذافِ كَأَنَّهُ

نَحيبُ الثَكالى تارَةً وَاِعتِوالُها

رَباعٌ لَها مُذ أَورَقَ العودُ عِندَهُ

خُماشاتُ ذَحلٍ لا يُرادُ اِمتِثالُها

مِنَ العَضِ بِالأَفخاذِ أَو حَجَباتِها

إِذا رابَهُ اِستِعصاؤُها وَعِدالُها

وَقَد باتَ ذو صَفرآءَ زَوراءَ نَبعَةٍ

وَزُرقٍ حَديثٍ رَيشُها وَصِقالُها

كَثيرٍ لِما يَترُكنَ في كُلِّ جُفرَةٍ

زَفيرُ القَواضي نَحبُها وَسُعالُها

أَخو شُقَّةٍ يَأوي إِلى أُمِّ صِبيَةٍ

ثَمانِيَةٍ لَحمُ الأَوابِدِ مالُها

يُراصِدُها في جَوفِ حَدباءَ ضَيِّقٍ

عَلى المَرءِ إِلّا ما تَحَرَّفَ جالُها

يُبايِتُهُ فيها أَحَمُّ كَأَنَّهُ

إِباضُ قَلوصٍ أَسلَمَتها حِبالُها

وَقَرناءَ يَدعو بِاِسمِها وَهوَ مُظلِمٌ

لَهُ صَوتُها أَو إِن رَآها زِمالُها

إِذا شاءَ بَعضَ اللَيلِ حَفَّت لِصَوتِهِ

حَفيفَ الرَحى مِن جِلدِ عَودٍ ثِفالُها

فَجاءَت بِأَغباشٍ تَحَرّى شَريعَةً

تِلاداً عَلَيها رَميُها وَاِحتِبالُها

فَلَمّا تَجَلّى قَرعُها القاعَ سَمعَهُ

وَبانَ لَهُ وَسطَ الأَشاءِ اِنغِلالُها

طَوى شَخصَهُ حَتّى إِذا ما تَوَدَّفَت

عَلى هيلَةٍ مِن كُلِّ أَوبٍ تُهالُها

رَمى وَهيَ أَمثالُ الأَسِنَّةِ يُتَّقى

بِها صَفُّ أُخرى لَم يُباحَت قِتالُها

يُبادِرنَ أَن يُبرِدنَ أَلواحَ أَنفُسٍ

قَليلٍ مِنَ الماءِ الرَواءِ دِخالُها

فَمَرَّ عَلى القُصوى النَضِيُّ فَصَدَّهُ

تَلِيَّةُ وَقتٍ لَم يُكَمَّل كَمالُها

وَقَد كانَ يَشقى قَبلَها مِثلُها بِهِ

إِذا ما رَماها كَبدُها وَطِحالُها

فَوَلَّينَ يَذرينَ العَجاجَ كَأَنَّهُ

عُثانُ إِجامٍ لَجَّ فيها اِشتِعالُها

أُولئِكَ أَشباهُ القِلاصِ الَّتي طَوَت

بِنا البُعدَ طَيّاً وَهِيَ باقٍ مِطالُها

وَهَل حَدثانٌ أَن تَجوبَ بِنا السُرى

إِلَيكِ المَطايا نوقُها وَجِمالُها

عَلى كُلِّ حُرجوجٍ يُصافِحُ خَدُّها

مَثاني زِمامِ الوَردِ يَهفو جِلالُها

تَرامى الفَيافي بَينَها قَفَراتُها

إَذا اِسحَنكَكَت مِن عُرضِ لَيلٍ جِلالُها

بِنا وَبِأَطلاحٍ إِذا هِيَ وَقَّعَت

كَسا الأَرضَ أَذقانَ المَهارى كَلالُها

نَواشِطُ بِالرُكبانِ في كُلِّ رِحلَةٍ

تَهالَكَ مِن بَينِ النُسوعِ سِخالُها

أَلَم تَعلَمي يا مَيُّ أَنّي وَبَينَنا

مَهاوٍ يَدَعنَ الجَلسَ نَحلاً قَتالُها

أُمَنّي ضَميرَ النَفسِ إِيّاكِ بَعدَما

يُراجِعُني بَثّي فَيَنساحُ بالُها

سَلي النَاسَ هَل أَرضى عَدُوَّكِ أَو بَغى

حَبيبُكِ عِندي حاجَةً لا يَنالُها

وَمَن يَتَّبِع عَينَيهِ في الناسِ لا يَزَل

يَرى حاجَةً مَمنوعَةً لا يَنالُها

خَليلَيَّ هَل مِن حيلَةٍ تَعلَمانِها

يُدَنّيكُما مِن وَصلِ مَيَّ اِحتِيالُها

فَنَحيا لَها أَم لا فَإِن لا فَلَم نَكُن

بِأَوَّلِ راجٍ حيلَةً لا يَنالُها

إِذَن فَرماني اللَهُ مِن حَيثُ لا أَرى

بِزُرقِ النَواحي لَم تُفَلَّ نِصالُها

وَأَن رَبَّ أَمثالِ البَلايا مِنَ السُرى

مُضِرٌ بِها الإِدلاجُ لَولا نِعالُها

وَخَوصاءَ قَد نَفَّرتُ عَن كورِها الكَرى

بِذِكراكِ وَالأَعناقُ ميلٌ قِلالُها

لَأَلقاكِ قَد أَدأَبتُ وَالقَومُ كُلُّما

جَرَت حَذو أَخفافِ المَطايا ظِلالُها

نَزَلنا وَقَد غارَ النَهارُ وَأَوقَدَت

عَلَينا حَصى المَعزاءِ شَمسٌ تَنالُها

فَلَمّا دَخَلنا جَوفَ مَرأَةَ غُلِّقَت

دَساكِرُ لَم تُرفَع لِخَيرٍ ظِلالُها

بَنَينا عَلَينا ظِلَّ أَبرادِ يُمنَةٍ

عَلى سَمكِ أَسيافٍ قَديمٍ صِقالُها

فَقُمنا فَرُحنا وَالدَوامِغُ تَلتَظي

عَلى العيسِ مِن شَمسٍ بَطيءٍ زَوالُها

وَلَو عُرِّيَت أَصلابُها عِندَ بَيهَسٍ

عَلى ذاتِ غِسلٍ لَم تُشَمَّس رِحالُها

وَقَد سُمِّيَت بِاِسمِ اِمرِئِ القَيسِ قَريَةٌ

كِرامٌ صَواديها لِئامٌ رِجالُها

تَظَلُّ الكِرامُ المُرمِلونَ بِجَوفِها

سَواءٌ عَلَيهِم حَملُها وَحِيالُها

بِها كُلُّ خَوثاءِ الحَشا مَرَئِيَّةٍ

رَوادٍ يَزيدُ القُرطَ سوءاً قَذالُها

إِذا ما اِمرُؤُ القَيسِ اِبنُ لُؤمٍ تَطَمَّعَت

بِكَأسِ النَدامى خَبَّثَتها سِبالُها

فَكَأسُ اِمرِئِ القَيسِ الَّتي يَشرَبونَها

حَرامٌ عَلى القَومِ الكِرامِ فِضالُها

أَفي آخِرِ الدَهرِ اِمرَأَ القَيسِ رُمتُمُ

مَساعِيَ قَد أَعيَت أَباكُم طِوالُها

رَأَيتُكَ إِذ مَرَّ الرِبابُ وَأَشرَفَت

جِبالٌ رَأَت عَيناكَ أَن لا تَنالُها

فَخَرتَ بِزَيدٍ وَهيَ مِنكَ بَعيدَةٌ

كَبُعدِ الثُرَيّا عِزُها وَجَمالُها

أَلَم تَكُ تَدري أَنَمّا أَنتَ مُلصَقٌ

بِدَعوى وَأَنّي عَمُّ زَيدٍ وَخالُها

سَتَعلَمُ أَستاهُ اِمرِئِ القَيسِ أَنَّها

صِغارٌ مَناميها قِصارٌ حِبالُها

معلومات عن ذو الرمة

ذو الرمة

ذو الرمة

غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي، من مضر، أبو الحارث، ذو الرمة. شاعر، من فحول الطبقة الثانية في عصره. قال أبو عمرو بن العلاء: فتح الشعر بامرئ القيس وختم..

المزيد عن ذو الرمة

تصنيفات القصيدة