الديوان » العصر الايوبي » ابن الساعاتي »

أعيا وقد عاينتم الآية العظمى

أعيَّا وقد عاينتم الآية العظمى

لأيَّةِ حال تذخر النثر والنَّظما

وقد ساغ فتح القدس في كل منطقٍ

وشاع إلى أن أسمع الأسل الصُّمَّا

تحلُّ بهِ الأضدادُ واللفظ واحدٌ

فكمْ سرَّ قلباً في الأنام وكم غمَّا

وتندى مغانيه وما جادها الحيا

ولا سحبت ريح الصَّبا فوقها كمَّا

حبا مكّةَ الحسنى وثنَّى بيثربٍ

واطرب ذيَّاك الضَّريح وما ضمَّا

لقد سكّن الدهياء أمناً وغبطةً

فهل كان لفظاً سار أو عسكراً دهما

فليت فتى الخطَّاب شاهدَ فتحها

فيشهدَ أنَّ السهمَ من يوسفٍ أصمى

وقد أوتي الفتحين مالاً وبلدةً

فلم يبق نصراً ما حواه ولا غنما

وصولٌ إلى الغايات والفكر قاصرٌ

فكيف يفوت البقَ من ركب العزما

ففي لهواتِ الشّرك أرسلها ش

جاً وفي جبهة الأيام غادرها وسما

وما كان إلَّا الداءَ أعيا دواؤهُ

وغيرُ الحسام العضب لا يعرف الحسما

فقد أصبحت جلّ العيون بأرضها

مخافة هنديّ الظُّبا تنكر السُّقما

وأصبح ذاك الثغرُ جذلان باسماً

والسنةُ الإغماد توسعهُ لثما

وكانت سيوف الهند سرَّ غمودها

فها هي سرٌّ لا تطيق لهُ كتما

ينمُّ على فتكاتهِ زهر القنا

كذلك حديث الزهر يحلو إذا نمَّا

وتخلو من الخطّيِّ من كلفٍ بهِ

وتحسبهُ قداً فتوسعهُ ضمّاً

فلم يبق إلَّا بالقساطل يتَّقى

ولم يبق بالسُّمر العوالي لهُ نجما

فقل للحسام اصمتْ أمام جيوشه

فغير مجابٍ أن دعا منهم كلما

وقد أصبحت رسلُ القضاة عبيده

فقل حنايا القوم لا ترسلي سهما

يهاب ظباه والقنا فيخفيها

نسبٌ لذكر البيض والأسمر الألمى

البَّ بهم حزن فاقوت منازلٌ

كذا الحزن أن حلَّ الحشا انحل الجسما

رأوا حرباً يستبّ حرب كريهةٍ

فقد طلبوا منهُ السَّلامة والسلما

وأضيعُ سعيٍ سعيُ من رام نص

رة الأنام وقد أضحى القضاءُ له خصما

يقابلهم طعناً فإن ثبتوا لهُ

فضرباً فإن لم يغنِ أرداهمُ هدما

سلوا الساحلَ المخثيّ عن سطواته

فما كان إلَّا ساحلاً صادف اليمَّا

عصفتَ بهِ إذ قيل تمّ رواؤهُ

فقل للعوالي تؤمن القمر التِّمَّا

وما زلتَ تحمي كلَّ شمَّاءَ بالظُّبى

إلى أن أخافت بيضك الأنف الشُّمَّا

يميناً لقد أنكحتها يومَ هديها

صدور المواضي البيض والسُّبَّق الدُّهما

نقمت واتبعت الرضى عفو محسنٍ

فلم يبق لا بؤسى تعدُّ ولا نعمى

أمرتجلَ الإعجاز والخطبِ خاطبٌ

تأنَّ فقد أعثرت من خلفك الفهما

تجاوزت ما قد أعيا الجبالَ منالهُ

فهل يقظةً كانت مساعيك أو حلما

نصبتَ على الأعداءِ رأياً ورايةً

يفيدانهم من بعد رفعهم الجزما

وشمتَ سيوفاً تنهب الليل وقدةً

فكلُّ عيانٍ ظنّها النار والفحما

إذا عقمت سودُ المنايا قرعتها

ببيض ذكورٍ تولد المحن العقما

تبسَّتمُ في وقت الفراق فإن يكن

لقاً ووغىً فاضت مدامعها سجما

فحضَّنتَ منهُ بالرَّدى ذلك الحمى

وحسَّنتَ منهُ بالندى منظراً جهما

إباءٌ كما أفنى العدى أوجد الهدى

وجودٌ كما أحيا الغنى قتل العدما

فللحقّ شمسٌ لا تغام بباطلٍ

وللعدلِ فيهِ آيةٌ تنسخ الظُّلما

يعزُّ على الأحداث وطءُ بلاده

فلو صدَّ حبٌّ لم يجد عاشقٌ همَّا

بصيرٌ بما تنوى قلوبُ وفوده

كأنَّ لهُ بالغيب من وفدهِ علما

له عينُ حسنى لا يلمُّ بها الكرى

أذن سماح لم تزل تسمع الوهما

فدعني من الآمال واتلُ حديثهُ

فلي أذنٌ عن فحش أعمالهم صمَّا

وقل لي بما أدعوه عند خطابه

فقد جلّ أن يكنى بشيءٍ وأن يسمى

أجلهمُ نفساً وأشرف همّةً

وألينهم خلقاً وأصلبهم عجما

لإحسانهِ برهانُ عيسى مريمٍ

يقيناً فكم أحيا وكم أنطق البكما

فيا كاشفَ الجلَّى ويا محييَ الهدى

ويا قاتل البلوى ويا كاشفَ الغمَّا

رمتني الليالي والليالي مصيبةٌ

فكم لسهام الحزن في كبدي كلما

وأصبحتُ من مالي وصبريَ سهادهُ

وقلبٍ أبى ألَّا الكآبة والهما

لقد جارت الأقدارُ فيّ بحكمها

ولم تزل الأقدار تقهرنا حكما

ومن كمدي آني خصصتُ وإنَّما

يهونُ ويلغى كل صعبٍ إذا عمَّا

وحاشاك أن ترضى سؤالي ومدحتي

من الفقر من لا يعرف الحمد والذما

ومن سمعوا أن الثناء على اللهى

لذيذٌ ولكن لم يذوقوا له طعما

وما زلتَ ربّ الحزم في كل موطنٍ

وما حفظَ الأموال من ضيّع الحزما

إن المنازل من سلمى بذي سلمِ

أمستَ عفاءً لفقد الجودِ والكرمِ

تخونتها الليالي فهي طامسة

كما تخون جسماً دائمُ السقم

لم يبقَ في هذه الدنيا لنا أربٌ

فقل سلامٌ عليها غير محتشم

يا حبذا وقفةٌ والحيُّ منيمنٍ

على المنيعين من سلعٍ ومن إضمِ

أبكي وأنشد في غزلانه غزلي

فالدرُّ ما بين منثور ومنتظمِ

يقول صحبي وقد لاحت خيامهمُ

متى رأيت بدور الليل في الخيمِ

هنّ الظباء اللواتي لا ذمام لها

من أينَ يعرفنَ رعي العهد والذّممِ

بيضُ الترائب سمر الخطّ يحجبها

سود الذوائب حمر الحلي والنعم

عهدي وكل شديد البأس يخدمهُ

رخيمة الدل مكسالٌ من النعم

تخاله من حياء الوجه ملتثماً

في حفلهِ وهو فيهم غير ملتثمِ

سحابُ جدبٍ قنا حربٍ هزبرُ وغى

لا يرتدي عند وقع الصمّ بالصمم

غاب الكواعب من سهلٍ ومن جبلٍ

مثل الأكارم من عربٍ ومن عجمِ

يا ضلة للقوافي كيفما قنصت

من بعدهم حسرة أو أسوةً بهم

كانوا إذا أنكر الفرسان فضلهم

عادوا إلى حكم من واقد الحكمَ

واسترجعوا العذب الموفي على قصبِ

المران ما استودعوه من صبيب دم

جادوا وجدوا فأحيوا مثلما قتلوا

سل الثرى عنهمُ أو عن سيوفهم

غذوا لبان النهى صفواً بلا كدر

بيضُ الخلائق والأعراض والشيمِ

تكاد خيلهمُ من طاعةٍ لهمُ

تمضي إلى حيثما شاءوا بلا لجمِ

والمدح وقفٌ عليهم منحَ سيبهمِ

والشعر يشرى بأغلى السعر والقيمِ

كان السماحُ بهم حياً فمذ عدموا

أضحى السماح بهم في قبضة العدمِ

من لي بكل حديد السمع منتصبٍ

للوفد يجمع بين العلم والعلم

تهزُّه نغماتُ المدح شائقةً

كما تهزُّ مشوقاً لذُّةُ النَّغم

حسامهُ جذوةٌ مذ سلَّ ما خمدت

تشبّها أنملٌ أندى من الدِّيم

ولا يعود وسوقُ الحرب قائمة

بهِ سماحاً فلم لم يلم

هامي الحيا يستخفُّ حبوتهُ

حتَّى كأنّ بهِ نوعاً من اللَّمم

مضى الكرام فلا عينٌ ولا أثرٌ

وبات شملُ القوافي غير ملتئم

فليت أنّ زماناً فات دام لنا

وليت أنّ زماناً دام لم يدم

ويلاه لا رجلٌ سمحٌ نلوذ بهِ

كأنَّهُ في النَّدى نارٌ على علم

مات السَّماحُ فلا تطلبهُ في أحدٍ

وضلّ فقداً فلا تنشدهُ في الأمم

جهلاً أرود الُّهى في غير منبتها

وأستميح جهاماً غيرَ منسجم

تربةِ الجود في ناسٍ منيتُ بهم

فإنّ ذلك عندي غاية القسم

ما لمتُ دهري على شيء غضبت له

من الحوادث حتى جارَ في القسم

يصدُّ عني إلى ذي التقص يبختهُ

فليتهُ مثل حظّي في الأنام عمي

ما ضامني الدهر حتى قمت ممتدحاً

لو اطّرحتُ مديحَ الناس لم أضم

آهاً لما نظمت كفَّايَ من دررٍ

ضاعت وواخجلة الآداب والحكم

يا كم وففتُ إليهم من محبَّرةٍ

هي الكواكب في داجٍ من الظُّلم

وعدتُ يضحك نقسي من سنا كلمي

فيهم ويهزأُ قرطاسي من القلم

أنحي على منطقي لوماً واعذرهُ

كم وصمةٍ أسُّها في الخلق نطقُ فم

سطرتُ مدحهمُ حتى سعيت بهِ

فليقسمِ الذمُّ بين الكفّ والقدم

أجاور العدم في أكناف قربهمِ

وأجتني الذلّ من أغصان عزّهم

كم مات من موعدٍ جادوا بهِ غلطاً

منهم غداةَ أطالوا عمر طلبهم

أبى لي الفضلُ صمتي عن فعلهم

حتى نطقتُ على كرهٍ فلا تلم

لو انتضيتُ لساني كان يقدم بي

فيهم ويعلي على هام العلى قدي

لو كنتُ أصليهمِ نار العتاب إذن

لقام معنى حياة النار بالفحم

أو كنتُ ألقى الليالي شاهراً كلمي

إذن لولَّت وأولت عطف منهزم

مالي أعلَّل بالآمال مقتنعاً

منها بما فتَّ في عضدي وساط دمي

نام الزمان فما ترجى إفاقتهُ

حتى قنعتُ بزور الطيف في الحلم

فانهضْ إلى الغاية الشمَّاء يأنف من

حضيض ربعك أنفٌ منك ذو شمم

ولا تقيمنْ بدار الهون عن أنفٍ

أن الكريم بدار الهون لم يقم

نزّه كمالك عن ضدٍّ تجاورهُ

كيف اجتماع البزاةِ الشهب والرَّخم

لذْ باليفاع وأهونْ بالوهاد ودع

موطىء القوم أن العوَّ في القمم

لا يعوزِ الطَّولُ في الحياء تطلبهُ

حتى عكفتَ على الأمواتِ والرّمم

قومٌ سماعيَ عنهم أنَّهم بذلوا

أخو سماعيَ عن عادٍ وعن إرم

قم نحو مدحي جما الدين معتزماً

فأيُّ مجدٍ لمن في المجد لم يقم

وقد حوتْ مصرُ لأقواماً ذوي أدبٍ

ففي الفواضلِ يا ذا الفضلِ عزِّهم

وصفُ اشتياقيَ بحر لا يحيط بهِ

ما دقَّ من فكري أو جلَّ من كلمي

ولو جعلتُ لهُ طرساً جوىً وهوىً

خدّي وامددتهُ من ولعةٍ بدمي

معلومات عن ابن الساعاتي

ابن الساعاتي

ابن الساعاتي

ابن الساعاتي (553 هـ - رمضان 640 هـ) هو أبو الحسن على بن محمد بن رستم بن هَرذوز المعروف بابن الساعاتى، الملقب بهاء الدين، الخراساني ثم الدمشقي، كان شاعراً مشهوراً،..

المزيد عن ابن الساعاتي

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة ابن الساعاتي صنفها القارئ على أنها قصيدة عامه ونوعها عموديه من بحر


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس