الديوان » العصر الايوبي » فتيان الشاغوري »

في عنفوان الصبا ما كنت بالغزل

عدد الأبيات : 94

طباعة مفضلتي

في عُنفُوانِ الصِبا ما كُنتُ بِالغَزِلِ

فَكَيفَ أَصبو وَسِنِيّ سِنُّ مُكتَهِلِ

كَأَنَّني بِمَشيَبي وَهوَ مُشتَعِلٌ

بَياضُهُ بِسَوادِ الفاحِمِ الرَّجِلِ

إِنَّ الحِسانَ يَرَينَ الشَيبَ أَقبَحَ مِن

شَينِ البَياضِ عَثا في أَسوَدِ المُقَلِ

لَم أُمسِ في غَمراتِ العِشقِ مُنغَمِساً

وَلَم تُؤَنِّفنِيَ العُذّالُ بِالعَذَلِ

وَأَخفَقُ الناسِ مَسعىً كُلُّ مُختَبِلٍ

يَهذي بِصاحِبِ قَلبٍ غَيرِ مُختَبِلِ

مَن يَهوَ يَهوِ إِلى قَعرِ الهَوانِ عَمىً

شَتّانَ بَينَ شَجٍ عانٍ وَبَينَ خَلي

وَما اِزدَهاني سَرابُ المَكرِ وَالحِيَلِ

وَلا دَهاني شَرابُ الكَرمِ بِالخَبَلِ

وَالنَفسُ تَوّاقَةٌ لَكِن يُطامِنُها

إِذا اِشرَأَبَّت حِجىً أَرسى مِنَ الجَبَلِ

فَالعُمرُ ظِلٌّ عَلى الإِنسانِ مُنتَقِلٌ

وَلَيسَ في الأَرضِ ظِلٌّ غَيرُ مُنتَقِلِ

وَخَيرُ ما نِلتَ مِن دُنياكَ مُقتَبِساً

عِلمٌ وَلَكِن إِذا ما زِينَ بِالعَمَلِ

لا تَترُكَنَّ التُّقى يَوماً فَتُهمِلَهُ

نَوماً فَلَستَ بِمَتروكٍ وَلا هَمَلِ

واهاً لِمُستَيقِظٍ مِن نَومِ غَفلَتِهِ

لِفَهمِ آدابِ أَهلِ الأَعصُرِ الأُوَلِ

هُمُ الأُلى زَيَّنوا الدُنيا بِفَضلِهِمُ

وَاِستَبدَلوا مِن قَشيبِ العَيشِ بِالسَّمَلِ

فَما اِستَمالَتهُم الدُّنيا بِزُخرُفِها

وَلا اِزدَهَتهُم بِتَفصيلٍ وَلا جُمَلِ

قالوا اِمتَدِح عُظَماءَ الناسِ قُلتُ لَهُم

خوفُ الزَنابيرِ يَثنيني عَنِ العَسَلِ

وَالأُسدُ تَهرُبُ مِن قَرصِ الذُّبابِ وَما

أَغرى خِساسَ الوَرى بِالسادَةِ النُّبُلِ

سَوءاتُهُم هَزَمَت مَجدي وَلا عَجَبٌ

عَمرٌو بِسَوءَتِهِ في الحَربِ رَدَّ عَلي

إِن ضِقتَ ذَرعاً بِأَقوامٍ سَواسِيَةٍ

فَما الكَريمُ بِأَن يُؤذى بِمُحتَمِلِ

أَمسى قَرارَةُ سَيلِ الخُرءِ يَعبَثُ بي

فَهوَ السُّها إِذ يُعيدُ الشَمسَ في الحَمَلِ

هَذا مِنَ الدَّهرِ مَشهورٌ وَما بَرِحَت

أَهلُ المَعالي ذُرابى أَلسُنِ السفلِ

بَينَ الصِّحاحِ وَبَينَ العورِ لا سَلِموا

بَونٌ وَما حَوَرُ العَينَينِ كَالكَحَلِ

تَبّاً لِكُلِّ غَريقٍ في مَعايِبِهِ

يَعيبُ خَلَّةَ مَن ما فيهِ مِن خَلَلِ

وَلَيسَ ذَنبي سِوى طولِ الثَّواءِ وَمَن

طالَ الثَّواءُ عَلَيهِ رِيعَ بِالمَلَلِ

وَالعَجزُ أَوجَبَ لي ذُلَّ الخُمولِ وَلَو

أَنّي تَنَقَّلتُ كانَ العِزُّ في النُّقَلِ

لأَنزَعَن في قِسِيِّ الذَّمِّ مُجتَهِداً

فَأُصمِيَنَّ لِئاماً بَعدَ مُرتَحَلي

لا تَحسِبَن أَنَّ نورَ الشَّمسِ يُوهِنُهُ

ما أُلبِسَ الجوُّ مِن غَيم وَمِن طَفَلِ

وَما ألومُ حَسودي في تَقَوُّلِهِ

زوراً عَلَيَّ وَلَم أَفعَل وَلَم أَقُلِ

خَفِّض عَلَيكَ فَما بَدرُ السَماءِ إِذا

ما الكَلبُ أَوسَعَهُ نَبحاً بِمُحتَفِلِ

هُمُ زَوامِلُ ثِقلِ العارِ مُعنقةً

وَهُم عَلى حَملِهِ أَقوى مِنَ الإِبِلِ

حِداؤُها شَتمُهُم في كُلِّ موحِشَةٍ

تُطوى وَتُنشَرُ فيها ألعَنُ السُبُلِ

ما يَقدرونَ عَلى إِخفائِهِم حَسَبي

وَذاكَ أَسيرُ بَينَ الناسِ مِن مَثَلِ

وَلَو دَعَوتُ لَلَبَّتني ضراغمة

تَدأى إِلى جاحِمٍ بِالحَربِ مُشتَعِلِ

كُلٌّ مِنَ القَومِ إِن يَركَب إِلى رَهَجٍ

يَوماً تَرَجَّلَ رَأسُ الفارِسِ البَطَلِ

قَومٌ إِذا حَمَلوا في الرَّوعِ خِلتَهُمُ ال

أَتِيَّ مُنحَدِراً مِن ذِروَةِ الجَبَلِ

معوَّدوا النَّصر مَحمودٌ بلاؤُهُمُ

وَالخَيلُ تَعثُرُ بِالأَشلاءِ وَالقُلَلِ

أَهلُ الجِفانِ إِذا هَبَّت شَآمِيَةٌ

يَمتارُها الناسُ مِن حافٍ وَمُنتَعِلِ

إِن أَرضَ يَرضَوا وَإِن أَسخَط فَكُلُّهُم

كَاللَيثِ يَكشِرُ عَن أَنيابِهِ العُصُلِ

إِن عابَني أَنَّني مِن بانياسَ فَكَم

عَيشٍ نَعِمتُ بِهِ في ظِلِّها الخَضَلِ

وَأَهلُها كَالدَّنانيرِ الصِحاحِ بِلا

غِشٍّ وَلا بَهرَجٍ فيهِم وَلا زَغَلِ

فَالدُرُّ مِن صَدَفٍ وَالوَردُ يَطلُعُ بَي

نَ الشَوكِ وَالنَرجِسُ الرَيّانُ مِن بَصَلِ

يا رُبَّ بيضٍ سَلَلن البيضَ مِن حَدَقٍ

سودٍ وَمِسنَ بِأعطافِ القَنا الذُّبُلِ

هيفُ الخُصورِ نَقِيّاتُ الثُغورِ أَثي

ثاتُ الشُعورِ هَجَرنَ الكُحل لِلكَحَلِ

مِن كُلِّ مُرتَجَّةِ الأَردافِ إِن نَهَضتَ

شَكَت مَعاطِفُها جَوراً مِنَ الكَفَلِ

مِثلُ الشُموسِ اِنسَرى عَنها الغَمامُ إِذا

غازَلنَنا مِن وَراءِ السِّجفِ وَالكَلِلِ

لَو كانَ حُسنُ زَليخاً حُسنهُنَّ وَقَد

خَلَت بِيوسُفَ قدَّ الثَوبُ مِن قُبُلِ

وَشادِنٍ مِثل بَدرِ التمِّ يَبسِمُ عَن

ثَغرٍ كَلُؤلُؤِ سِمطٍ واضِحٍ رَتلِ

مَتى تَثَنّى وَأَبدى وَجنَتَيهِ لَنا

فَالبانُ مُنخَزِلٌ وَالوَردُ في خَجَلِ

حُمرٌ مَراشِفُهُ نَشوى مَعاطِفُهُ

مُعَربِدٌ لَحظُهُ كَالشارِبِ الثَّمِلِ

يَرمي فَيُصمي وَلا تَنمي لَواحِظُهُ

قُلوبَنا فَهيَ أَرمى مِن بَني ثُعَلِ

رَدَدتُ عَنهُم يَدي رَدَّ العَفافِ بِلا

ضَعفٍ عَراني وَلا خَوفٍ وَلا وَجَلِ

وَكَم قَوافٍ تَروقُ السامِعينَ مَعا

نيها بِلا خَطَأ فيها وَلا خَطَلِ

نَظَمتُها كَعُقودِ الدُرِّ ناصِعَةً

تُحِلُّ مُنشِدَها مِن رِبقَةِ العَطَلِ

إِن قَدَّمَ اللَهُ أَقواماً وَأَخَّرَني

فَالشَمسُ مُنحَطَّةٌ في الأَوجِ عَن زُحَلِ

وَأَينَ راحَةُ روحي مِن زحامِهِمُ

عَلى الرَّكِيِّ البَكِيِّ المَوتُ أَروَحُ لي

تَرَكتُ لِلناسِ بَحرَ الشِّعرِ فَليَرِدوا

وَقَد قَنَعتُ مِنَ الأَمواهِ بِالوَشَلِ

وَالبَحرُ فيهِ لَآلٍ كَالسَماءِ بِها ال

نُجومُ مَن رامَها أَعيا وَلَم يَصِلِ

أَنِفتُ مِن طَمَعٍ مُدنٍ إِلى طَبعٍ

وَعِفتُ لَبسَةَ ذُلِّ الحَرفِ وَالأَمَلِ

إِنَّ القَناعَةَ لَم تَخلَع مَلابِسَها

إِلّا عَلى رَجُلٍ ناهيكَ مِن رَجُلِ

صُن ماءَ وَجهِكَ عَن ذُلِّ السُؤالِ وَلَو

أَتاكَ إِهراقُهُ بِالمالِ وَالخَوَلِ

وَاِستَرزِقِ اللَهَ مِمّا في خَزائِنِهِ

تُدَل بِفَيضِ أَياديهِ وَلَم تُذَلِ

ما يُعطِكَ اللَهُ لا يَمنَعكَهُ أَحَدٌ

وَلَيسَ ما بُتَّ مِن شَيءٍ بِمُتَّصَلِ

فَاِشمَخ بِأَنفِكَ عَن خَزمِ المَطامِعِ لا

تُقِم بِهِ في مَقامِ الآنُفِ الذُّلَلِ

تَخشى عَرانينُها خَرماً إِذا نَفَرَت

فَالذُّلُّ يَسحَبُها في الرَيثِ وَالعَجَلِ

يا نَفسُ صَبراً عَلى ما قَد مُنيتِ بِهِ

فَالحُرُّ يَصبِرُ عِندَ الحادِثِ الجَلَلِ

لا بُدَّ أَن يَستَقيلَ الدَهرُ عَثرَتَهُ

فينا وَفي غَيرِنا وَالدَّهرُ ذو دُوَلِ

يا مَن تَضَلَّعَ رِيّاً إِن ضَمِنتَ فَما ال

حِرصانُ إِلّا عَلى الظامي مِنَ الأَسِلِ

وَما تَرَكتُ مَقالَ الشِّعرِ عَن خَوَرٍ

وَلا اِنتِجاعَ كِرامِ النّاسِ مِن كَسَلِ

لَكِن أَروني كَريماً في الزَمانِ وَما

شِئتُم مِنَ المَدحِ فَاِستَملوهُ مِن قِبَلي

وَاِستَودِعوا مِن فَمي أَصدافَ سَمعِكُمُ

دُرّاً تَنَظَّمَ شِعراً غَيرَ مُنتَحَلِ

إِن كُنتَ مُحتَفِلاً أَو كُنتَ مُرتَجِلاً

فَخَيرُ مُحتَفِلٍ فيهِ وَمُرتَجِلِ

شَمَختُ مِنهُ إِباءً عَنهُ مُزدَرِياً

بِهِ فَلا ناقَتي فيهِ وَلا جَمَلي

وَكَيفَ أَسعى إِلى أَيدٍ أُقَبِّلُها

وَالبَتكُ أَولى بِها عِندي مِنَ القُبَلِ

إِذا يَدٌ لَم تُفِد بِالرِّفدِ مُمتَدِحاً

مَعَ الغِنى فَرَماها اللَهُ بِالشَلَلِ

لَم يَسمَحِ الدَّهرُ مُذ ألفيتُ فيهِ بِأَن

رَأَيتَني راتِعاً في مَرتَعِ الجَذَلِ

أَليَّةً إِن نَأَت عَنّي نَوائِبُهُ

لأَشدُوَنَّ بِأَهزاجي وَبِالرَّمَلِ

وَعَيبُ شِعرِيَ أَنَّ الوَردَ يُشبِهُهُ

وَأَنَّ جُلَّ بَني ذا الدَّهرِ كَالجُعَلِ

لا تَأسَفَنَّ عَلى ما لَم تَنَلهُ مِنَ ال

دُنيا فَلَيسَ يُنالُ الرِّزقُ بِالحِيَلِ

اللَهُ قَدَّرَ لي رِزقاً سَأُدرِكُهُ

لا بُدَّ مِنهُ كَما لا بُدَّ مِن أَجَلي

وَالفَضلُ وَالمالُ مَحبوبانِ ما اِجتَمَعا

وَهَل تُوافي الضُحى يَوماً مَعَ الأَصُلِ

سَرارَةُ القَلبِ مَأوى سِرِّ كُلِّ فَتىً

مُستَحصَفٍ عَقلُهُ لا رَأيَ لِلمَذِلِ

مَن لَم تُجانِسهُ فَاِحذَر أَن تُجالِسَهُ

فَالشَمعُ لَم يَحتَرِق إِلّا مِنَ الفَتلِ

قَد كانَ في قُلَلِ الأَجبالِ مَسكَنُهُ

فَاِعتاضَ بِالنارِ بَعدَ الشَهدِ وَالعَسَلِ

وَالأُنسُ في وَحدَةِ الإِنسانِ مُنفَرِداً

عَنِ الأَخِلّاءِ فَاِهجُرهُم وَلا تُبَلِ

ما في زَمانِكَ مَن تُصفي الودادَ لَهُ

مِنَ الأَخِلّاءِ إِلّا وَهوَ ذو دَخَلِ

يا مَعشَراً نَبَذوا العَلياءَ نَبذَهُمُ

غُرَّ المَحاسِنِ في قَولٍ وَفي عَمَلِ

كَأَنَّهُم في تَعاليهِم حَنابِلَةٌ

يَرَونَ كُلَّ بَني الآدابِ مُعتَزِلي

فَلَو رَآهُم أَميرُ المُؤمِنينَ لما

قالَ انحُ ذا النَحوَ يا با الأَسوَدِ الدُّؤَلي

مَن باتَ مُمتَدَحاً فيهِم يَقُل سَفَهاً

تَنَحَّ إِنَّ دِماغي غَيرُ مُنفَعِلِ

لِلحَقِّ قالَ وَهَل تَلقاهُ مُنفَعِلاً

لِلمَدحِ وَهوَ شَديدُ العِشقِ لِلبَخَلِ

فَأَكذَبُ الناسِ في ذا الدَّهرِ مادِحُهُم

فَاِسكُت وَأَصدَقُهُم هاجيهُمُ فَقُلِ

لَم يَرتَفِع فيهِ عِندي غَيرُ ذي سَفَهٍ

في العَينِ مُرتَفِعٍ في القَلبِ مُستَفِلِ

حَتّامَ يا دَهرُ لا أَنفَكّ ذا ظَمَأٍ

وَلا أَراكَ بِوِردٍ ناقِعاً غُلَلي

قَلَبتَ لي عامِداً ظَهرَ المِجَنِّ وَلَم

تَعطِف عَلَيَّ وَلَم تَنفَكَّ ذا مَيَلِ

وَما بَرِحتَ عَلى الأَحرارِ مُجتَرِئاً

لي أُسوَةٌ في ذَراري خاتَمِ الرُّسُلِ

معلومات عن فتيان الشاغوري

فتيان الشاغوري

فتيان الشاغوري

فتيان بن علي الأسدي. مؤدب، شاعر. من أهل دمشق، نسبته إلى (الشاغور) من أحيائها. مولده في بانياس، ووفاته في دمشق. اتصل بالملوك ومدحهم وعلم أولادهم. له (ديوان شعر - خ) قال..

المزيد عن فتيان الشاغوري

تصنيفات القصيدة