الديوان » فلسطين » يوسف النبهاني »

بربك ذكرهم عسى تنفع الذكرى

بربّك ذَكّرهم عَسى تنفعُ الذِكرى

فَكَم نِعم أَجدى وكَم مِنَن أَجرى

وَأَعظَمُها دينُ النبيّ محمّدٍ

هوَ النِعمةُ العُظمى هو المنّةُ الكُبرى

فَأَشهدُ أنّ اللَّه لا ربّ غيره

تَوحّدَ في الدُنيا توحّدَ في الأخرى

وَقد كانَ مِن قبل الحوادث واحداً

بِلا حاجةٍ للخلقِ أوجدَهم طرّا

تَقدَّس عن كلِّ الجهاتِ وإنّه

معَ الخلقِ لكنَّ الحقيقة لا تُدرى

فَلا جِهةٌ تحويهِ لا جهةٌ له

تَنزّهَ ربّي عَنهما وَعلا قدرا

فَليسَ مِنَ الخلفِ الأمامُ بقربهِ

أحقُّ ولا اليُمنى أحقّ من اليسرى

وَلا الفوقُ مِن تحتٍ وإن كان وارداً

لهُ الفوقُ لكن ليس يحصره حصرا

بهِ قامَ كلُّ الخلقِ لو كان لحظةً

تَخلّى عنِ الأكوانِ لاِنعدمت فورا

له البصرُ السمعُ الإرادة قدرةٌ

حياةٌ كلامُ العلمِ عن ضدّها يعرى

وَليسَ لهُ سُبحانهُ اِبنٌ ولا أبٌ

وَليسَ له بدءٌ ولا عدمٌ يطرا

وَلا مثلهُ خلقٌ ولا هوَ مثلهم

كَمالاتُهم منهُ وعَن نَقصِهم يَبرا

وَلو شاءَ أَرداهُم ولَم يخشَ ثَأرهم

وهَل أَحدٌ يَخشى منَ العدمِ الثَأرا

وَسوفَ إِلى بدءِ الفَناء يُعيدهم

وَيَبقى كَما قَد كانَ في ملكهِ وِترا

وَيَبعثهُم حتّى يُثيبَ بعدلهِ

عَلى الخيرِ خَيراً أو على شرّهم شرّا

أَعدَّ لَهُم دارَينِ لِلسخطِ وَالرِضا

وَأَعطى لكلّ مِنهُما منهمُ قدرا

لِمَن آمَنوا دارُ الكرامةِ جنّةٌ

بِها رِزقهُم مِن فيض إحسانه درّا

وَرُؤيَتهم للَّه خيرُ نَعيمهم

وُجوههمُ مِن حُسنِها نضرت نضرا

وَدارُ هوانِ الكافرين جهنّمٌ

بِها سعرَ النيران مِن أجلهم سعرا

وَشرٌّ عذابٍ عذَّبوهُ حجابهم

عنِ اللَّه مَقصورين عَن لُطفهِ قصرا

لأحبابهِ الجنّاتُ مَجلى جمالهِ

وَفي النارِ للأعداءِ قَد أظهرَ القهرا

وَلَو شاءَ عكسَ الأمرِ لَم يعُد عدله

وَلكن بِفضلٍ منهُ لا يعكسُ الأمرا

وَيفعلُ ما يختارُ في الخلقِ مُطلقاً

وَلا حرَجٌ يأتي عليهِ ولا حجرا

وَيغفِرُ دونَ الشركِ ما شاء منّةً

وَلا يجدُ الكفّارُ مِن فضلهِ غفرا

بَراهُم لهُ كَي يَعبدوهُ ويَعرفوا

فَباؤوا بِسخطٍ منهُ إذ عَبدوا الغيرا

وَكَم نِعَمٍ أسدى لهم غيرَ أَنّهم

لِخِذلانهم قَد أَبدلوا شُكرها كفرا

وَكلُّ كَمالٍ في الوجودِ كمالهُ

أَفاضَ على الدارينِ مِن بحرهِ قَطرا

وَمِن نورهِ كلُّ العوالمِ أَشرقت

وَلَو شاءَ لَم تُشرق ولا فجَرَ الفجرا

وَما الشمسُ والزهرُ الدراري وبدرُها

سِوى لمَحاتٍ نورهُ ذرّها ذرّا

وَكلُّ البَرايا نفحةٌ من هباتهِ

فَسُبحانهُ ربّاً وسبحانهُ برّا

وَلا فاعلٌ للخيرِ والشرّ غيره

وَمِن أدَبٍ لَسنا له ننسبُ الشرّا

وَمنهُ القُوى فينا وقد يستردّها

وَكلُّ اِمرئٍ منّا بحالته أدرى

وَمِن أينَ تَأتينا الخواطرُ هل لها

سَحابٌ على الأفكارِ تمطرُها مطرا

وَأكثرُها يَبقى عَقيماً وبعضها

يُرى مُنتجاً ينمو كما تبذرُ البذرا

وَمِن أَين تأتي المرءَ رُؤيا منامه

وَلا عقلَ يُبديها هناك ولا فكرا

وَنَعلمُ أنّ الروحَ في الجسم غيره

وَما الجسمُ إلّا بيتهُ فيه قد قرّا

فَمِن أينَ يَأتيه وعند فراقهِ

إِلى أيّ مأوىً فارقَ الجسم مضطرّا

فَذلكَ أمرٌ ظاهرٌ أنّ ربّنا

هوَ الفاعلُ المختارُ في الخلق ما أجرى

وَجازى الوَرى عَن كَسبهم باِختيارهم

وَلا قُدرةٌ مِنهم تؤثّر لا جبرا

بِتَيسيره كلٌّ أتى ما قضى له

وَليسَ بِمسؤولٍ ويَسألهُم طرّا

وَدونكَ فاِنظُر في الأمامِ وعكسه

وَعُلواً وسفلاً لليمين ولِليسرى

فَمَهما شغلتَ الفكرَ في كلّ وجهةٍ

إِلى أبدِ الآبادِ لا غايةٌ تُدرى

وَذلكَ مَخلوقٌ لهُ فهو دونهُ

تَعالى وجلَّ اللَّه عَن خلقهِ قدرا

إِذا كانَ هذا كلّه باِتّساعهِ

يَضيقُ وَلا يَقوى على ربِّه حَصرا

فَكيفَ اِنحَشى حاشاهُ في ضيّقِ الحشا

وَكيفَ ثَوى فِتراً منَ البطنِ أو شبرا

فَمَن يَعتقِد أنَّ النساءَ يلدنهُ

فَقولوا لهُ مِن أمّه يمصصِ البظرا

تَقدّس عَن أن يقدرَ الخلقُ قدره

وَأَن يَبلُغوا في حقّهِ النفعَ والضرّا

تَقدّس عَن أَن يعلمَ الخلقُ كنههُ

وَأَن يُدركوا من علمهِ غير ما أجرى

وَلا العرشُ يدريهِ ولا هو حلّهُ

وَلَكن براهُ مِثلما برأَ الذرّا

عَليهِ اِستوى كيفَ اِستَوى ليسَ عرشهُ

بِهذا دَرى فيهِ خليقتهُ حَيرى

وَهل قطُّ مَصنوعٌ بصانعهِ دَرى

لَقَد ضلّ عَبدٌ يدّعيه وما برّا

وَسَل إِن تَشأ عن ناسجٍ من نسيجهِ

وَعمّن بنى قَصراً فَسل ذلكَ القَصرا

إِذا كانَ كلٌّ حادثاً كصنيعهِ

وَلم يَدرهِ فاللَّه أعظمُ أَن يُدرى

وَلِلعقلِ حدٌّ لا يجاوزهُ كَما

لأبصارِنا حَدٌّ تُرى بعده حسرى

وَكَم فَوق طورِ العقلِ طوراً وفوقه

سواهُ وَزِد ما شئتَ طوراً علا طورا

وَما ثمَّ مَن يَدري حقيقةَ رَبّهِ

وَفي العجزِ مثلُ العقلِ أرفعُها قدرا

بِأسمائهِ الحُسنى وَأوصافهِ العلا

وَآثارهِ في خلقهِ عرّفَ الأمرا

وَقَد نصَب الأكوانَ في كلِّ ذرَّةٍ

بَراهين لا تُحصى قَراها منِ اِستَقرا

وَلَكنّه يَهدي لهُ من يريدهُ

وَإِن كانَ أَغبى الناسِ أَبلدهُم فِكرا

وَإِن شاءَ إِضلالاً لعبدٍ أضلّهُ

وَإِن كانَ ذا علمٍ غدا علمهُ سِترا

أَلَم ترَ كفّارَ الفرنجِ وكيفَ هم

معَ العلمِ بِالأكوان شرّ الورى كفرا

وَمَهما زَوى الأفكارَ عَن كنهِ ذاتهِ

فَأَنوارهُ بالعلمِ قَد سفَرت سفرا

فَلا عذرَ للكفّارِ في جهلِهم به

وَهذي البَرايا كلُّها صُحفٌ تقرا

قَدِ اِختارَ مِن كلِّ الخَلائقِ رسلهُ

لِتَعريفِهم ما كفَّ عَن علمهِ الفِكرا

وَمِنهم قدِ اِختارَ الحبيبَ مُحمّداً

نَبيَّ الهُدى روحَ الوجودِ أبا الزهرا

نَبيُّ جميعِ الأنبياءِ مَليكُهم

وَفي قَومِهم عن حكمهِ نَفّذوا الأمرا

وَلَو جاءَ في أعصارِهم آمنوا به

وَكانوا لهُ مِن خيرِ أجناده نصرا

مآثرهُ في كُتبهم يأثرونها

وَلَو وجدوا في عصرهِ تَبِعوا الإثرا

إِمامُ جميعِ الرسلِ جامعُ فضلهم

خَطيبهمُ في الخَطبِ إن حُشِروا حشرا

وَيَجمعهُم في الحشرِ تحت لوائهِ

وَكلٌّ يقولُ اِشفَع فأنتَ بِها أَحرى

لِكُلِّ نَبيٍّ إمرةٌ فوقَ قومهِ

وَهُم وَذووهم تحتَ إمرتهِ الكُبرى

مَلائكةُ الرَحمنِ مِن خير جندهِ

كَأصحابهِ حازوا بِصُحبتهِ الفَخرا

وَجبريلُ نعمَ العونُ وَالصاحب الّذي

زِياراتهُ بالوحيِ للمُصطفى تترى

وَقَد كانَ من قوّاده يوم بدرهِ

ولَم يتَجاوَز حدّه ليلة الإسرا

وَكانَ لدى الحاجاتِ يدعوه يا أخي

يُلاطفهُ إِن راحَ يسأله أمرا

وَلو كانَ أعلى منهُ جبريل لم يكن

مُلاطفةً بل كانَ في حقِّه إزرا

وَساعدهُ ميكالُ في حمل طشتهِ

لَدى شقِّهم روحي فداهُ له الصدرا

وَقَد كانَ إِسرافيلُ في بدءِ بعثهِ

ثلاثَ سنينٍ في كلاءَته سرّا

فَقُل هوَ عبدُ اللَّه سيّد خلقهِ

وَدَع ما طَرا في حقّ عيسى من الإطرا

وَقُل هوَ بحرُ اللَّه بالفضلِ زاخرٌ

وَفي مدحهِ فاِستغرقِ النظمَ والنثرا

فَقَد أطرَب الأرواحَ مُنشدُ مدحهِ

وَمادحهُ مَهما أطالَ فَما أطرا

تَنقّلَ نوراً في جباهِ جدودهِ

فَنالوا بهِ عزّاً وصاروا بهِ غُرّا

عنِ البيتِ ردَّ اللَّهُ فيلَ عدوّه

وَأَرسلَ في تدميرِ أَصحابهِ طَيرا

وَمِن أُمّه نورٌ بدا عند وضعهِ

بهِ عينُها من مكّةٍ أبصرت بصرى

وَكَم شوهدَت من آيةٍ في رضاعهِ

فَأحيَت شياهَ الظئرِ في المحلِ والظئرا

وَأَشبهَ منهُ الشهرُ عاماً لغيرهِ

نُموّاً ومنه اليوم قد أشبهَ الشهرا

وَما زالَ يَرقى في الكمالِ هلالهُ

رُويداً وعندَ الأربعينَ غَدا بدرا

فَأَرسلهُ بالحقِّ لِلخلقِ رحمةً

لِمُؤمِنهم كُبرى وكافرِهم صغرى

جَزى اللَّه عنّا خيرَ ما كانَ جازياً

أَبا القاسمِ المختار خيرَ الورى طرّا

فَلولاهُ لَم تَبرَح عقائدُ ديننا

ملوّثةً شِركاً ملطّخةً كفرا

هَدانا بهِ وَالجاهليّةُ قد طَغت

وَقَد غمَر الأقطارَ طوفانُها غمرا

هَدانا بهِ وَالناسُ في ليلِ شِركهم

فَأَطلعَ دينَ اللَّه ما بينُهم فجرا

هَدانا بهِ والناسُ ما بين عابدٍ

لِشمسٍ ومَن دانوا الكواكبَ والدهرا

هَدانا بهِ وَالسودُ كالبيض كلّهم

وُحوشٌ نعم والصفرُ قد أشبهوا الحمرا

هَدانا بهِ والعربُ ما بين شاعرٍ

وَمَن عبدَ الأصنامَ أو عَبَد الشِعرى

هَدانا بهِ والفرسُ بالنور قد غووا

لهُ نسَبوا خيراً وللظلمةِ الشرّا

وَكَم عَبدوا كالهندِ ناراً تأجّجت

وَكَم عَبدوا عِجلاً وكَم عَبدوا ثورا

هَدانا وَأحبارُ اليهودِ تَلاعبوا

بِملّةِ موسى أبدَلوا شُكرَها كفرا

هَدانا بهِ وَالرومُ ما بينَ عابدٍ

لِعيسى بلا عذرٍ ومَن عَبَدَ العَذرا

هَدانا بهِ المَولى لجنّة خلدهِ

ولولاهُ كنّا مِثلهم للّظى جَمرا

بهِ اللَّه أَحيا الفضلَ والعدل والهدى

وَأَجرى من التوحيدِ بين الورى بحرا

وَأَعطاهُ مِن أسرارِ مكنون علمهِ

بِحارَ علومٍ فيهِ قَد زَخرت زخرا

وَكَم مُعجِزاتٍ منهُ شاهدَها الورى

بِكَثترتِها قَد جازتِ الحصرَ والحِزرا

قَدِ اِنتَشرت في الأرضِ عمّت جَمادها

وَإِنسانَها والجنَّ وَالوحشَ والطيرا

وَمِن مُعجزاتِ الأفقِ مَولاه خصّه

بِدَعوة حقٍّ سهمُها شقَّقَ البدرا

وَأَسرى بهِ للقُدسِ في بعض ليلةٍ

وَمِنها إلى السبعِ العُلا حبّذا المسرى

عَلا حيثُ لا عقلٌ هنالك واصلٌ

وَحيثُ العُلا قد صدّتِ الوهمَ والفكرا

وَحيثُ حَبا الرحمنُ سرّاً لعبدهِ

جَميعُ الوَرى لم يُمنَحوا ذلكَ السرّا

ولمّا غَدا في القربِ وَالحبِّ مُفرداً

رَأى ربَّه لا كيفَ لا كمَّ لا حصرا

وَأولاهُ مِن آلائهِ كلّ نعمةٍ

بِها خصّهُ تستغرقُ الحمدَ وَالشكرا

وَعادَ إِلى مثواهُ بعد عروجهِ

بِليلةِ مَسراهُ فَسُبحانَ مَن أَسرى

وَأَولاهُ بِالقرآنِ مِن فيضِ فضلهِ

بِحارَ عُلومٍ كلُّ لفظٍ حَوى بحرا

وَأَعجزَ كلَّ الخلقِ عَن مثل سورةٍ

فَلَم يَنسُجوا طرّاً بمنواله سطرا

وَلَو أمكنَ الكفّارَ مثلٌ أتَوا به

وَمَن يدّعي للشمسِ بينَ الورى أُخرى

وَسُنّتهُ جاءَت بكلِّ فَضيلةٍ

منَ الوحيِ لم يُعمل بأَحكامِها فكرا

بِبَحرينِ قَد وافى كتابٍ وسنّةٍ

جَرَت مِنهما حقّاً شريعته الغرّا

بِمَجمعِ بحرَيها أئمّتنا اِلتقَوا

وَما خَرجوا عَنها بل اِستَخرجوا الدرّا

وَفاضَت عَلى الدُنيا فأحيَت بلادَها

فَما ترَكت عَصراً ولا ترَكت مِصرا

لَقَد عَرّفتنا اللَّهَ وَالبعثَ والجزا

وَبِاليسرِ في الأحكامِ أبدلتِ العسرا

أَتَت بعلومِ الرسلِ مع أنبيائهم

فَما تَرَكت موسى الكليم ولا الخضرا

وَجاءَت بِتاريخِ الزمانِ وأهلهِ

وَما كانَ في الغَبرا وما كانَ في الخضرا

وَأَحكامُها قد ضمّنت كلّ حكمةٍ

وَما اِحتَكرت عن طالبٍ فضلها حكرا

وَأَجرَت عُلوماً كلُّ حبرٍ وراهبٍ

لو اجتمعوا لا يحسنون لها عبرا

وَلا عالِمٌ في الكونِ يمكنُ أنّه

يُحيطُ بِها مِن كلِّ أَطرافِها دورا

بِها قَد أَتى الأمّيُّ في جاهليّةٍ

أقلِّ الوَرى علماً وأكثرِهم فقرا

بِأقربِ وَقتٍ أصبحت خير أُمّةٍ

فَضائلَ واِستَولت على غيرها قَهرا

وَكَم عاقلٍ لمّا أصاخَ لقولهِ

وَشامَ المُحيّا بالسجودِ له خرّا

فَكافاهُ عن إِيمانهِ بأمانهِ

وَجازاهُ عَن فعلِ السجودِ له زجرا

وَكَم ذا منَ الأعرابِ وافاه جاهلٌ

كَوحشِ الفَلا قد أشبهَ الذئبَ والنِمرا

فَصارَ بهِ في العلم والحلم قدوةً

يُرتّلُ في المِحرابِ وَالمنبرِ الذِكرا

وَيا ربُّ عبدٍ كالبهيمةِ طبعه

قَضى عمرهُ في الشرِّ لا يعرف الخيرا

بإِكسيرِ خيرِ الخلقِ صحّت طباعه

فصارَت نُضاراً بعد أن طُبعت صفرا

وَصارَ بهِ مِن سادةِ القومِ سيّداً

فَفي جَحفلٍ قلباً وفي محفلٍ صدرا

فَقُل لي أغير اللَّه يفعل هكذا

وَهل أحدٌ يقضي على ربِّهِ جبرا

فَإِن لَم يَكُن خيرُ النبيّينَ صادقاً

إِذن فإِله العرش قد شرع الكفرا

أَتى داعِياً في الأرضِ للَّه وحده

وَقَد مُلِئت شِركاً وَقد طفحت شرّا

فَأيّده بالنصرِ مَع كثرةِ العدا

وَقَد سجروا نيرانَ بَغضائهم سجرا

وَعارضهُ في الحقِّ كفّارُ قومهِ

وَحثّوا إِلى تدميرِ دعوته السيرا

وَصاحوا بهِ وهوَ الهزبرُ فَما اِنثنى

وَهُم بقَرٌ مِن خوفهم جأَروا جأرا

وَقَد عَرفوهُ صادقاً غيرَ أنّهم

أصرّوا عَلى أديان آبائِهم كبرا

وَلَم يَبرحوا في ظُلمِهم وَظلامِهم

إِلى أَن رأوا منهُ بأفقِ الوغا بدرا

وَآمنَ مِنهم سادةٌ سبقوا الورى

بِصُحبتهِ أكرِم بهِم سادةً غرّا

أَجَلّ بَني الإسلامِ كانوا وإنّما

أَبو بكرٍ الصدّيقُ كان اِبنهُ البكرا

فَفي حلبةِ الإيمان جاء مُجلّياً

وَعُثمان صلّى خلفه مع ذَوي البُشرى

بِنوريهِ ذو النورينِ ضاءَت شؤونهُ

وَحازَ عَلى كلِّ الوَرى بِهِما الفَخرا

ولمّا دَعا الهادي لإعرازِ دينهِ

أَتى عُمَرٌ يَسعى لِحَضرته حضرا

وَسمّاهُ بِالفاروقِ إذ فرَق الهُدى

مِنَ الشركِ والشيطانُ من بأسهِ فرّا

وَأمّا عليٌّ فهو عند اِبنِ عمّهِ

تربّى صَغير السنِّ لم يَعرفِ الكفرا

فَلا عَجبٌ أَن كان باباً لعلمهِ

وَفي الحربِ ذِمراً لَم نَجِد مثله ذمرا

وَأَحرزَ خضلَ السبقِ منهم عتيقهم

وَلا عَجبٌ أن يَسبقَ القارحُ المهرا

وَقَد سَبَقت كلَّ الجيادِ خديجةٌ

وَأَلحِق بِها أولادهُ السادةَ الغرّا

وَمَهما علَت كلّ النساء بفضلها

فَقَد فضَلَتها في العلا بنتُها الزهرا

وَآلُ أبي بكرٍ خيارٌ وخيرهم

حَبيبةُ خيرِ الخلقِ عائشة الحمرا

كَفاها سلامُ الروحِ في الدين رفعةً

وَقولُ رسولِ اللَّه عنها خُذوا الشطرا

وَكَم فتيات سابقاتٍ وفتيةٍ

هداةٍ وكم عبدٍ أتى سابقاً حرّا

وَفاضَ عليهم بالأذى بحرُ فتنةٍ

فَآونةً مدّاً وآونةً جزرا

فَكَم عذّبوهم كَي يَعودوا لشِركهم

فَما رَجَعوا وَالبعضُ قَد قُتلوا صبرا

وَكَم ذا على الرَمضاءِ ألقَوا ضعافهم

عَلى الظهرِ ظُهراً واصلَ الفجر والعصرا

وَكَم أَلبَسوهم مِن حديدٍ مدارعاً

وألقَوهمُ في الشمسِ قد صُهروا صهرا

وَما كانَ مِن صخرٍ علاهم فإنّه

قلوبُ العدا لكنّها مُسِخت صخرا

وَمَهما اِستغاثوا لم يُغاثوا ودمعهم

حَكى الغيثَ مِن سقياه عشب الثرى أثرى

فَلا يمكنُ التعبيرُ عَن عبَراتهم

وَلا عينَ إلّا مِن عباراتهم عبرى

مَصائبُهم لو قطرةٌ من سحابها

تُمازجُ ماءَ البحرِ أفسدتِ البحرا

وَأثقالهُم لو ذرّةٌ من جبالها

عَلى الدهرِ قَد خرّت لأثقلتِ الدهرا

وَمَع هذهِ الأهوالِ طابَت نفوسهم

بِطيّبِ دين اللَّه فاِستَسهلوا الوعرا

حَلاوةُ حبّ اللَّه حلّت قلوبهم

فَحلّت لَهُم كَرباً وحلّت لهم صبرا

وَهاجرَ للأحباشِ منهم جماعةٌ

وَقَد هَجروا للَّه أوطانَهم هجرا

وَخافَت قُريشٌ من عواقبِ أمرهم

عَلَيها ففي أعقابهم عقّبت عَمرا

وَكانَ النجاشي مِن أئمّة دينهِ

وَكَم لرسولِ اللَّه شاهدَ مِن بشرى

فَفَازَ بإسلامٍ وأرواهُ جعفرٌ

وَأَجرى على عمرٍو بتوبيخه نهرا

قَدِ اِمتُحنوا حتّى تخلَّص صفوُهم

بِتَعذيبهم طوراً وتغريبهم طورا

ليظهرَ كونُ الفضلِ في الناس كلّهم

بِنسبةِ جزءِ الجزءِ من فضلهم نزرا

وَلمّا أرادَ اللَّه نُصرةَ دينهِ

أَتاحَ لهُ مِن نحوِ أنصاره نصرا

فَهاجرَ من أمّ القُرى نحو طيبةٍ

نبيُّ الهُدى والصحبُ قد هجروا الهُجرا

فَسُرّ بهِ الأنصارُ حتّى نساؤُهم

وَصِبيانُهم في مدحهِ أَنشدوا الشعرا

وَيا حبّذا منهم سعودٌ ثلاثةٌ

وَمثلهمُ الباقي فأكرِم بِهِم طرّا

فَسَعدُ معاذٍ سيّد الكلّ مَن له

قَدِ اِهتزَّ عرشُ اللَّهِ أَرفعهُم قدرا

وَسَعدٌ أبو قيسٍ أخو الجودِ لم تزل

تدورُ معَ المختارِ جفنتهُ الغرّا

وَكانَت لسعد بن الربيعِ وصيّةٌ

أَراها لقَلبي كلَّما ذُكِرت ذكرى

فَفي أُحدٍ أَوصى يقول لقومهِ

عَلى حين وافتهُ شهادتهُ الكُبرى

إِذا خَلصوا للمُصطفى وبواحدٍ

حَياةٌ فعندَ اللَّه لن تجدوا عذرا

وَلمّا اِلتقى الصَحبان واِشتدّ أمرهُ

تَلقّى منَ المَولى بحربِ العدا أَمرا

فَباعوا لهُ للَّه أنفسَ أنفسٍ

وَلَم يَجعلوا إلّا رِضاه لها سعرا

وَلمّا اِشتَرى الرحمنُ منه ومنهمُ

بِجنّته هاتيكمُ الأنفسَ الطهرا

غَدا رِبحُهم أَعلى وَأغلى تجارةٍ

فأعظِم بهِ رِبحاً وأكرِم بهم تجرا

فَكَم جاهَدوا في نصرةِ الدين كافراً

وَخاضوا إليهِ الحربَ والحرّ والقرّا

وَما نفَروا يومَ الوَغا من عدوِّهم

بَلى في سبيلِ اللَّه قد نَفَروا نفرا

وَبرّوا بِغزوِ البرّ في كلّ وجهةٍ

وَبالحربِ خاضوا البحرَ واِستغرقوا العُمرا

رَبيعٌ خريفٌ صيفُهم كشتائهم

فَلَم يَرهبوا بَرداً ولم يَرهبوا حرّا

وَكَم رمضانٍ جاءَهم ما تسحّروا

وَقَد أطعموا سمرَ القَنا النحرَ والسحرا

وَصاموا وَما صاموا عنِ الطعنِ في العِدا

وَلكِن عَلى أرواحهِم جَعلوا الفطرا

وَأصبحَ فطرُ الشركِ عيداً لفطرهم

سَعيداً ونحرُ المُشركينَ غدا نحرا

وَقَد زَهِدوا في مالِهم وجمالهم

فَما عَشِقوا بَيضا ولا عشقوا صفرا

أَحبُّ إِليهم لثم سيفٍ مورّدٍ

بِحمرِ الدِما من لثمِ وَجنَتها الحمرا

سلِ البيضَ والسمرَ العوالي عنهمُ

وَسل عَنهُمُ الحمرَ المذاكيَ والشقرا

فَكَم خَفضوا بالكسرِ رأساً لمشركٍ

وَكَم لِلعدا جرّوا كتائبهم جرّا

وَكَم رَفعوا رُمحاً وضمّوا مهنّداً

وَكَم نَصبوا حَرباً وكَم فَتحوا ثَغرا

وَمِن بعدهِ في الرومِ والفرس قصّرت

قياصرُ عنهم حينَما كَسَروا كِسرى

وَقَد مَلكوا الدُنيا بأيسرِ مدّةٍ

فَما فَقَدوا يُسرا ولا وجدوا عسرا

حَكى سفَراً في السلمِ سيرُ حروبهم

كأنّهمُ كانوا على عَجَلٍ سَفرا

لَقَد أَثبتوا بالنصِّ والنصرِ حقّهم

وَللدينِ بعدَ النشءِ قَد عمّموا النَشرا

بِقولٍ وفِعلٍ أيّد اللَّه دينهُ

بِهم حينَما أعطاهمُ النصَّ والنصرا

فَأَطلعهُ كالشمسِ في كلِّ بلدةٍ

وَبثَّ بكلِّ الأرضِ مِن نشرهِ عطرا

فَأكرِم بِصحبِ المُصطفى مَعشراً فما

أُنيلَ الحواريّونَ مِن فَضلهم عشرا

بِمَدحي لَهُم كالآلِ تبريدُ غلّتي

وَلي كَبِدٌ من حبهّم أبداً حرّى

جَعلتُ وَلائي للفريقينِ حجّتي

فَمِن بعدِ إيماني أرى كنزهُ ذخرا

فَأحبب بهم قوماً إذا ذكرهُم جَرى

أُحسُّ لجريِ الحبِّ في مهجتي مجرى

وَإِن عابَهم ذو ضِلّةٍ فكأنّهُ

بأَلفاظهِ أَلقى على مَسمَعي صَخرا

فَخيرُ الوَرى بعدَ النبيّينَ آلهُ

وَلا سيّما أبناءُ فاطمةَ الزهرا

فَبالحقِّ فاقوا الخلقَ إِذ كانَ نجرُهم

لِسيّد خلقِ اللّه قاطبةً نجرا

همُ الطيّبون الطاهرونَ فربّنا

مَحا الرجسَ عَنهم حين طهّرهم طهرا

وَلَم يسألِ المُختار من كلّ مؤمنٍ

على الدينِ إلّا أَن يودّهمُ أجرا

وَأَصحابهُ لا يبلغ الناسُ مدَّهم

وَلا نِصفهُ لو أنفقوا أُحداً تبرا

نُجومُ هدىً من شمسهِ اِقتبسوا الضيا

وَقَد نَشروا في الناس أنوارَه نشرا

وَإِن ذُكِرَت بينَ الورى غزواتهُ

فَقدِّم عليها في سماءِ العُلا بدرا

فللَّه مِنها غزوةٌ كلُّ مؤمن

تَحمّلَ مِن نعماءِ أَصحابها وِقرا

وَكانَ عليٌّ حمزةٌ وعبيدةٌ

أَثافيَها إِن كنتَ شبّهتها قدرا

فَسَل عن عُتاةٍ من قريشٍ قليبهم

فَقَد نجّسَت أَشلاؤُهم ذلكَ السرّا

وفي أُحُدٍ رُؤيا النبيِّ تعبّرت

رَأى بَقراً فيها فعبَّرَها بقرا

وَلَو ثبتَت فُرسانهُ عند أمرهِ

لتمّت لهُ لكنّهم خالَفوا الأمرا

وَيا خيبةَ الأحزابِ حينَ تَشتّتوا

وَكانَ عَليهم ريحُ نُصرتهِ صِرّا

وَأَظهرَ دينَ اللَّه في فتحِ مكّةٍ

وَقوّمَ مِن يومِ الحُديبيةِ الظهرا

وَكانَ لهُ فتح الفتوحِ لأنّه

بهِ نصَبَ الإسلامُ رايتهُ الكُبرى

قَدِ اِنكَسَرت فيهِ قُريشٌ وإنّما

بإِسلامها فيهِ غَدا كسرُها جَبرا

وَيومَ حُنينٍ قَد حَباهم بفضلهِ

مَواهبَ مِن غورِ الحَشا سلّتِ الوغرا

وَصاروا لهُ مِن بعدُ من خيرِ جندهِ

وَقَد عَثَروا لكن أقالَ لهُم عثرا

وَفي نُصرةِ الإسلامِ لمّا تَصدّروا

تَبوّأ كلٌّ من محافلهِ الصدرا

وَعادَت ثَقيفٌ أسلَمت باِختيارها

وَمِن قَبلِها عادَت وقَد حُصِرت حصرا

وَأطلقَ في يومِ المُريسيعِ أُسرةً

أسارى وقَد أَمسى لسيّدِهم صِهرا

وَكَم همّ كفّارُ اليهودِ بغدرهِ

فَخابوا وَما نالوا منَ الظفَرِ الظُفرا

وَعامَلَهم بالرِفقِ والحلم صابرا

فَمِن لُؤمهم لم يتركوا الختلَ والخترا

وَمَهما رَأوا منه وفاءً بذمّةٍ

يَرى كلَّ يومٍ مِن خِيانَتهم خفرا

فَلمّا رَآهم هَكذا شرَّ مَعشرٍ

رَأى الحزمَ أَن يَستعمل الحرب والحذرا

فَقنّعَ خِزياً قينقاعَ بنفيهم

وَزوّدهم فَقراً وأسلمهم قفرا

وَأَجلى نَضيراً بعدَ قطعِ نخيلهم

وَأَحرَمهم من لينهِ التمرَ والبُسرا

وَلمّا اِعتَدَت بَغياً قُريظةُ ساقها

إِلى حَتفها للموتِ قَد حُشِرَت حشرا

وَفي نَشرها بالسيفِ نالت جزاءَها

فَما حَمِدت مِن كُفرها الحشرَ والنشرا

وَخَيبَرُ قَد أَلقَت إِليه حصونها

ذَخائرَها وَالنخلُ سلّمه التَمرا

وَشُجعانُها داموا عَبيداً له بها

مَساحيهمُ أنستهمُ البيضَ والسمرا

وَكانوا ذَوي كرٍّ وفَرٍّ لدى الوغا

فعوّضَهم في حقلهِ الكرَّ والفرّا

وَكانوا بِأعلى مَنعةٍ مِن حُصونِهم

وَلَم يرهَبوا مِن حِرزِها الليثَ والنَسرا

فَلمّا غَزاهم لَم تُفِدهم وأَشبهوا

أَرانبَ مِن خَوفٍ بها لَزِمت وكرا

وَسالَ عَلى وادي القرى سيلُ جيشهِ

فَأجرى بِها ما كانَ في خيبر أجرى

وَساقَ السَرايا للأعاربِ حولهُ

فَما تَركوا لِلشركِ في أرضِهم سورا

وَأَرسلَ مِن أصحابهِ يوم مؤتةٍ

أُسوداً بأرضِ الشامِ قَد زَأَروا زأرا

فَجرّوا عَلى الجيشِ العرمرمِ ثلّةً

بِها قَصروا من قيصرَ العسكر المجرا

وَكَم أَسلمَت مِن غيرِ حربٍ قبيلةٌ

وَما سَمِعَت إلّا التلاوة والذكرا

بِدونِ قتالٍ آمنت يمنٌ وإذ

غَزا بتبوكَ الروم فرّوا وما فرّا

وَما النَصرُ إلّا اللَّه مانحهُ له

ومِن فوقهِ الأسبابُ أَسبَلَها سترا

وَكَم غمَرت قَوماً غمارُ هباتهِ

وَنالَت وفودُ العربِ نائلهُ الغمرا

وَحَجَّ بعامِ العشرِ أفضلَ حجّةٍ

بِها ودّعَ الأصحابَ وَالبيتَ وَالحِجرا

وَعادَ كبدرِ التمِّ تمَّ كمالهُ

وَفي طيبةٍ صارت سحابتهُ قَبرا

وَما حَجَبت عَن قومهِ غير شخصهِ

وَأَنوارهُ قَد عمّتِ البرّ والبحرا

وَخلّفَ شَرعاً مثله ظلّ هادياً

تَبوّأَ مِنهم في مكانتهِ الصدرا

وَمن قبرهِ خيرِ القبورِ أمدّهم

بِنورٍ وطيبٍ أَخجَلا الزهر والزهرا

فَأعظِم بهِ أفقاً به خير نيّرٍ

بهِ ثغرُ دين اللَّه ما زال مفترّا

أَيا صفوةَ الرحمنِ يا خيرَ خلقهِ

وَأَعظَمهُم فَضلاً وأرفعهم قدرا

لكَ الفخرُ كلُّ الفخرِ إذ كنت عبدهُ

وَسدتَ عَلى كلِّ الأنامِ ولا فخرا

وَكلُّ كَمالٍ في الخلائقِ كلّهم

فَأنتَ لهُ أصلٌ وأنت به أحرى

نَعَم أنتَ مخلوقٌ ولست بخالقٍ

ولكِن لكَ الرَحمنُ قَد وكّل الأمرا

وَسوّاكَ شمسَ العالمينَ مُمدّهم

فلَو فَقَدوا إِمدادها أظلَموا فورا

وَإِنّك عبدُ اللَّه قاسمُ فَضلهِ

عَلى خلقهِ تُعطيهمُ القُلَّ والكثرا

أَقبحُ كلِّ العالمينَ جَهالةً

جَهولٌ لمَن لَم يلفِ مِن غيرهِ خيرا

وَمَهما يَكُن في جَهلهِم بكَ مُنكرٌ

فَأعظَمُ منهُ جهلُهم ربّهم نكرا

قَريباً يزولُ الجهلُ عَنهم مَتى رأوا

لِواءكَ تَتلوهُ شفاعتكَ الكبرى

عَليكَ صَلاةُ اللَّهِ مقدار فضلهِ

تَدومُ تَفوقُ الكمّ والكيف والحصرا

وَمِن عَجبٍ أنّ الخلائقَ كلّهم

وَقَد ظهرَ الإِسلامُ لَم يُسلِموا طرّا

وَكيفَ اِختيارُ العاقِلين لغيرهِ

وَلَو عَلِموا أَسرارهُ رَفضوا الغيرا

فَما عاقِلٌ مَن لَم يُصدّق مُحمّداً

وَبُرهانهُ كالشمسِ قَد ظَهَرت ظُهرا

وَلا سِيّما أهلُ الكتابِ فَكَم رأوا

بَشائرَ مِنها طابقَ الخبرُ الخُبرا

بهِ وَرَدت كتبُ المليكِ لرسلهِ

عَلامةُ صدقِ المُصطَفى فوقَها طرّا

بِخاتمِ رسلِ اللَّه مَختومةً أَتت

فَما تَرَكت لِلجاحِدين له عُذرا

لَقَد عَلِموهُ خاتِماً ذا جواهرٍ

وَلَكنّها في كُتبِهم طُمِرَت طمرا

بِها هو أَغنى المُرسلينَ لأنّها

كُنوزٌ بنَت أسلافُهم فوقَها جدرا

أَتى بعضُها نصّاً صَريحاً وبعضُها

أَتى برموزٍ مِثلَما تقرأُ الجفرا

لَقَد علِموه صادقاً غيرَ أنّهم

لحقدٍ بهم مدّوا له النظرَ الشزرا

وَقَد درّبوا مِن شدّةِ الكفرِ وُلدَهَم

على بُغضهِ مِن حينِ شُربهمُ الدرّا

لِما عَلِموهُ مِن تبلُّجِ دينهِ

فَلا أحدٌ إلّا يراهُ هو الأحرى

وَكَم عاقلٍ منهم تحقّق صدقهُ

ولكِن قضاءُ اللَّه قَد حجَرَ الحجرا

سَلاسلُ أقدارٍ منَ اللَّه حُكّمت

بِأعناقِهم قادَتهم للرَدى قَسرا

عَداوَتهم مَوروثةٌ فَقُلوبهم

حياضٌ منَ النيرانِ قد مُلِئت جمرا

وَكَم مِن فَتىً يَدري بفضلِ عدوّهِ

وَيُبعدهُ الضغنُ الّذي ملأ الصدرا

وَيَصعبُ تغييرُ العقيدةِ بعدما

يَعيشُ عَليها المرءُ في قومهِ عمرا

وَكَم ذا رَأينا عاقلاً منهمُ صحا

وَكانَ بخمرِ الكُفرِ مُمتلئاً سكرا

تَشرّفَ بِالدينِ الحنيفيِّ مُسلماً

وَعاشَ بِفضل اللَّه مُمتلئاً شكرا

وَيا قاتلَ اللَّهُ اليهودَ فَإنّهم

أَشدُّ الوَرى كُفراً وَأَخبثُهم مَكرا

عَقيدَتُهم في اللَّه شرُّ عَقيدةٍ

تَنزّهَ عَنها ربّنا وعلا قدرا

وَقَد حرّفوا مثلَ النَصارى كِتابهم

وَزادوا حُروفاً حِبرُها لعنَ الحبرا

وَأَفحشُها يعقوبُ صارعَ ربّه

فَيا بِئسَ هَذا القول مِن فريةٍ تُفرى

عَقيدتُهم تَجسيمُ ما يعبدونهُ

فَكَم عَبدوا جِسماً وَكَم كَفروا كفرا

سَجيّتهم فعلُ الخناءِ وَدينهم

كَأنفسِهم خُبثاً حَوى العارَ والعُرّا

فَلا تَعجَبَن مِن قرفهم أنبياءَهم

وَهُم خيرُهم نَفساً وأطهرهم أزرا

فَفي طَبعهم بغضُ الخيارِ لأنّهم

على الشرِّ والشنّار قد فُطِروا فطرا

وَلا عجَبٌ إِنكارهم لمحمّدٍ

وَقَد فَعلوا من قبلُ في الأنبيا النُكرا

وَكَم أَسفَرت فيهِ بأسفارِ دينهم

بَشائرُ لَكن لَم تجِد عندَهم بِشرا

وَكَم شاهَدوا منهُ شواهدَ جمّةً

زَواهرَ يَعلو نورُها الأنجمُ الزُهرا

وَمَهما يَزِدهُم مِن محاسنِ خيرهِ

يزيدونهُ مِن قُبح إِنكارِهم شرّا

وَكَم أَظهَروا بِالجهرِ حفظَ عهودهِ

منَ الخَوفِ واِختاروا خيانتهُ سرّا

فَأَفناهُمُ بِالقتلِ والنفيِ آخِذاً

لِعيسى وباقي الأنبيا منهم الثأرا

فَكَم مِن نَبيٍّ منهمُ فَتكوا بهِ

فَكانوا وَما زالوا أشدَّ الورى خسرا

وَمِن سادةِ الأحبارِ قد حلّ حبُّهُ

قُلوباً بنورِ العلمِ قَد عُمِرَت عمرا

فَجاؤوا إِليهِ مُسلمينَ لمَا رأوا

بَشائرهُ في كُتبِهم بهَرَت بَهرا

مُخيريقُ بحرِ الجودِ مِنهم وَحبرُهم

فَتى العلمِ عبدُ اللَّه أكرِم به حبرا

وَكَم مِن يَهودٍ صدّقوا سيّدَ الورى

وَلكنّهم كانوا بِنسبتهم نزرا

وَمُؤمنهُم إِيمانهُ ضدّ طبعهِ

وَكافِرُهم بالطبعِ قد ناسبَ الكفرا

خَبائثُهم لا يَنتَهي وصفُ رِجسها

فَكم لوّثوا عَصراً وكم لوّثوا مِصرا

وَقَد مُسِخَت مِنهم خنازيرُ جمّةٌ

وَبَعضٌ غدا قرداً وبعضٌ غدا فأرا

لَقَد شَمِلتهم لعنةٌ بعد لعنةٍ

منَ اللَّه مَغضوبين قَد دُحِروا دحرا

فَدَعهم فإنَّ اللعنَ أَعمى قلوبهم

بهِ عَن شهودِ الحقِّ قَد قُصِروا قصرا

وَقُل للنَصارى ما لكم مع عُقولكم

وَقَد ظهرَ الإسلامُ ولّيتمُ الظَهرا

فَأَنتُم إذاً مثلُ اليهودِ بِجَحدكم

كِلاكُم عنِ الحقِّ المُبينِ قد اِزورّا

أَما عجَبٌ منكُم جحودُ محمّدٍ

وَقَد بَهَرت آياتهُ الشمسَ والبدرا

وَقَد قالَ إنّي مُرسلٌ مِن إِلهكم

فَصدّقه لمّا أتاحَ له النصرا

وَأَنتُم رَأيتُم نصرهُ وسمعتمُ

وَآثارهُ قد عمّتِ البحرَ والبرّا

أَتى الخلقُ بالدينِ القويمِ مُهذّباً

منَ اللَّه إنّ اللَّه لا يشرعُ الهذرا

وَليسَ لَكُم عذرٌ بتركِ اِتّباعهِ

فَإِنجيلُ عيسى عنه صرّحَ بالبشرى

وَتوراةُ موسى قَد تحلّت بذكرهِ

فَكَم زيّنت رُؤيا له عُبرت عبرا

وَدَعوةُ دينٍ ليس تبقى لكاذبٍ

ثلاثينَ عاماً قَد جرى ذلك المجرى

وَدَعوتهُ دامَت وَعمّ اِنتِشارها

سنينَ مئاتٍ أربعاً تتبع العشرا

وَبشّرَ نَسطوراً بهِ ونظيرهُ

بَحيرا وكلٌّ كان في علمه بحرا

وَمِن بيّناتِ الصدق أَعطاهُ ربّهُ

دَلائلَ يَعلو نورُها الأنجمَ الزهرا

وَكَم مِن نَبيٍّ تُؤمنون ببعثهِ

وَما نالَ مِن مِعشارِ آياتهِ العُشرا

وَملّتهُ كالشمسِ في الكونِ أَشرَقت

وَقَد نَسَخت أنوارُها المللَ الأخرى

بِها جمعَ اللَّه المَحاسنَ كلّها

وَقدّسَها القدّوسُ عَن كلّ ما أزرى

وَها أَنا قَد أَوضحتُ ما هو واضحٌ

لَكُم مِن هُدى الهادي وملّته الغرّا

وَبيّنتُ مِن آفاتِ ملّتكم لكم

عجائبَ لا تُبقي لِتابعها عذرا

بَذلتُ لكُم منّي نَصيحةَ مُشفقٍ

وَلا أَبتَغي شُكراً لديكم ولا أجرا

وَلَكن بودّي أنّ دين محمّدٍ

تعمُّ جميعَ الناسِ نعمتهُ الكُبرا

أَجيراننا واللَّه إنّي لَخيركم

مُحبٌّ كنفسي إِذ أُحبُّ لَها الخيرا

أَلا اِنتبِهوا مِن قبل أن تَتَنبّهوا

بِموتٍ ترَونَ الأمرَ مِن بعدهِ مرّا

نَراكُم أدقّ الناسِ فِكراً بصنعةٍ

وَأبلدَ خلقِ اللَّه في ربّكم فكرا

نَرى لكمُ عَقلين عَقلاً لدينكم

وَعَقلاً لِدُنياكم بها زندهُ أورى

وَأمّا الّذي لِلدين فهوَ عِقالكم

عَنِ الحقِّ مَأسورين في قيدهِ أسرا

وَقَد كنتمُ مِن قبل تخفونَ دينكم

حَياءً فلا أدرى لمَ اِخترتمُ النَشرا

وَيا لَيتَكُم أبقيتموهُ مُحجّباً

فَمِن فطنةِ الشوهاءِ أَن تلزمَ الخِدرا

وَواللَّه لَولا أنّكم تَنشورنهُ

لَنا وَكَشفتُم عَن مَعايِبه السِترا

لَما كانَ ذو عقلٍ يَرى أنّ عاقلاً

يَدينُ بهِ مَهما غَدا عقلهُ نزرا

إِذا كانَ فضلُ السبقِ يَحمِلكم على

بَقاءٍ على الدين القديم وإن أزرى

فَكونوا يَهوداً واِعملوا باِعتقادهم

بِعيسى وإلّا فاِتبعوا الملّة الغرّا

أَلَم تَنظروا يا قوم دينَ محمّدٍ

وَفي أُفقهِ شمسُ الهُدى سفَرت سفرا

جَعَلتُم إلهَ العالمينَ ثلاثةً

غَلِطتُم فإنّ اللَّه لا يقبلُ الكُثرا

وَإِذ قلتم كَي تُصلِحوا فحشَ غيّكم

ثَلاثَتها فردٌ غدا أمركم إمرا

ثَلاثتُها فردٌ وفردٌ ثلاثةٌ

فَيا لك زوراً صيّر العقلَ مُزورّا

وَلا عذرَ عندَ اللَّه والعقلِ لاِمرئٍ

يَدينُ بأنّ اللَّه قَد حلّ في العذرا

وَلكنّ روحَ القدسِ إذ جاء نافخاً

بِها حَمَلت عيسى وما بَرِحت بكرا

وَأَلقتهُ طِفلاً مثل أبناء آدمٍ

وَما زادَ شَيئاً عن سواه ولا ظفرا

وَبالدرِّ غذّتهُ فللَّه درّهُ

نَبيّاً كَريماً كان في أمِّهِ برّا

وَقَد كانَ مثلَ الناسِ في كلِّ حاجةٍ

فَيأكلُ مُضطرّاً ويخرجُ مُضطرّا

وَإِن كانَ مِن أمٍّ أَتى دون والدٍ

فَآدمُ من فخّارةٍ أحرزَ الفخرا

وَحوّاءُ في عكسِ المسيحِ تخلّقت

فَلا أمَّ بَل من ضلعِ آدَمها اليُسرى

ثَلاثةُ أَقسامٍ ورابعُها الّذي

بَرا اللَّه مِن أبناءِ آدمَ أو يبرا

وَلَو لَم يَكُن عيسى بَرا اللَّه غيرهُ

لِتكملةِ الأقسامِ أربعةً حصرا

وَذاك دليلٌ أنّه قادرٌ على

خلافِ الّذي فيه عوائدَهُ أجرى

ولمّا حباهُ اللَّه منه نبوّةً

بِها فاقَ كلَّ الخلقِ في عصره خيرا

أَرادتهُ لِلقتلِ اليهودُ فحافهم

عَلى نفسهِ تلكَ النفيسة أن تُزرى

فَصارَ يُنادي مُستَغيثاً بِربّه

وَقادوهُ رَغماً عَن إِرادتهِ جَبرا

وَقَد وَضعوا إِكليل شَوكٍ برأسهِ

شرارُ الوَرى حتّى بهِ سَخروا سخرا

وكانَ له حزبٌ ضعيفٌ فعندما

أَحاطَ بهِ أعداؤهُ للرَدى فرّا

وَساقوهُ مَكتوفاً عليه صليبهُ

إِلى أَن علا في زَعمهم فوقَهُ قَسرا

وَقَد حاوَلت فيهِ النَصارى عقيدةً

لأن يَجعَلوا فوقَ الهوانِ له سِترا

فَقالوا جَرى ما قد جرى باِختيارهِ

لَقَد أَخجلوا وجهَ الحقيقة فاِحمرّا

فَإن كانَ حقّاً ما جَرى باِختيارهِ

فَما بالهُ قد أظهرَ الخوفَ والذُعرا

وَإِن كانَ مَسروراً بقهر عدوّهِ

لهُ فَلِماذا لم يكُن يظهرُ البِشرا

وَقَد كانَ في حزنٍ عظيمٍ فما لنا

نَرى حزبهُ هذا بنكبتهِ سُرّا

وَهبهُ عَلى ناسوتِهِ كان جارياً

فَكيفَ منَ اللاهوت لم يجدِ النَصرا

وَمَع كونِ كلِّ شَطر كلّ بمزجهِ

فَكيفَ بهِ ما حازَ من صلبهِ الشطرا

وَإِن كانَ هذا كلّه كانَ باِبنهِ

فَكيفَ تخلّى عنه أو وجدَ الصبرا

أَما يَستحقُّ الذمَّ يا قوم والدٌ

أَعزُّ بنيهِ لا يشدُّ به أزرا

عَجائِبهم لا تَنقضي فبحزنهِ

لهُم فَرحٌ والكسرُ كان لهم جبرا

وَقَد جَعلوا عيداً لهم يوم صلبهِ

فَكم طَبلوا طبلاً وكم زمروا زمرا

فَيا قومِ هذا يومُ أحزانِكم أما

لَديكم عقولٌ تفرقُ الخير والشرّا

لَعَمري وعمر الحقِّ إنّ فعالكم

دَلائلُ قَطعٍ أنّ في عقلكم عقرا

فَحظّكم حظرٌ لما جوّزَ النُهى

وَجوّزتمُ ما كانَ عندَ النهى حضرا

تَقولونَ ربٌّ ثمّ قلتم عبيدهُ

شرار الوَرى جاروا على صنعته جورا

وَما يَستحقُّ اِسم الإله سِوى الّذي

تَعالى اِقتداراً أن يُهان وأن يُزرى

أَلا أَخبرونا هل سَمِعتم بمعشرٍ

سِواكُم رَأوا في صلبِ ربّهمُ فخرا

فَهذا اِعتقادُ القومِ والحقُّ أنّه

دَعا ربّهُ فَوراً فخلّصهُ فَورا

وَأَلقى عَلى من خانهُ شَبهاً به

فَكانَ هو المصلوبَ إذ دلّهم غدرا

وَأمّا المسيحُ الحقُّ فاللَّه خصّه

بِرفعٍ إليهِ حيثُ بالمُصطفى أسرى

هَنيئاً لهُ مِن مُرسلٍ عند ربّهِ

بِأهنأِ عَيشٍ لا يجوع ولا يعرى

وَأكرمهُ أحلى الكرامة بَعدما

قَضى مرَّ عيشٍ بين أعدائهِ مرّا

وَكَم مِن دَعاوٍ يدّعونَ لصلبهِ

تودُّ لَها الأسماعُ أَنّ بِها وقرا

يَقولونَ كلُّ الناسِ مِن نسل آدمٍ

بِزلّته في سجنِ إبليسَ قد قرّا

إِلى أَن أَتى عيسى فَداهُم بِنفسهِ

وَأَبدَلهم بالعسرِ مِن سِجنهم يُسرا

وَما ذَنبُهم إِن كانَ آدمُ قَد جنى

نَعَم قَد جَنى واللَّهُ قَد جبرَ الكسرا

وَيَحملُ إِن لم ينف مَولاهُ وزرهُ

فَما بالُهم قَد حمّلوا غيرهُ الوِزرا

وَيُمكنُ عفوُ اللَّه عَن كلِّ مُذنبٍ

وَما يَقتَضي أَن يركب المركبَ الوعرا

رَمى نفسَهُ بالصلبِ والضربِ والأذى

وَما أذنَبت يا بئسَ ما مَعها أجرى

وَأَظلم كلّ الناسِ ظالم نفسهِ

بإهلاكها حتّى بها قد وَقى الغيرا

فَإن لَم يَكُن خيرٌ لديه لنفسهِ

فَهل أحَدٌ منه يَرى بَعدها خيرا

وَإِن كانَ شرّ العالمين لنفسهِ

فَمَن ذا الّذي مِن نحوهِ يأمنُ الشرّا

وَلَو صحَّ هَذا لاِقتضى فيهِ أنّهُ

أَقلُّ الوَرى عَقلاً وأضعفُهم فكرا

وَأَفعالهُ مثلُ المَجانين ما لها

لَدى عقلاءِ الناس من حكمة تدرى

فَما لِلنَصارى يثبتونَ اِحتقارهُ

وَقَد زَعموا أَيضاً ألوهتهُ الكُبرى

وَحاشاهُ مِن هذا وذاكَ وكلّ ما

عَلا عنهُ مِن وصف الألوهةِ أو أزرى

كِلا طرفَي حقِّ النبوّة باطلٌ

فَمَن زادهُ قَدراً كمن زادهُ حقرا

أَليسَ إِذا ما قلتَ للعبدِ سيّدٌ

تَكونُ بهِ في حقّهِ ساخِراً سخرا

إِلى اللَّه مِن خفضِ اليهودِ لقدرهِ

بَرئتُ وَمِن رفعِ النَصارى له أَبرا

وَلكنّهُ مِن سادةِ الرسلِ سيّدٌ

وَأَرفعُ خلقِ اللَّه في عصره قدرا

نَبيٌّ رسولٌ مِن أُولي العزمِ كلّنا

نُواليهِ والأَولى به صاحبُ الإسرا

عَليهِ مِن اللَّه السلام يحوطهُ

وَيدفعُ عنهُ ذلكَ الزورَ والإزرا

وَواللَّه إنّي في المنامِ رأيتهُ

كَما وصفَ المُختارُ ذا طلعةٍ حمرا

وَخاطبتهُ في بعضِ شأنٍ قصدتهُ

لَهُ خدمةً منّي له فليَ البشرى

وَقَد عبَدوا شكلَ الصليبِ كأنّه

إِلهٌ وأنّ اللَّه سلّمه الأمرا

وَما هوَ إلّا قِطعتا خشبٍ علت

بِعرضٍ على إحداهُما القطعةُ الأخرى

بِصورةِ إنسانٍ ولكنّ رأسهُ

وَكفّيهِ وَالرجلين قد بُتِرَت بترا

قَدِ اِلتَصَقت فَخذاه والساقُ واحدٌ

وَمدَّ يديهِ باليمينِ وَباليُسرى

فَلا قَدمٌ يَسعى بِها فهو مُقعدٌ

وَأقطع لا شبراً حواه ولا فترا

وَإِنّا نراكُم تنظرونَ عيوبهُ

مَحاسنَ مسحورينَ في شكلهِ سحرا

وَهَب أنّ أوصافَ الألوهة قد سرت

بِعودٍ عليه ذلكَ الجسمُ قد قرّا

فَمِن أينَ جاءَت كلّ شيءٍ مصلّبٍ

وَمِن ذاتهِ ما مسّ بطناً ولا ظهرا

وَمِن أينَ حلّت في إِشارَتكم بهِ

عَلى جِسمِكم تستدفعونَ بهِ الشرّا

أَفي كلِّ شَيءٍ ناقضَ العقلَ دينكم

كأنَّ عليكم في وِفاقِ النُهى حجرا

مَتى أحَدٌ مِنكم رأى قطّ واحداً

رَأى مِن صليبٍ قَد تقلّدهُ خيرا

فُتِنتُم بهِ مِن غيرِ أسبابِ فتنةٍ

يُقالُ لأهليها لعلَّ لَهُم عُذرا

هوَ الوثنُ الأعلى الّذي عمّ شرّهُ

فَما اللات وَالعزّى وثالثةٌ أخرى

فَلَم يُرَ في الأكوانِ شكلٌ كشكلهِ

بِفتنتهِ الشيطانُ قَد نَشرَ الكفرا

وَلَم يُر في الأوثان في كلّ بلدةٍ

بِها عُبِدت ما حازَ من شرّه العشرا

فَلا غروَ أنّ المُصطفى كانَ عندَما

يَرى شكلَهُ في الشيءِ حوّله غَيرا

لَقَد كانَ يَشكو الجورَ لو كانَ عاقلاً

فَقَد حمّلوهُ مِن غَرائِبهم إِصرا

فَطَوراً ترى مثواهُ فوقَ رؤوسهم

وَطَوراً تراهُ تحتَ أَقدامِهم خَصرا

وَكَم عَبدوا وسطَ الكنائسِ شكلهُ

كَصورةِ عيسى وَالحَوارين والعذرا

فَهَذي هيَ الأوثانُ وهيَ بيوتها

وَكَم أَنفقوا تِبراً وكم نَذروا نذرا

فَما بالُهم قَد أَلحقوا الذمّ كلّه

بِمَن عَبدوا الأصنامَ والعجلَ والثورا

أَما يُنصِفونَ القومَ فالأمر واحدٌ

كِلاهم عنِ الدينِ القويم قد اِزورّا

وَسيّدنا عيسى بَريءٌ وأمّه

منَ الشركِ أو أن يَمنحا مُشركاً شكرا

وَكَم فَتياتٍ راهباتٍ وفتيةٍ

رَهابين من زهدٍ بِهم سَكنوا دَيرا

وَيا حبّذا تلكَ الفعالُ لو اِنّها

تَكونُ معَ الإسلامِ نالوا بها أجرا

وَلَكنّهم مَع شِركهم بإِلههم

وَلَم يُؤمِنوا بالمُصطفى ضيّعوا العُمرا

فَوا أسفا من حَبسهم لنفوسهم

لَقَد خَسروا الدُنيا وما ربحوا الأخرى

وَلكنّهم كفّوا عنِ الخلقِ شرّهم

وَما أَوصَلوا للناسِ نفعاً ولا ضرّا

فَلَو كانَ تركُ الشرِّ يَقضي بشكرهم

عَلى ما بِهم أكثرتُ في حقّهم شُكرا

وَشبّه إِذا ما شئتَ بالضبِّ بعضهم

ثَوى لِخداعِ الناس من ديره جحرا

وَمِنهم قسوسٌ خالَفوا الناس للأذى

وَجرّوا علَيهم مِن لَظى غيّهم جمرا

رَموا بِسهامِ الخبثِ في كلّ بلدةٍ

كَسلحِ الحَبارى حينَ ترمي به الصَقرا

وَقَد زَعَموا التبشيرَ لكنَّ ربّنا

يُكذِّبُهم إِذ قالَ في الذكر لا بُشرى

فَيا بئسَ هُم مِن مُجرمينَ جَزاؤُهم

سُجونٌ من النيرانِ تحجرهم حجرا

أَضرّت بِهم أنوارُ دين محمّدٍ

فَهرّت منَ الأنوارِ أكلبهم هرّا

وَكَم نَبحوهُ وَهو في الأفق طالعٌ

وَلكنَّ نبحَ الكلبِ لا يصل البدرا

وَما ساءَني إِغواؤهم لمعاشرٍ

منَ الناسِ ضلّوا أبدلوا كفرَهم كفرا

وَلكنّهم عاثوا وَلاثوا وأفسدوا

وَشنّوا على الإسلامِ من شركهم شرّا

أُولئكَ أقوامٌ إذا قال قائلٌ

همُ شرُّ خلقِ اللَّه قلتُ له جيرا

وَمِن أعجبِ الأشياء خبزٌ وخمرةٌ

إِذا طفقَ القسّيسُ فوقهما يقرا

يَصيرانِ حالاً لحمه ودماً له

فَأعجِب بهِ خُبزاً وأعجب بها خمرا

أَما يَستحيلُ اللَحمُ والدمُ في الحشا

إِلى قَذرٍ لا أَستحبُّ لَه ذكرا

فَهَل أحَدٌ في الكونِ يرضى لنفسهِ

بِهذا فَيرضى الربُّ سُبحانهُ برّا

وَكَم قَد أتى في الأرضِ منهم طوائفٌ

إِلى عصرهِ عصرٌ قَفا قبلهُ عصرا

فَلَو أَكلوا عيسى وَآلافَ مثله

لَما كانَ يَكفيهم عشاءً ولا فطرا

وَلَو شَرِبوا أَضعافَ ما فيه من دمٍ

لَما كانَ يرويهِم وَلو قَد جَرى نَهرا

رَوى لهمُ الراوونَ عنه مقالةً

كُلوا واِشربوا لَحمي دمي الخبزَ والخمرا

فَإن قالَ ذو عقلٍ لهم إنّ قولهُ

مَجازٌ بِمَعنى أَن يُديموا له الذِكرى

وَخَصّص قوتاً ليسَ يُنسى بحالةٍ

لِذكراهُ كلُّ الناسِ لا زال مضطرّا

يَقولونَ بَل هذا الحقيقةُ عينُها

دَماً شَرِبوا منه وقد أكَلوا هبرا

وَمَن لَم يُكذّب حسّه باِعتقادهِ

وَيَرضى بِهذا ينسبونَ لهُ الكُفرا

فَلَم يبقَ مِنهم عاقلٌ غير كافرٍ

وَأصبحَ زِنديقاً إذ اِستقبَح الأمرا

مَتى كانَ شرطُ الدين جنّة أهلهِ

وَإِن أعمَلوا فِكراً به عملوا كُفرا

مَتى كانَ شرطُ الدين إن قالَ قِسُّهم

لِزنجيّةٍ شَقرا يقالُ نعَم شقرا

فَلا تلمِ الدهرين إِن سَخِروا بهم

وَإِن خَسِروا أيضاً فمن جهةٍ أخرى

وَلا تَنسَ خنقَ القسِّ مَن كان مُشرفاً

عَلى موتهِ إِن كان بالظنِّ لا يبرا

يمدُّ يديهِ قابضاً فوق حلقهِ

لِيقبضَ تلكَ الروح يعصرهُ عصرا

يَقولونَ إِن لم يقبضِ القسُّ روحه

يُباشِرُها الشيطانُ يَأخذُها قهرا

وَيَبقى بنيرانِ الجحيم مخلّداً

وَإِن كانَ أَتقاهم وأكثرهم برّا

وَأَخبَرني منهم فتىً فرّ هارباً

فَعاشَ زَماناً طال من بعد أن فرّا

وَيا ليتَ شعري كَم قتيلٍ معلّقٍ

بِرقبةِ ذاكَ القسِّ قَد جرّهُ جرّا

وَهل يُعجِزُ اللَّهَ الشفاءُ وإنّه

لَيُحيي الّذي من ألف عامٍ ثوى قبرا

وَكَم مِن مَريضٍ آيسٍ من حياتهِ

وَبتّ كثيرٌ من أطبّائه العُمرا

شَفى سُقمه الرحمنُ مِن مَحضِ لطفهِ

وَعمَّره من بعدِ أَن يَئِسوا دَهرا

وَإِذ عجَزت عنهُ صناعةُ طبّهم

أَجابوا نَعم فوقَ الصناعةِ قَد يَبرا

وَمِن أَقبحِ الأشياءِ حسناء غداةٌ

كأنَّ بِعَينيها إِذا نَظرت سحرا

مَحاسِنُها تزري بأحورَ مائسٍ

رَنا واِنثَنى كالسيفِ وَالصعدةِ السَمرا

سَبى الناسَ مِنها رِدفُها وَقَوامُها

وَوَجنَتُها الحَمرا وَمُقلتها الحورا

تَجيءُ عَليها الحليُ والحللُ اِنجلت

مُعطّرةً مصقولةً صفّتِ الشعرا

بِها يَختلي قِسّيسُها وهوَ أعزبٌ

شَقاشقهُ مِن توقهِ هدَرت هدرا

فَتَعترفُ الأُنثى له بذنوبها

ولَو بِالزِنا سرّاً ليمنَحها الغفرا

وَلا جائزٌ منهم هجومٌ عليهما

وَلَو بَقِيا في السرِّ وَحدهما شهرا

وَربَّ اِمرئٍ من غير قصدٍ عراهما

فَشاهدَ مَدهوشاً بعروتها الزرّا

وَمَن لَم يَكُن يُجري اِعترافاً كهذه

فَذلكَ أَشقى القومِ أعظمهُم وزرا

فَأفٍّ لدينٍ يهتكُ العرضَ بالرِضا

وَيوهمُ ربَّ العرض أنّ لهُ أجرا

مَساكينُ أهل العقلِ منهُم فكَم رَأوا

مَناكير لكن ما اِستَطاعوا لها نُكرا

وَلَو تُرِكوا فيما أرادوا وَعَقلهم

لَمالَ إِلى الإسلامِ جُمهورُهم جهرا

وَلَكن بحُكمِ الإرثِ للدينِ قلّدوا

رَهابينَهم مَهما رَأوا طعمهُ مرّا

فَعاشوا نَصارى ظاهرينَ بِدينهم

وَليسَ لَهُم دينٌ إذا كوشِفوا سرّا

وَمِنهم نَرى في كلِّ وَقتٍ جماعةً

بِإِسلامِهم نالوا السعادةَ والفخرا

وَكَم بَينَنا مِن مُسلِمين جُدودُهم

نَصارى على الشيطانِ قَد أَحرزوا النصرا

وَقامَ بِهم قَومٌ غَدا كلّ واحدٍ

عَلى نفسهِ في حكمِ مَذهبهِ حبرا

وَقَد قَطعوا ما بينَهم من علائقٍ

وَبينَ رَهابين بها اِستَعبَدوا الحُرّا

وَقَد نَبذوا ما أظهَرَت من زوائدٍ

مَجامِعُهم ممّا بهِ أثقَلوا الظَهرا

وَضمّوا إلى التوراةِ إِنجيلَهُم فقط

بِها وبهِ أحكامُهم حُصِرَت حَصرا

وَتَحريفُ هذي الكتبِ أيضاً محقّقٌ

فَقَد نَسبت للأنبيا الفسقَ والكُفرا

فَيلزمُهم أَن يَحذِفوا كلّ شرّها

وَأَن يَقصُروا في الخيرِ مضمونها قصرا

وَلَو فَعلوا هذا لما كانَ كافياً

إِذا لَم يكُ الرحمنُ في دينِهم وِترا

وَلَو فَعَلوا هَذا وذاكَ لَما نجَوا

إِذا لَم يَدينوا دينَ ملّتنا الغرّا

فَما برحَ التثليث للَّه دينهم

وَصلب الّذي يدعون ربّهم قهرا

وَيا حبّذا لو هُم أتمّوا فأَلحقوا

بِما قَطعوهُ مِن زوائدهِ الخدرا

فَكلُّ بلاءِ الدين باقٍ بحالهِ

وَما حَذفوهُ منه أيسره شرّا

فَما برحَ الإصلاحُ في الدين ناقصاً

كأنّهم لَم يَفعلوا ذلك الخيرا

وَما ثمّ إِصلاح سِوى دين أحمدٍ

وَقَد عَزفوا لكنّهم كابروا كبرا

تَقولونَ فوقَ العقلِ أسّس دينكم

صَدقتُم فماتَ العقلُ من تحته حَصرا

فَعِشتُم بِلا عقلٍ تدينون ربّكم

بهِ وعليهِ دينكم قَد غَدا قَبرا

وَهَذا كلامٌ ديّروهُ لدينهم

يقيهِ لأنّ العقلَ يرمي به دبرا

وَلَو كانَ فوقَ العقل لم تك مدركاً

وقَد أَدركت منهُ النُهى كلّ ما أزرى

نَعَم هوَ ضدُّ العقلِ ما هو فوقه

وَأَحكامهُ في اللَّه أعظمها نكرا

وَأَشكل معناهُ لدى كلّ عاقلٍ

وَشاكلَ في آفاتهِ لبُّهُ القشرا

وَما خيرُ دين ليسَ تُدركه النهى

تَغورُ عَلى أَغوارِ أسراره غورا

وَلَكنّ فضلَ الدينِ يبدو إذا أتت

عليهِ عُقول الناس تسترهُ سترا

كَما أنَّ دينَ اللَّه دين محمّدٍ

لَهُ يسّرَ المَولى أئمّته الغرّا

لَهُ صنّفوا فِقهاً حَديثاً تصوّفاً

عَقائد تفسيراً بإِسنادها تُدرى

وَقَد شَغلوا الأعمارَ في درسهم له

بِآلاتهِ حتّى بهِ اِستغرَقوا الدهرا

وَقَد ضَبطوا بالنقلِ والعقل شرعهُ

فَدامَ عَلى أوصافهِ ذهباً نضرا

وَكيفَ بِلا عقلٍ يكون تديّنٌ

إِذاً كلّفوا المجنون والطفل والعيرا

أَليسَ مدارُ الدين عقلاً مكمّلاً

لِيُدركَ حكمَ اللَّه والنهيَ والأمرا

عِبارة فوقَ العقل سجنٌ مضيّقٌ

لَقَد حَصروهُم في مضايقهِ حصرا

نَعَم ربّنا فوقَ العقول بذاتهِ

حَقيقتهُ غَيبٌ عن الخلقِ لا تُدرى

وَكلُّ الوَرى في كنههِ ذو جهالةٍ

حَيارى فإنّ اللَّه يَدري ولا يُدرى

وَلكنّنا نَدري بتعريفهِ لنا

كَمالاتهِ والكونُ عن نورهِ اِفترّا

وَأَنتُم وَصفتم ربّكم بمعايبٍ

تُلامونَ لو كُنتم وصفتم بها هرّا

وَهل جائِزٌ أَن يجعلَ اللَّه دينه

يَعودُ عليهِ بالحقارةِ والإزرا

فَشتّان دينُ اللَّه دين محمّدٍ

وَما شاركَ القسّيسُ في وضعهِ الحبرا

لَقَد غلبَ الأديانَ بالحقِّ دينهُ

كَما غلبَ الليثُ الغضنفرُ سنّورا

وَلمّا بَدا للكونِ ذلّت لعزّه

كَعُصفورةٍ في الجوّ قد شاهَدت صقرا

وَإِن يكُ في شيءٍ بهِ شبهٌ بها

فَذاكَ كَما قد أشبهَ الذهبُ الصفرا

أَيا عُقلاء الناسِ هل ثمّ عاقلٌ

عَلى أنفسِ الياقوت قد فضّلَ الصخرا

وَهَل كانَ أو هل قَد يكون أخو حجىً

إِذا خيّروهُ اِختار عَن درّةٍ بعرا

وَهَل أحَدٌ فيه أقلُّ بصيرةٍ

يَقولُ بِأنَّ التبنَ قَد يفضلُ التبرا

وَمَن ذا الّذي يختارُ أرضاً وبيئةً

عَلى روضةٍ صحّ الهواء بها خضرا

أَما ثمّ فَرقٌ بين عينٍ وأختها

فَواحدةٌ حورا وواحدةٌ عورا

فَأَديانُهم مع ديننا قد تَباينت

لهُ المثلُ الأعلى لها المثلُ الأزرى

وَلمّا بَدا عجزُ النَصارى بدينهم

أَتَوا بدليلٍ يهذرونَ بهِ هذرا

فَقَد زَعَموا أنّ الفرنجَ نجاحُهم

بِدُنياهمُ يُعطي إلى دينهم فَخرا

لَقد أخطأَوا فالقومُ صاروا لسقمهِ

زَنادقةً دانوا الطبيعة والدهرا

وَقَد طَلبوا الدُنيا بِغايةِ جهدهم

كَما جَعلوا في حيّزِ العدمِ الأُخرى

وَمَن جدَّ في قطعِ البحار بعزمهِ

غَدا عزمهُ فوقَ البحارِ لهُ جِسرا

عَلى يدِهم أَبدى القديرُ بفضلهِ

إِلى الخلقِ مِن آثارِ قُدرتهِ قدرا

كَقطرةِ بحرٍ من بحارِ اِقتدارهِ

إِلى الناسِ أَجراها فَكانوا لها مجرى

بِها اِفتُتنوا كالخمرِ طاشَت عُقولهم

بِها وَبِها زادوا عَلى سُكرِهم سكرا

عَلى أنّها في الكونِ لا في مكوّنٍ

وَما وَصلت للبّ بَل خصّتِ القِشرا

بِها كَشفوا عَن بعضِ ما هو كامنٌ

منَ السرِّ سرِّ اللَّه في خلقه سترا

وَأَسرارهُ في كلّ شيءٍ كثيرةٌ

وَقَد تَنجلي طوراً ولا تنجلي طورا

وَإِن أَنكروا مِن غيّهم خلقَ ربّنا

جَميعَ الّذي فيهم وفي غيرهم أجرى

فَقولوا لَهم فَليَخلقوا لِشعيرةٍ

وَمِنهُم أصولُ الخلقِ أو يخلقوا بُرّا

وَلَن يَقدِروا لَو أفرغوا كلّ وسعهم

مَدى الدهرِ في التخليقِ أَن يخلقوا شَعرا

وَكلُّ اِختراعٍ جاءَ منهم فأصلهُ

منَ اللَّه مخلوقٌ فما صنعوا غيرا

وَلَكنّه أوصافهُ قد تبدّلت

وَخالقُ أصلٍ خالقٌ كلّ ما يطرا

وَمَع كونِهم في الطبِّ فاقوا وخيّلوا

بِتصويرِ أمرٍ كونه ذلك الأمرا

لو اِجتَمعوا من أوّل الدهرِ جملةً

لَما اِختَرعوا روحاً إذا صوّروا ذرّا

وَقَد صوّروا عَيناً لفاقدِ نورها

وَما صوّروا نوراً فما بَرِحَت عورا

وَكَم مِن صحيحٍ ماتَ إِذ تمّ عمرهُ

وَقَد حَكموا أَن لا يُرى ميّتاً دهرا

وَكَم مِن سَقيمٍ قرّروا حتمَ موتهِ

فَعاشَ برغمٍ من قواعِدهم عمرا

عَجائبُهم مَهما تعاظمَ شأنها

أقلُّ شؤونِ الحقِّ يَجعلها صغرى

وَمِن رقّةٍ في الدينِ وَالعرضِ أَصبحوا

بِأَنفُسهم كلٌّ غَدا حاكماً حرّا

فَما غيّرَت أَخلاقهُم قطُّ غيرةٌ

وَإِن شاهَدوا زَوجاتهم تصحبُ الغَيرا

وَلَيس بإزراءٍ بهم مسُّ عِرضهم

فَأَعراضُهم ليسَت تشدُّ بهم أزرا

فَقَد جَعَلوا للرَقصِ في وقتِ لَهوهم

لَياليَ أُنسٍ كَم لَهُم أطلعت بدرا

فَزَوجةُ ذا في حضنِ هذا وَزوجها

بِزوجتهِ أَجرى الّذي معها أجرى

فَضائِحُهم لِلصلحِ صارَت ذريعةً

فَلا أَحدٌ يُبدي على أحدٍ فخرا

نِساءٌ رِجالٌ كالعراةِ تَعانَقوا

بأحسنِ أَشكالٍ تُثير الهوى قهرا

فَلَو نظرَ العنّين فيهنّ نظرةً

لَما اِحتاجَ في تَقويمِ قوّتهِ أخرى

وَأَتقى عباد اللَّه ليسَ بممكنٍ

هُنالكَ تَقواهُ إِذا لم يكُن صَخرا

مَعاركُ أحبابٍ بها جيشُ أُنسِهم

بِفوزٍ على عذّالهم أحرز النصرا

فَلا تلم اِبناً قد تولّدَ بعدها

إِذا لَم يكُن طوعاً لوالدهِ برّا

فَإِن لَم يَكُن هذا زناءً فإنّه

أَخوهُ سِوى أنّ الزِنا فعلهُ سرّا

وَمِن قبلِ هذا ما سَمِعنا بأمّةٍ

قَدِ اِستَحسنَته هكَذا علناً جهرا

وَلَو خيّروا في فعلِ ذلكَ مُسلماً

وَأُنثاهُ لاِختارا على فعلهِ القَبرا

حَياؤُهما قد ناسبَ الدينَ مِنهما

كَما أنّ هتكَ العرض قد ناسبَ الكفرا

فَنَحمدُ ربَّ العالمينَ لشرعهِ

حِجاباً عنِ الإسلام قَد حَجَبَ العهرا

وَكَم زوجةٍ منهم وزوجٍ تباغَضا

وكلٌّ قدِ اِستَغنى بأحبابهِ دهرا

وَللزوجِ ما تَأتي بهِ من خليلها

من الولدِ مَنسوبٌ وإن زَنَيا جهرا

وَلَو شُرعَ التطليقُ فيهم لطلّقوا

وَعُوّض كُلٌّ من بغيضٍ له خيرا

وَكَم زَوجةٍ حسناءَ لكنَّ زَوجها

تَضرّر مِنها حينَما عقرت عقرا

قَضى العمرَ لا نَسلٌ ولو حلّ عندَهم

تَعدُّدُ زَوجاتٍ لما ضيّع العُمرا

وَليسَ لهُ عذرٌ بحيضٍ ونحوهِ

وَأَعذارُها ليسَت تُفارقُها شَهرا

فَإِن طلبَ الطبعُ الحلالَ ولم يجد

يُخافُ عليهِ أن يزين له الشرّا

وقَد حظرَ اللَّهُ الزناءَ وإن تكن

قَوانينُهم قَد لا تَرى في الزِنا حظرا

وَإذ جَحَدوا الأديانَ لم يتقيّدوا

وَقَد زوّجوا مَن شاءَ مِن ملّةٍ أخرى

فَدينَ النَصارى ليسَ يحسبُ دينهم

فَقَد خَرَجوا منهُ وما دخلوا غيرا

وَعُذرهمُ كالشَمسِ في تَركِهم له

وَمِن جَهلِهم باللَّه قَد عَبَدوا الدَهرا

وَمِن جودهِ تَعجيلهُ فضلهُ لهم

وَتَأجيلهُ التأديبَ لِلنَشأةِ الأُخرى

وَحَكّمَهم في المُؤمنينَ لِحكمةٍ

بِبعضِ النَواحي وهوَ في ملكهِ أدرى

وَكَم كانَ حكّامُ الممالكِ قبلنا

فراعنةً جاروا على رُسلِهم جورا

تَذكّر خَليل اللَّه واِذكُر كليمهُ

وَأَسباطَ إِسرائيل إِذ سَكنوا مصرا

تَذكّر حبيبَ اللَّه قبلُ بمكّةٍ

وَلا تَنسَ عيسى والحوارينَ والعَذرا

فَيمتحنُ الأحبابَ جلّ جلالهُ

وَيستدرجُ الأعداءَ يُملي لهم مكرا

لهُ الملكُ يُؤتيهِ إِلى من يشاؤهُ

إِلى مُؤمنٍ طَوراً إلى كافرٍ طورا

وَلكِنّ عُقبى الأمرِ للمتّقي له

بِدُنياهُ والأُخرى له فيهِما البُشرى

لهُ الخلقُ للأكوانِ وَالأمرُ كلُّهُ

لهُ الدينُ والدُنيا فما شاءَه أجرى

فَكَم من غبيٍّ كانَ أَغنى زمانهِ

وَكَم مِن ذكيٍّ ماتَ من فقرهِ قهرا

وَكَم مِن تقيٍّ عاشَ في الفقرِ راضياً

وكَم مِن شَقيٍّ كانَ أَغنى الورى طرّا

فَقارونُ أَغنى الناس قَد كان كافراً

وَآجرَ موسى نفسهُ حِججاً عَشرا

وَأَزهدُ خلقِ اللَّه عيسى بعصرهِ

وَما قطُّ أَغوى الناسَ بالمالِ أو أغرى

فَلَو عَمِلوا بِالدينِ كانوا بِحكمهِ

أَشدَّ الوَرى زُهداً وأكثرهم فقرا

هُما الدينُ والدُنيا كميزانِ تاجرٍ

إِذا اِنحطّ منهُ كفّةٌ عَلتِ الأخرى

وَقَد يَجمعُ اللَّهُ السعادة فيهما

لِعبدٍ ويُعطي آخرَ الفقر والكفرا

وَأَكرِم بمَن قَد حازَ في الناس ثروةً

بِسعيٍ جَميلٍ في الحلالِ به أثرى

وَلا سيّما مَن كانَ يُنفقُ مالهُ

لِتأييدِ دين اللَّه ينصرُهُ نَصرا

كَعُثمانَ أَغنى الجيشَ والجيشُ معسرٌ

وَجهّزهُ إبلاً وجهّزهُ تِبرا

فَلو كانَ عندي ألفُ قلبٍ يحبّهُ

وَألفُ لسانٍ ما وفيتُ له شكرا

وَحسبُكَ أنَّ المُصطفى قال عندما

أَتاهُ بِها ما ضرَّ عثمان ما ضرّا

فَيا أمّةَ الإسلامِ في الدين مجدُكم

وَقَد أدركَت أعداؤُكم ذلكَ السرّا

عَقارِبُهم دبّت لَكم فتحفّظوا

وَلا تَحسبوا جَمراً أتَوكم به تَمرا

وَقَد زَعموا مَع لينهم حبَّ خَيركم

فَلا تُخدَعوا مَن في الأفاعي رأى خيرا

أَلا اِنتَبِهوا فالقومُ دسّوا لِدينكم

دَسائسَ كُفرٍ قَد تَغرُّ اِمرءاً غرّا

وَأَعظمُها شَرّاً مدارسُ في القرى

وَفي البدوِ والأمصارِ قد نُشِرت نشرا

تُربّي لَكُم أَطفالكم في حجورها

وَقَد جَعلَت درسَ الضلالِ لهم درّا

فَصارَ كثيرٌ منهم مثلَ أَهلها

سِوى الزيِّ وَالأسماء واِتّحدوا كفرا

أَلا فاِنظُروا كم أخرجَت مِن بنيكمُ

زَنادِقةً بالكفرِ قَد رَبِحوا الخُسرا

وَصاروا منَ الأعداءِ لا فرقَ بَينهم

سِوى أنّهم في الدينِ أعظمُهم ضرّا

وَهُم كلَّ يومٍ باِزديادٍ ودينكم

يزيدُ بِهم نَقصاً وربحكمُ خُسرا

فَكيفَ بمَن يأتونَ مِن بعدِ عصركم

إِذا دامَ هذا فاِلعنوا ذلكَ العصرا

وَكَم نادمٍ من وضعِ أولاده بها

وَقَد سَبَقت أسيافُها العذلَ والعذرا

أَلا اِنتبهوا ما قد مضى غيرُ عائدٍ

وَبِالحزمِ بعدَ اليوم فاِستقبِلوا الأمرا

وَمَن يدّعي الإسلامَ وهو مُثابرٌ

عَلى الغيِّ لم يبرَح به الشهرَ والدهرا

وَليسَ لهُ أعمال خيرٍ فؤادهُ

بِأنوارِها يبيضُّ مِن بعدِما اِغبرّا

فَلا صامَ لا صلّى ولا حجّ لا له

زَكاةٌ ولا أعمالُ برٍّ بها برّا

كَمَن قَد تربّي في مدارسَ شُيّدت

لِتَخريبِ دينِ اللَّه عاشَ بها عمرا

فَصارَ يُحبُّ الكافرينَ وشبههم

يَرى لذّةً في قُربِهم ويَرى فخرا

مُناسَبةٌ قد أَلَّفت بينَ أهلها

تَجرُّ إِلى الأشكالِ أشكالَهم جرّا

وَيكرهُ أهلَ الدينِ حتّى قريبهُ

وَلا سيّما مَن كانَ أشعثَ مُغبرّا

وَما ذَنبُهم إلّا تمدّنهُ وهُم

عَلى فطرةِ الإسلامِ قَد فُطِروا فَطرا

فَإِسلامُ هَذا مثل ثوبٍ مزوّرٍ

رَقيقٍ فمَن يُكساهُ في حكمِ مَن يَعرى

فَذلكَ عريانٌ وإن كان كاسياً

وَأَفضلُ منهُ مؤمنٌ لبسَ الطِمرا

وَكَم هالكٍ في الكافرين عدادهُ

وَإِن كانَ بينَ المسلمينَ حَمى قَبرا

نَعَم علّموا أولادَكم كلّ نافعٍ

منَ العلمِ إنَّ العلمَ أعظمُ أَن يُزرى

وَلا سيّما ما فيهِ تأييدُ دينكم

فَأَعداؤُكم بالعلمِ قَد مَلَكوا الأمرا

أَعدّوا لهُم من قوّةٍ ما اِستطعتمُ

فَلا يقبلُ المَولى لإِهمالكم عُذرا

وَمِن دونِ علمٍ كيفَ تحصلُ قوّةٌ

نَكفُّ بِها عنّا منَ المُعتدي الضرّا

فَيَلزَمُنا بِالمال والحالِ كسبُها

وَبِالعلمِ إنَّ العلمَ آلتُها الكُبرى

وَلكنَّ حفظَ الدينِ شَرطٌ محتّمٌ

فَلا خيرَ في الدُنيا إذا ضاعتِ الأخرى

وَلا تَيأَسوا من رحمةِ اللَّه إنّكم

مَتى ما أطعتُم ربّكم جبَرَ الكَسرا

وَهذا الّذي مِن سخطهِ تشهدونهُ

جَرائرُكم رُدّت فجرّت لَكُم جمرا

وَكَم صالحٍ فيكُم ولكنَّ فِتنةً

بِها كَثُرَ الأخباثُ عمّمتِ الشرّا

وَيَنصُركم إِن تَنصروهُ بطاعةٍ

بِأن تَتبَعوا مِن شرعهِ النهيَ والأمرا

أَلَم تَعهدوهُ ناصراً عند نصركم

لَهُ فَبِتركِ النصرِ قد تَرك النَصرا

فَعودوا يَعُد فهوَ الكريمُ وإنّه

إِذا اِعتذرَ الجاني لهُ يقبلُ العُذرا

عَسى ولعلَّ اللَّه يأتي بفتحهِ

وَيُحدثَ للإسلامِ مِن لُطفهِ أمرا

أَلَم يَشرحِ الرحمنُ صدرَ مُحمّدٍ

وَأَكّد أنّ العسرَ يَستصحبُ اليُسرا

هَنيئاً لعبدٍ عاش في الناس مسلماً

وَلَم يَعتقد شركاً ولم يَعتنق كفرا

فَذاكَ مليكُ العصرِ لَو باتَ طاوياً

وَأَمضى جميعَ العمرِ في عيشةٍ غبرا

فَعُقباه عندَ اللَّه جنّةُ عدنهِ

وَيَنسى بِحلوِ الفوزِ كلّ الّذي مرّا

وَأَخسرُ خلقِ اللَّه مَن كانَ كافراً

وَإِن مَلَكَ الدُنيا وَعاشَ بِها دَهرا

فَعُقباهُ في أُخراه أسوأُ حالةٍ

وَمَثواهُ نارُ اللَّه قَد زَفَرت زفرا

فَيا مَعشرَ الإسلامِ فُزتُم بِحظّكم

فَحمداً لِمولاكم وشَكراً له شكرا

وَيا معشرَ الكفّار موتوا بِغَيظكم

فَما نَفَعَتكم حينَ ذُكّرتمُ الذِكرى

لَعَمري لئن فضّلتُ دينَ محمّدٍ

وَملّتهُ لَم آتِ بدعاً ولا نكرا

وَإِن هامَ قَلبي في محبّتها فكم

بِها مِن كرامِ الناسِ ِمن مُغرمٍ مُغرى

وَإِنّيَ لَم أُخدَع بِظاهرِ حُسنها

وَما دونَ تَحقيقٍ فُؤادي بها اِغترّا

وَلَكن عَلى علمٍ بسرِّ جمالها

تَعشّقتُها قِدماً وكنتُ بها أدرى

فَفي كلِّ مَعنىً قَد حَوت حُسنَ يوسفٍ

وَقَد زَهَرت أَنوارُها بأبي الزهرا

وَكلُّ فتىً منّا غَدا في غرامِها

زُليخا وكلُّ الأرضِ قد أَصبحت مِصرا

وَقَد أَشرَقت بينَ البَرايا شُموسها

كَما أَطلَعت في كلِّ أفقٍ لها بدرا

وَمُذ نَشَأَت طابَ الزمانُ كأنّما

بهِ نَشَرت في كلِّ ناحيةٍ عطرا

وَجمّلَ أقطارَ البلادِ جمالُها

وَما حَرَمت مِن حسنِ طلعتها قُطرا

وَمِن عَجبٍ أنّي أحنُّ لِقربها

وَلَم أُخلِ مِن قَلبي وقولي لها ذِكرا

وَما فارَقتني لَحظةً منذُ نَشأتي

وَما ذُقتُ في عُمري بوقتٍ لَها هَجرا

وَلو فارَقتني لَحظةً ذبتُ حسرةً

وَلَم أُلف في وُسعي على بُعدِها صَبرا

وَمِن لُطفِها تَدنو ذِراعاً لعاشقٍ

إِذا ما دَنا بالحبِّ مِن حيِّها شِبرا

وَمَن جاءَها يَمشي لها مُتقرّباً

فَمِن فَضلها تَأتيهِ هَرولةً طفرا

فَللّهِ مِن مَحبوبةٍ كلُّ وَصفِها

جَميلٌ فدَع في الحبِّ عمرَة أو عمرا

حَبَت لِمُحبّيها المكارمَ كلّها

بِكلّ اِرتياحٍ وهيَ تُبدي لهُم شكرا

وَمَن جاءَها مِن هفوةٍ متنصّلاً

وَمُعتذراً ممّا جنى تقبلُ العُذرا

وَما رَضِيت إلّا أغرّ مهذّباً

جَواداً ولَم تقبَل لِصُحبتها عيرا

وَلَم ترضَ إلّا عالِماً بِمحاسنٍ

بِها اِنفرَدت في الكونِ لا جاهلاً غمرا

وَما عندَها كُفؤٌ سوى كلِّ عاقلٍ

وَلَم تَشتَرِط إلّا كمالَ النُهى مهرا

حَبيبةَ قَلبي وَالمحبّةُ شِرعةٌ

نَدينُ بِها وَالصدقُ آيتُها الكبرى

أَسرتِ فُؤادي وهوَ راضٍ بأسرهِ

وَلَم أرَ مَأسوراً سواهُ اِرتَضى الأسرا

تَملّكتهِ عَبداً لك الدهرَ طائعاً

وَأَبغضُ شيءٍ عندهُ أن يُرى حرّا

وَلَيس لديّ العتقُ حلواً مذاقهُ

وَلَو ذقتُ في حبّي لكِ الحنظلَ المرّا

وَلَم أدَّخر كَنزاً سواكِ وإنّما

جَعلتُ ثَباتي في محبّتكِ الذخرا

فَأنتِ مُنى نَفسي وغايةُ مقصدي

وَلولاكِ لَم أحفَل بِدُنيا ولا أخرى

وَلَو خُيّرَت نَفسي بهجركِ والغِنى

لَكان اِختياري فيكِ أَن أصحبَ الفقرا

وَلَو عنكِ عوّضتُ المَمالك كلّها

لَكانَ بِعيني كلُّ أَعدادِها صفرا

عَدُوّي مَن عاداكِ مِن كلِّ ملّةٍ

وَإِن عمّرَ الإحسانُ منهُ ليَ العُمرا

وَمَولايَ مَن ولاكِ مِن كلّ فرقةٍ

وَإِن هوَ قَد أولانيَ الضيمَ والضيرا

وَأَحملُ كلَّ الهجرِ من كلِّ هاجر

سِواكِ وإنّي منكِ لا أحملُ الهجرا

وَوَاللَّه لا أَرضى فراقكِ لحظةً

وَلَو عوّضوني ملكَ كلّ الورى الدهرا

إِذا قلتُ أختُ الروح أنتِ فصادقٌ

سِوى أنّكِ الكبرى وَروحي هي الصغرى

فَدتكِ نفوسُ العالمينَ مليكةً

وَأسألُ ربّي أَن يُديمَ لك الأمرا

وَلَستِ كَهاتيكَ الضرائرِ كلّها

عَواهرُ بينَ الناسِ أسّستِ العهرا

وَعَنها اِنتَهى في العاشقينَ أولو النهى

وَلَم تغرُرِ اللخناءُ إلّا اِمرءاً غرّا

وَكلُّ جَمالٍ أنتِ في الكون أصلهُ

وَأصلُ جميعِ القبحِ ضرّاتك الأخرى

وَعَمّمتِ نشرَ الخيرِ في سائرِ الورى

كَما أنّها قَد عمّمت في الورى الشرّا

فَمِن أجلِها وجهُ الخليقةِ عابسٌ

وَثغرُ جميعِ الكائناتِ بكِ اِفترّا

وَلَو كانَ كلُّ الخلقِ مثليَ شاعرا

وَفيكِ وَفيها نوّعوا النظم والنثرا

لَما بَلَغوا في قُبحها عُشر وَصفها

وَما بَلغوا مِن حسنِ أوصافك العشرا

فَهاكِ أَيا خيرَ الحِسان قصيدةً

تُجدّدُ مِن حسّان في عَصرنا ذكرا

تُنافحُ عَن خيرِ الأنام ودينهِ

وَتَكشفُ عَن أديانِ أعدائهِ السترا

حَقائق حَقٍّ لا خيالات شاعرٍ

وَلَكنّها سحّارةٌ تسحرُ السِحرا

عَروسُ المَعاني في بديعِ بيانها

تُزفُّ على أسماعِ أهلِ النُهى بِكرا

تَكادُ لِحُسنِ السبكِ لَو فاه مُنشدٌ

بِشَطرٍ أَتمَّ السامِعونَ له الشطرا

إِذا ما رَواها راهبٌ صارَ راغباً

بِحسنكِ يا حسناءُ مهما غَدا غرّا

تَحلّى بِها جيدُ الزمانِ لأنّني

نَظمتُ بها بِالدرِّ أوصافكِ الغرّا

وإِن كنتِ عنّي قد رضيتِ فقد كفى

وَحَسبي بهِ لا أَبتغي فوقهُ أَجرا

بِمَدحكِ قَد شرّفت نَفسي وَمدحتي

وَسامِعها والطرسَ والخطَّ والحِبرا

وَعَفواً أَيا ذات المحاسنِ إنّني

حَصِرتُ ولَم أبلُغ بِمدحي لكِ الحصرا

وَقصّرَ شِعري عَن مَحاسنكِ العلا

وَإن عَبر البحرَ الطويلَ إلى الشِعرى

وَلستُ على الأقرانِ مُفتخراً بهِ

وَلَكِنّ لي في خدمةِ المُصطفى الفخرا

أُنافحُ عَن خيرِ الأنام ودينهِ

وَأمَّتهِ والناسُ قَد رَهِبوا الكُفرا

وَليسَ لِخيرِ الخلقِ حسّان واحدٌ

يُدافعَ عنهُ الإفكَ وَالشركَ والشرّا

وَلَكن لهُ في كلّ عصرٍ جماعةٌ

وَإِنّي بهَذا العصرِ منهُم ولا فخرا

يَمدُّهُم القدّوسُ من روح قدسهِ

فَينفخُ فيهم ذلكَ الولدَ البرّا

وَإِمدادُ كلِّ الخلقِ مِن سيّد الوَرى

فَلَولاهُ لَم نحسِن بهِ النظمَ وَالنثرا

فَكَم مم قُصوري صغتُ فيهِ قصيدةً

بِها كلُّ بيتٍ فاقَ مِن جوهرٍ قصرا

وَكَم مِن كتابٍ لو أتى بنظيرهِ

إِمامٌ كبيرٌ كانَ مَنقبةً كُبرى

بِنثرٍ يفوقُ العقدَ حُلّ نظامهُ

فَيُزري به نَظماً ويُزري به نثرا

جَواهرُها بعضٌ كبارٌ وبعضُها

صِغارٌ وأكرِم بالكبيرةِ والصغرى

فَلا تَتعجّب مِن كمالِ جَمالها

وَنَقصي فَكم ذا أخرجَ الصدَفُ الدرّا

وَسارَت بِها الرُكبانُ في كلّ بلدةٍ

فَما تَرَكت برّاً وَما تَركَت بَحرا

يَكادُ أَخو الذوقِ السليمِ لسكرهِ

بِها طَرباً يا صاحِ يَحسبُها خَمرا

وَيُلفي بِها الذوق السقيم مرارةً

كَما ذاقَ حلوَ الشهدِ ذو المِرّةِ الصفرا

فَكَم من إمامٍ في الزمان وعارفٍ

كَبيرٍ أرى لي خدمتي نَعلهُ ذُخرا

رَآها كعقدٍ زيّن العصرَ حسنهُ

فَيا حُسنها عقداً ويا قبحهُ عَصرا

تَمتّع بِها إِن كنتَ تَهوى محمّداً

وَإلّا لأهليها فَدَعها فَهُم أدرى

بِنعمةِ ربّي إنّني مُتحدّثٌ

وَما قَصَدت نَفسي بها الفخرَ وَالكِبرا

نَعَم أَنا فخري بالنبيِّ محمّدٍ

وَأنّيَ مِن أبناءِ ملّتهِ الغرّا

وَذلكَ فَخرٌ لو يفاخرُ مسلمٌ

بهِ الدهرَ في أدوارِهِ غَلَبَ الدَهرا

فَلا عَجبٌ إن قلتُ هل من مفاخرٍ

وَأَحجمَ عنّي سائرُ الملل الأخرى

أُفاخرُهم مهما حييتُ فإِن أَمُت

أُفاخرُ مَوتاهم فَأَغلبهم طُرّا

وَأمّا كَلامي بالنبيّ فَجوهرٌ

وَما أَنا غوّاصٌ ولَم أَخُضِ البَحرا

وَلَولا رسولُ اللَّه قلّدني بهِ

لَما وجَدت عِندي قلائدهُ صدرا

فَمِنه إليهِ راجعٌ فهوَ بحرهُ

أَمدّ بهِ فِكري فأمطره درّا

وَإِلّا فَما مِثلي يجيءُ بمثلهِ

وَلكنَّ عَزمَ المُصطفى يفجرُ الصَخرا

عليهِ مِنَ الرَحمن أَسنى صلاتهِ

وَأكثرُها عدّاً وأَعظمُها قَدرا

بِأعدادِ ذرّاتِ الوجودِ وعظمهِ

تَدومُ دوامَ اللَّه لا تقبلُ الحَصرا

وَللَّه كلُّ الحمدِ في كلِّ لَحظةٍ

يُضاعَفُ لا يَفنى بدُنيا ولا أخرى

معلومات عن يوسف النبهاني

يوسف النبهاني

يوسف النبهاني

يوسف بن إسماعيل بن يوسف النبهاني. شاعر، أديب، من رجال القضاء. نسبته إلى (بني نبهان) من عرب البادية بفلسطين، استوطنوا قرية (إجْزِم) - بصيغة الأمر - التابعة لحيفا في شمالي فلسطين...

المزيد عن يوسف النبهاني

نبذة عن القصيدة :

قصيدة للشاعر\ة يوسف النبهاني صنفها القارئ على أنها قصيدة دينية ونوعها عموديه من بحر الطويل


حرف الشاعر

تصنيفات الدول

تصنيفات العصور

بحور الشعر

نوع القصيدة

الجنس