الديوان » لبنان » عمر الأنسي »

لا تعتب الوغد اللئيم إذا أسا

عدد الأبيات : 96

طباعة مفضلتي

لا تعتب الوَغد اللَئيم إِذا أَسا

وَاِصبر عَلى مرِّ الإِساءة وَالأَسا

فَلرُبَّ عَتبٍ لا يفيدُ سِوى العَنا

أَو أَن تُهان بِهِ النُفوس فَتبخَسا

لا ذَنبَ إِلّا لِلزَمان فَقَد بَغى

حَتّى دَعا الأَذناب أَن تَتَرأسا

تَبّاً لَهُ زَمَناً لَو اِستَقضيته

حَقّاً لَكانَ مِن اِبنِ يَوم أَفلَسا

زَمَن يُؤخّر كُلّ رَبّ شَهامَةٍ

وَيُقدّم السفهاء أَن تَتَحَمَّسا

زَمَنٌ بِهِ ذلّ الأُسود كَما بِهِ

عزّ الكِلاب جُرأةً وَتَفرّسا

زَمَنٌ بَنى بَيت الكَمال عَلى شَفا

جُرُفٍ وَبَيت النَقص شادَ وَأَسَّسا

زَمَن تنكّر كُلّ مَعرفة بِهِ

أَوَ ما تَرى علَمَ العُلوم مُنَكَّسا

أَوَ ما تَرى مَن كانَ خَير منعَّمٍ

أَمسى بِبَأساء الخُطوب مبأّسا

أَو ما تَراهُ قَد اِدلهمَّ بخطبهِ

حَتّى أَراك مِن السِنين الحرمسا

يَلقى اللَئيم بِوَجهِهِ مُتَبَسِّماً

حَتّى إِذا لَقيَ الكَريم تَعبَّسا

زَمَنٌ دَعاني أَن أُقابل وَجهَ مَن

لَو قابل البَحر الخضمّ لنجّسا

وَلَو اِنّ ذرّة رَوث كَلب أَجرَب

قيست بِهِ كانَت أَعَزَّ وَأَنفَسا

لا شَمَّتت صبح الولادة حامِلٌ

إِن رامَ بَعدُ بمثلهِ أَن يَعطسا

وَلرُبَّ يَوم قَد ذرعت بِهِ الفَلا

أَفري المهاد تَعسّفاً وَتَوعّسا

بِمَهامهٍ قفرٍ يَضلُّ بِها القَطا

وَيَظلُّ حرباءُ الهَجير مرهمسا

عَبثت بِها هوجُ الرِياح فَطالَما

دَعَت المَعالم دونَها أَن تطمسا

فَغَدَوت أَسأل عَنهُ كُلّ مُقبَّحٍ

فَظٍّ تَشعّث صورَةً وَاِعلنكسا

حَتّى وَصَلت لِداره لا حُيّيت

طللا وَلا رحبت فناً وَمعرّسا

فَنَظرت بَيتاً لا أَشكّ بِأَنَّهُ

بَيت الخَلاء لِمَن يُريد تَنفّسا

وَدَليله أنّ الخَنافس أَقسَمَت

أَن لا تُفارق في فَناه الجِرجِسا

وَتَسابق الجرذان في عَرصاته

زُمَراً تَنوَّع جَيشها وَتجنّسا

وَبِهِ العَناكب طالَما قَد خَيّمَت

أَو طنّبت حَتّى تَستّر وَاِكتَسى

نَسجت لَهُ أَردى كِساً فَكَأَنَّما

نَسجت لَهُ إِستَبرَقاً أَو سُندسا

بَيت بِهِ الحَشَرات وَالحَسرات تَس

تدعي بِهِ العفريت أَن لا يَجلسا

بَيت تُجاوره القُبور وَما بِهِ

مَن يَستَحقّ إِذا قَضى أَن يرمسا

فيهِ الذُباب تَنوَّعَتَ أَلوانُهُ

ما بَينَ أبرش مسبطرّ وَأَدبسا

أَو أَزرَق قَد سَدَّ عَين الشَمس أَو

مَلأَ الفَضا لَو رامَ أَن يَتَشَمَّسا

وَبَنات وردان إِلَيهِ تَوارَدَت

وَتَصادَرَت لَمّا أَتَتهُ تَبهلسا

وَالبقّ كادَ بِهِ يَسير تَزحزحاً

لَو لَم يَكُن فَوقَ المَزابل قَد رَسى

وَنَما فَأَوشك أَن يَمور تَخاسفا

وَأحقّ مِنهُ بأهله أَن يخفسا

وَبِهِ بَراغيث تَكاد لِجوعها

تَرعى التُراب أَو الأَصمّ الحرمسا

مِن كُلّ ذي جسم تَراهُ جرافسا

وَتَخالهُ عِندَ الوُثوب حبرقسا

وَثَباتها وَثب الفُهود رَشاقَةً

وَثَباتها مثل الأُسود تَفرّسا

وَالفارسيّ النمل فيهِ لَقَد غَدا

أَسطى مِن اللَيث الهصور وَأَفرَسا

وَعَقارب سود تسلّ صَوارماً

بيضاً لَها حمر المَنايا مُكتَسى

وَأَراقم رقطٌ تَهزّ أَسنّة

زُرقاً تَقدّ بِها الحَديد الأَملَسا

بَيت الخَنا لا صَيف فيهِ وَلا شِتا

يُلفى كَما لا صُبح فيهِ وَلا مسا

بَيت لَوَ اِنّ الخَلق ضاقَ بِها الفَضا

ما ودَّ إِنسان بِهِ أَن يَأنَسا

وَلَو اِنّ آصف قَد عَصاهُ الجنّ لَم

يَحكم عَلَيهِ بِغَيرِهِ أَن يُحبَسا

وَلَقَد أَقول وَقَد طَرقت فَناءه

وَشَهدت هاتيك الرُسوم الدرَّسا

ما لِلكِلاب نَوابِحاً بوصيده

أَفَغير خنزير هُناك فَيحرسا

فَأَتيته وَأَمام مَهريَ خادم

قَد كانَ يُدعى قِرقِساً أَو مرجسا

وَدَعاهُ أَن يَأتي إِليَّ فَجاءه

مُتحسّساً مَتململاً مُتحَمِّسا

وَسَعى إِلَيَّ وَقَد تَزمَّل برنساً

في مشيةِ الكَلب العَقور تبرنسا

فَفطنت مِن خلل الستار بِكُلّ ما

شَيطانه في صَدرِهِ قَد وَسوَسا

مَكر لَو اِبتليَ الصَباح بذرّةٍ

مِنهُ لَعادَ عَلى البَديهة حُندسا

وَلوَ اِنّ إِبليس اللعين أَتى لَهُ

وَرَأى حَبائل مَكره لتحرَّسا

حَتّى ظَهَرتُ لِوجهِهِ فَرَأيتهُ

قَد خمَّس الفكر الخَبيث وَسدَّسا

وَلَقد أَحالوني بِقبض دَراهمٍ

مِنهُ عَلَيهِ فَحينَ لَم يَستأنِسا

وَلّى وَقَهقهر وَاِكفهرّ بخلقةٍ

شَخناءَ تَكسوها الدجنّة عنجسا

وَأَبى وَفكَّرَ ثُم قَدَّرَ ثُم أَد

بَرَ باسِراً فَغَوى فَضلّ فَأَبلسا

وَطَمعت مِنهُ بِفَجر وَعدٍ كاذبٍ

فَرَأَيت لَيل الخلف طالَ وَعَسعَسا

حَتّى أَيستُ مِن الصَباح لِأَنَّهُ

لَو كانَ في قَيد الحَياة تَنَفَّسا

مَن للرذيلِ بِأن يكونَ له بهِ

ذكرٌ على طولِ المدى لا يُنتسى

ألبستهُ خزيَ المذمّة وَالهجا

فَكَأَنَّهُ حلل المَدائح ألبسا

مثل المؤمّل مِن مَواعدِهِ وفاً

مَثَلُ المؤمّل مِن جهنّم مقبسا

طَمع العَنيدُ لجهله بِهديّةٍ

منّي تسهّل وَجهُهُ المدلمسا

فَلأتركنه اليَوم مضغة قادحٍ

يَرقى بِهِ بين الأَنام عرندسا

بئس العَداوة أَن يُعادي شاعِراً

من راح أَقداح الفُنون قَد اِحتَسى

أَو لَيسَ لِلشُعراء سَيف قاطع

ماضٍ يطيرُ عَن الرِقاب الأرؤُسا

عِندي مِن الذمّ الذَميم دَراهم

بِالصَرف مِنها لا تقلُّ فَأفلسا

وَغُصون أَقلامي النديَّة ما اِنبَرَت

مُنذُ اِنبَرَت في رَوض طرسي ميَّسا

تسقى بِماءٍ قَطّ ما سُقيت بِهِ

إِلّا زَكَت أَصلاً وَطابَت مغرسا

عقد إِذا نَفثت بِهنّ مَحابر

مِنها اِستَعاذ أَخو الحجا أَن يُبئسا

عَقدوا عَلَيها بِالخَناصر أَنَّها

عقد تحلُّ بِها الكُروب تَنَفّسا

شَمّاءُ ما لانَت لِغَير مكرَّم

كَلّا وَلا مِنهُ الفُؤاد لَها قَسا

مِن كُلّ مَمشوق القَوام تَخالهُ

في تيهه الرَشأ الأَغنّ الأَلعسا

ينسيكَ سحبان البَيان فَصاحَةً

وَتَظنّهُ قَبل التَكَلُّم أَخرَسا

تَخذ السَواد مِن المداد مَلابِساً

سوداً فَكانَت تِلكَ أَحسَن مُكتَسى

وَغَدا لَهُ أَسنى البَياض مواطِئاً

وَلِذا اِستَحَقَّ لِأَن يجلّ وَينفسا

تِلكَ الَّتي هِيَ خلّة لِذَوي الوَفا

وَعَلى الأَعادي لا تَزال درومسا

نَزّهتها عَن ذَمّ أَفجر ناقص

كَي لا يَقولوا قَد هَجَوت مبرطسا

تَعرو قَراطيس النِظام إِهانَةً

مِن ذِكرِهِ فَتَكاد أَن لا تمسسا

وَيُراع إِن فاه اليَراعُ بِبَعض ما

طبعت عَلَيهِ طِباعه أَن يدنسا

مَن علَّل النَفس الأَبيّة بِالمُنى

لا شَكّ يوشك أَن يَملّ فَييئَسا

وَمَن اِرتَدى بِالخلف عُرّيَ حَيث لا

يَلقى سِوى العار المَهين لَهُ كسا

عَكف العَنيد عَلى الخَديعة مِثلَما

عَكَفت عَلى رَوث البَهيم الخُنفسا

وَالصلُّ أَشأَم ما يَروعك معطبا

مِنهُ وَأَنعَمُ ما يَروقك مَلمَسا

أَنّى يَكون لَدى الأَنام مكرَّما

مَن كانَ أَشأم مِن طويس وَأَنحَسا

أَيَطيب أَصلاً وَهوَ أَقبَح مِن قَذىً

لا أَصَل يُدعى للدعيّ فيأرسا

فَدعاءُ ما حَلَبت عشار قَبيلةٍ

إِلّا اِستَحال الدرُّ أن يَتبَجّسا

لَمّا دَعاهُ قَومهُ بِاِبن الخَنا

غَلطاً وَكانَ أَذلّ مِنهُ وَأَنجَسا

أَضحى يُعارضهم فَأَنكَر وَاِدَّعى

نَسَباً وَكانَ بِما اِدَّعاهُ مدلسا

وَاِعتادَ أَكل البعر حَتّى ظَنَّهُ

أَحلى مِن الرطب الجنيِّ وَأَسلَسا

وَربا فَكانَ إِذا تَمرّض طَبعه

وَأتوا بِهِ كَي يَعرضوه عَلى الإِسا

وَصَفوا لَهُ بَول الكِلاب تَرشّفاً

قَبل المَنام وَبَعد ذَاكَ تَغطّسا

وَعقيب ذَلك أَن يَكون غِذاؤُهُ

مِمّا سلحنَ تَمعلكاً وَتَمعلسا

يا أَرذل القَوم اللئام إِلى مَتى

أَملي يَعلّله لعلَّ وَهَل عَسى

كَلّفتني نظمَ الهِجاء وَلَم يَكُن

دَأبي وَلَكنَّ الأَسى لا يُنتَسى

وَلَقد أَتَتكَ فَريدة لَو شامَها

إِبليس يا اِبن الأَرذلين لأُبلسا

قابلت طولك يا بَليد بطولها

بَل لَيسَ مَوضوع هُناكَ فَيعكسا

وَتَعجرفت أَلفاظها بِمعجرفٍ

فَهيَ العملّس حَيث كُنت غَملّسا

لَكنّ مَعناها أَرَقّ مِن الصبا

لطفاً لَدى مَن بِالقَريض اِستَأنَسا

تَشتمُّ نَشر عَبيرها فَكَأَنَّما

تَشتمّ مِن رَوض العَباهر نَرجسا

وَإِذا أَساءَ إِليّ مثلك أَنشَدَت

لا تعتب الوَغد اللَئيم إِذا أَسا

معلومات عن عمر الأنسي

عمر الأنسي

عمر الأنسي

عمر بن محمد ديب بن عرابي الأنسي. شاعر أديب متفقه. في شعره رقة وصنعة. مولده ووفاته ببيروت. تقلب في عدة مناصب آخرها نيابة قضاء صور. له (ديوان شعر) جمعه ابنه عبد..

المزيد عن عمر الأنسي

تصنيفات القصيدة