الديوان » العصر العباسي » مهيار الديلمي »

إذا عم صحراء الغمير جدوبها

عدد الأبيات : 107

طباعة مفضلتي

إذا عمّ صحراءَ الغُمَيرِ جُدوبُها

كفى دارٌ هندٍ أنَّ جفني يصوبُها

وقفتُ بها والطَّرفُ مما توحَّشتْ

طريدُ رباها والفؤادُ جَذِيبُها

وقد دَرسَتْ إلا نشايا عواصفٌ

من الريح لم يَفطُنْ لهنّ هُبوبُها

خليليَّ هذي دار أنسي وربما

يَبينُ بمشهودِ الأمور غُيوبُها

قِفا نتطوّعْ للوفاء بوقفةٍ

لعلّ المُجازِي بالوفاء يُثيبُها

فلا دارَ إلا أدمعٌ ووكيفُها

ولا هندَ إلا أضلعٌ ووَجيبُها

وعَيَّرتُماني زفرةً خَفَّ وَقدُها

مَليَّاً وعيناً أمسِ جفَّتْ غُروبُها

فإن تك نفسي أمسِ في سلوةٍ جَنَتْ

فقد رجع اليومَ الهوى يَستتيبُها

وإن يُفْنِ يومُ البين جُمَّةَ أدمعي

فعند جُفوني للديار نصيبُها

تكلِّفني هندٌ إذا التحتُ ظامئاً

أمانيَّ لم تُنْهَزْ لِريٍّ ذَنُوبُها

وأطلبُ أقصىَ ودّها أن أنالَهُ

غِلاباً وقد أعيى الرجالَ غَلوبُها

بمنعطِف الجِزعَيْن لَمْياءُ لو دَعَتْ

بمدينَ رُهباناً صَبَتْ وصليبُها

إذا نهض الجاراتُ أَبطأَ دِعْصُها

بنهضتها حتى يخفَّ قَضيبُها

تَبَسَّمُ عن بِيضٍ صوادعَ في الدجى

رِقَاقٍ ثناياها عِذَابٍ غُروبُها

إذا عادتِ المسواكَ كان تحيَّةً

كأنّ الذي مسّ المساويكَ طِيبُها

وكم دون هندٍ رُضْتُ من ظَهرِ ليلةٍ

أشدَّ من الأخطارِ فيها ركوبُها

فنادمْتُها والخوفَ تُرْوِي عظامَها ال

مدامُ ويَرْوَي بالبكاء شَريبُها

إذا شربتْ كأساً سَقَتنْي بمثلها

من الدمع حتى غاض دمعي وكُوبُها

حَمَى اللهُ بالوادي وجوها كواسياً

إذا أوجهٌ لم يُكْسَ حُسْناً سَليبُها

بَواديَ وَدَّ الحاضرون لو انها

مَواقِعُ ما أَلقتْ عليه طُنوبُها

إذا وصَفَ الحُسْنَ البياضُ تطلَّعَتْ

سَوَاهِمُ يُفْدَى بالبياضِ شُحوبُها

ولله نفسٌ مِن نُهاها عذولُها

ومِن صَونِها يومَ العُذَيْبِ رقيبُها

لكلِّ محبٍّ يومَ يظفَرُ رِيبةٌ

فَسَلْ خَلَواتي هل رأت ما يريبُها

إذا اختلطت لذَّاتُ حُبٍّ بعارهِ

فأنعَمُها عندي الذي لا أُصيبُها

وساء الغواني اليومَ إخلاقُ لِمَّتي

فهل كان ممّا سَرَّهنّ قشيبُها

سواءٌ عليها كَثُّها ونَسيلها

وناصلها من عِفَّتي وخضيبُها

وتعجَبُ أن حُصَّتْ قوادمُ مَفرِقي

وأكثرُ أفعالِ الزمانِ عجيبُها

ومن لم تغيّره الليالي بعدّهِ

طِوالَ سِنيهَا غَيَّرته خُطوبُها

إذا سُلَّ سيفُ الدهر والمرءُ حاسرٌ

فأهون ما يَلقَى الرءوسَ مَشيبُها

يعدِّد أقوامٌ ذُنوبَ زمانهم

فمن لِي بأيّامٍ تُعَدُّ ذُنوبُها

يقولون دارِ الناسَ تَرْطُبْ أكفُّهم

ومَنْ ذا يدارِي صخرةً ويُذيبُها

وما أطمَعَتْني أوجهٌ بابتسامها

فيُؤْيِسَني ممّا لديها قُطوبُها

وفي الأرض أوراقُ الغنى لو جَذبتُها

لَرَفَّ علىأيدي النوال رطيبُها

إذا إِبِلي أمستْ تُماطَلُ رَعْيَها

فهل يَنفَعنِّي من بلادٍ خَصيبُها

عَذيريَ من باغٍ يودّ لنفسِهِ

نزاهةَ أخلاقي ويُمسِي يَعيبُها

إذا قَصَّرتْ عنِّي خُطاه أَدَبَّ لي

عقاربَ كيدٍ غيرُ جِلْدي نسيبُها

ومِن أَمَلِي في سيّد الوزراء لي

مطاعمُ يَغْنَى عن سواها كَسوبُها

إذا ما حَمَى مؤيَّدُ المُلْكِ حَوزةً

من الصُّمِّ لم يقدِرْ عليها طَلوبُها

عليَّ ضَوافٍ من سوالفِ طَوْلهِ

يجرِّرُ أذيالَ السحاب سَحوبُها

وعّذراءَ عندي من نداهُ وثيِّبٍ

إذا جُلِيَتْ زانَ العُقودَ تَريبُها

عوارفُ تأتي هذه إثْرَ هذه

كما رافدَتْ أعلَى القناةِ كُعوبُها

إذا عُدّدَ المجدُ انبريْنَ فوائتاً

عُقودَ البنانِ أن يَعُدَّ حسيبُها

حلفتُ بُمسْتَنِّ البطاحِ وما حَوَتْ

أسابيعُها من مَنْسَكٍ وحَصيبُها

وبالبُدْنِ مُهداةً تُقادُ رقابُها

مُوَفَّقةً أو واجباتٍ جُنُوبُها

لقام إلى الدنيا فقام بأمرها

على فترة جَلْدُ الحصا وصليبُها

وغَيْرانُ لا يُرضيه إصلاحُ جسمه

بدارٍ إذا كان الفسادُ يشوبُها

وقَاها من الأطماع حتى لو انه

جرى الدَّمُ فوق الأرض ما شَمَّ ذيبُها

ومدّ عليها حامياً يَدَ مُشْبِلٍ

له عصبةٌ بعدَ النذير وثُوبُها

يَدٌ كلُّ ريح تَمترِي ماءَ مُزْنها

فما ضرّها ألاَّ تهُبَّ جَنُوبُها

أرى شِبهَهُ الأيّامَ عادتْ بصيرةً

ومُذنِبَها قد جاءَ وهو مُنيبُها

وذلّتْ فأعطاها يدَ الصفح ماجدٌ

إذا سِيلَ تَرَّاكُ الذُّحولِ وَهُوبُها

لكَ اللهُ راعي دولةٍ رِيعَ سَرْحُها

وراح أمام الطاردين عَزِيبُها

طوتْ حُسنَها والماءُ تحت شفاهها

غِراثاً وأدنى الأرضِ منها عَشيبُها

إذا ما تراغت تقتضي نصرَ ربِّها

فليس سوى أصدائها ما يُجيبُها

وقد غَلَب الطَّالِينَ عَرُّ جلودها

وفاتت أكفَّ المُلحِمينَ نُقُوبُها

لها كلّ يومٍ ناشدٌ غير واحدٍ

تَقَفَّى المُنَى آثارَها فيُخيبُها

ومُطَّلِعٌ يَفْلي طريقَ خلاصِها

فيعمَى عليه سهلُها وحَزيبُها

نفضتَ وِفاضَ الرأي حتى انتقدتَها

وما كلُّ آراءِ الرجالِ مُصيبُها

مُحمَّلةً من ثِقْلِ مَنِّكَ أَوْسُقاً

ينوء بها مركوبُها وجَنيبُها

فعطفاً عليها الآنَ تَصْفُ حِياضُها

وتُبْقِلْ مَراعيها وتُدْمَلْ نُدوبُها

فما رأمَتْ أَبْواءَها عند مالكٍ

سواك ولا حنَّتْ لغيرك نِيبُها

تَسربلْ بأثوابِ الوزارة إنها

لك انتُصِحت أردانُها وجيوبُها

وقد طالما منَّيْتَها الوصلَ مُعرِضاً

وباعدتَها من حيث أنتَ قريبُها

ومَن يك مولاها الغريبَ وجارَها

فأنت أخوها دِنْيَةً ونسيبُها

بلطفِك في التدبير شابَ غلامُها

على السيرة المُثلَى وشَبَّ رَبيبُها

وقد ضامها قبلُ الولاةُ وقصَّرتْ

قبائلُها عن نصرِها وشُعوبُها

فداك وقد كانوا فداءك منهُمُ

جبانُ يدِ التدبير فينا غَريبُها

رمَى بك في صدر الأمور ولم يخفْ

فُلولَ نيوبِ الليثِ مَن يستنيبُها

حَملتَ له الأثقالَ والأرضُ تحته

وراعيته لما عَلَتْه جُنوبُها

وآخرُ أرخَى للنعيم عِنانَهُ

أخو الهزلِ مِمْراحُ العشايا لعُوبُها

تزخرَفتِ الدنيا له فصَبَا لها

مُقارَضةً يَخشَى غداً ما ينوبها

وكان فتى أيامِهِ وابنَ لينها

وأنت أبوها المتَّقَى ومَهيبُها

وقاسٍ كأنَّ الجمرَ فلذةُ كبدهِ

يَرَى بالدماءِ نَحْلَةً يستذيبُها

مَخُوقُ نواحي الخُلْقِ عُجْمٌ طباعُهُ

إذا عولجت مُرُّ اللحاظِ مُريبُها

إذا هَمَّ في أمرٍ بعاجلِ فتكةٍ

على غَرَرٍ لم يلتفِتْ ما عَقِيبُها

وذو لُوثةٍ مَنَّاهُ سلطانُ رأيه

مُنىً غَرَّهُ محداجُها وكَذوبُها

ولم يك ذا خيرٍ فشاورَ شرَّهُ

وما الشرَّ إلا أرضُ تيهٍ يجوبُها

يواثب من ظَهْر الوزارة رَيِّضاً

زلوقاً وقد أعيَا الرجالَ ركُوبُها

ومدّ بكفِّ العنفِ فَضلَ عِنانها

فعادتْ له أفعَى حِداداً نُيوبُها

رَمَى الناسَ عن قَوسٍ وأعجبُ مَنْ رمَى

يدٌ أرسلتْ سهماً فعادَ يُصيبُها

تَوقَّ خُطاً لم تدرِ أين عِثارُها

فكم قَدَمٍ تسعَى إلى ما يَعيبُها

ولا تحسَبَنْ كلَّ السحابِ مَطِيرةً

فحاصبُها من حيث يُرجَى صبيبُها

وكم أَصْرَمَتْ تحت العصائبِ لِقحةٌ

ودرَّتْ لغير العاصبين حُلوبُها

أَبَى اللهُ أن يُشقي بك اللهُ أمَّةً

أردتَ بها سُقْماً وأنت طبيبُها

تَطَأطأْ لِمنْ لو قمتَ نالك جالساً

فما كلَّ أولادِ الظنون نجيبُها

فقد دانت الدنيا لربِّ مَحاسنٍ

مَحاسنُ قومٍ آخرين عُيوبُها

فيا ناظماً عِقدَ الكلام تَملَّه

ويا ناشر النعماءِ حيَّاكَ طِيبُها

إذا الأنفس اختُصَّتْ بحبِّ فضيلةٍ

سموتَ بنفسٍ كلُّ فضلٍ حبيبُها

توافَقَ فيك الناسُ حُبّاً وأَمطَرتْ

بشكرك سُحبُ القولِ حتى خَلوبُها

ملكتَ مكانَ الودّ من كلّ مهجةٍ

كأنك لُطفاً في النفوس قلوبُها

إذ الشمس لم تطلُعْ علينا وأمرُنا

بكفّك معقودٌ فدامَ مَغيبُها

أنا العبدُ أعطتك الكرامةُ رِقَّهُ

وجاءت به عفواً إليك ضُروبُها

رفعتَ بأوصافي طريفاً وتالداً

كواكبَ لي عمَّ البلادَ ثُقُوبُها

وميّزَتني حتَّى ملكتُ بوَحْدَتي

نواصيَ هذا القولِ يضفو سبيبُها

وكم أملٍ أسلفتُ نفسي ودعوةٍ

قنِطتُ لها واللهُ فيك مجيبُها

بلغتُ الأماني فيك فابلغ بِيَ التي

تُنَفِّسُ نَفْساً ملءُ صدري كُروبُها

وللدهرِ في حالِي جُروحٌ وإنه

بلحظك إن لاحظتَ يوُسَي رغيبُها

ومهما تُعِرْ من نِعمةٍ فجزاؤها

على الله ثُمَّ الشعرُ عن يُثيبُها

بكلّ شَرودٍ يقطعُ الريحَ شَوطُها

ويَسرِي أمامَ الغاسِقات دبُوبُها

تَزِمُّ لِيَ الأصواتُ يومَ بلاغِها

إذا ما علا أعوادَ شِعرٍ خطيبُها

يروقُكَ منها جَزلُها وحَميسُها

إذا راقَ من أبياتِ أُخرَآ نسيبُها

ترى الناسَ خَلْفي يلقُطون بَديدَها

ويُعجِبُهم من غير كدٍّ غُصُوبُها

جواهرُ لي تصديفُها من بحورها

صِحاحاً وللعادِي المُغيرِ ثُقُوبُها

يَمُرُّ بها لا بائعاً يستحلُّها

بِملْكٍ ولا مستوهباً يستطيبُها

بَقِيتَ لها مستخدِماً حِبرَاتِها

ومنتقِداً ما حُرُّها وجَليبُها

موسَّعةً أيّامُ مُلكِكَ مُعوِزاً

على الحادثاتِ أن يَضيقَ رَحيبُها

وأعداكَ من شمسِ النهار خُلُودُّها

وإشراقُها لكن عَدَاك غُروبُها

معلومات عن مهيار الديلمي

مهيار الديلمي

مهيار الديلمي

مهيار بن مرزويه؛ أبو الحسن (أو أبو الحسين) الديلمي". شاعر كبير؛ في معانيه ابتكار. وفي أسلوبه قوة. قال الحر العاملي: جمع مهيار بين فصاحة العرب ومعاني العجم. وقال الزبيدي: شاعر..

المزيد عن مهيار الديلمي

تصنيفات القصيدة