الديوان » تونس » محمود قابادو »

العدل عهد خلافة الإنسان

عدد الأبيات : 148

طباعة مفضلتي

العدلُ عهدُ خلافةِ الإنسانِ

ومدادُ ظلّ الأمنِ والعمرانِ

وَتمدّنُ البشرِ اِقتضى إيلافهم

بِتعاضدٍ من دائنٍ ومدانِ

وَتَطامُحُ الخلطاءِ لاِستِبدادِهم

بِالفضلِ داعيهم إلى العدوانِ

فَتقرّرُ السلطانِ ضربةُ لازبٍ

لِنظامهم بِالعدلِ والإحسانِ

وَالعدلُ كلُّ العدلِ يقصرُ دونهُ

رأيُ اللّبيبِ وَفطنةُ اليقظانِ

وَلو أنّه تبعٌ لأهواءِ الورى

شقّ الخلافُ عصاه بالعصيانِ

وَالنفسُ جانحةٌ لعزّ رئاسةٍ

طَبعاً وَجامحةٌ عن الإذعانِ

وَالرأي إِن لَم يصفُ عَن كَدرِ الهوى

لَم تبدُ فيهِ حقائقُ الأعيانِ

وَالشرعُ قانونٌ متينٌ محكمٌ

ما فيهِ لِلتبديلِ من إمكانِ

سَجدت لَهُ الألبابُ سَجدة مذعنٍ

وَتَقاصَرَت عنهُ يدُ المطعانِ

وَضعٌ إلهيٌّ يحيرُ كمالهُ

مُتصفيحهِ بناظرٍ ملآنِ

ما مِن مطيّة طيّه إلّا وَقد

أَخذت لَها آياتُه بعنانِ

ما إن يضلّ ولا يذلّ مقيمهُ

أَبداً وَلا يستامُ بالخسرانِ

شَمسٌ مَنازِلها صدورُ ذوي النهى

الراسخي الأقدامِ في العرفانِ

تُعشي أَشعّتها عيون أخافشٍ

تقفو ضياءَ كواكبِ الأذهانِ

قَد ضلّ مَن مِن غيرِها طلب الهدى

لِصلاحه الروحيِّ والجسماني

ظنّ السرابَ شرابَ ريّ ناقع

وَرأى الحباحبَ جَذوةَ النيرانِ

إِنّ الّتي جَمعت كمال مصالحِ الد

دارين ويكَ شريعة العدناني

ما شذَّ عَنها حكمُ حالٍ يعتري

جيلاً ولا حيناً من الأحيانِ

إِمّا جليّاً طبقَ نازلةٍ عرَت

أَو باطناً لملمّةٍ لم تانِ

فَكأنّ كلّ شريعةٍ مِن قَبلها

في صلِّها صنو من الصنوانِ

يُشبهنَ حالَ فروعِها مِن بعد في

تبعٍ لعاداتٍ وحكمِ زمانِ

فَالنسخ في هاتيكَ كالعملِ الّذي

فيها معَ الحالات ذو دورانِ

كَم غادَرَ العلماءُ من متردّمٍ

بِمغاصها وَجَنى قصيّ مجانِ

وهمُ الألي خاضوا بِها واِستَخرجوا

مِنها الكمينَ بمبلغِ الإمكانِ

أَوروا بزندِ الإجتهاد لكشفها

ناراً وشبّوها على كثبانِ

فبأيِّ ما وجهٍ تنوّرهُ اِمرؤٌ

أَجلى لَه عَن سيمياءِ بيانِ

وَلَربّما اِشتبَهت وجوهُ حوادثٍ

قَد ضاءَها لكن بطيّ صوانِ

فَغَدت مرايا الرأيِ تعكسهُ لها

بمسالكِ التعليلِ ذي السريانِ

وَتَنوّعت مُستَنبطاتُ مقائسِ ال

آراء واِلونّت بلون أوانِ

وَتَخالفَ الفقهاءُ في أنظارهم

فَتفاوَتت في شدّةٍ وليانِ

وَقَضت مَذاهبهم على القاضي بِها

أَن يَهتَدي لمواجبِ الرجحانِ

وَالكلُّ مجتهدٌ فَمُخطِئهم له

أجرٌ كَما لِمُصيبهم أجرانِ

لكن إِذا غلبَ اِتّباعٌ لِلهوى

صارَ الخلاف ذريعة العدوانِ

وَتطرّقت تهمٌ لمن يقضي فلم

تَقبل قَضاهُ النفسُ بِاِطمئنانِ

وَتورّط المُرتابُ في شبهاتهِ

وَتدّرعَ المحتالُ بالبهتانِ

وَتَبدّلت سعةُ الخلافِ مضائقاً

هِيَ للخدوعِ نوافقُ الروغانِ

وَاِستهدفَ الدينُ الحنيف بظنّةٍ

في غربه لِمطاعنِ المطعانِ

وَزَمانُنا هَذا كَما تدرونهُ

ظَهرَ الفسادُ بِهِ بلا كتمانِ

فَالأرضُ مِن أطرافِها منقوصةٌ

وَالدينُ منبوذٌ ورا الظهرانِ

ووَراءَ ذلكَ ما يروعُ ذَوي النهى

إِن نامَ راعي السرحِ عن سرحانِ

كادَت مُنى الإسلامِ تكذبُ أهلَها

لَو لَم تُمدّ بصادقِ السلطانِ

الصادقِ العزماتِ سيفِ اللّه ذي ال

حَدّين رأيٍ ثاقبٍ وبيانِ

ملكٍ لَهُ كرمٌ أبى إيثارهُ

لِنعيمِ ملكٍ عَن هنا الأوطانِ

وَعزائمٌ تدعُ البوارقَ ضُلّعاً

وَفراسةٌ قامَت مَقام عيانِ

وَمآثر عفّت عَلى أثرِ الألى

وَخصالُ فضلٍ حُزنَ خصل رهانِ

شامَ الهَنا بيضَ الأنوق بحالقٍ

فَسما له بقوادم العقبانِ

وَغدا يُراعيه بعينِ عنايةٍ

لا تَستجيزُ تَصافحَ الأجفانِ

وَيُسامِرُ التفكيرَ في تدبيرهِ

مُستَسهلاً لمصاعِبِ الأحزانِ

حتّى أَبانَ لَه المهيمنُ مسلكاً

لا تَستقلُّ بِه قوى الإنسانِ

أَعيى على كلّ الملوك سلوكه

فَاِجتازهُ فرداً بلا أقرانِ

وَغدا يمهّدهُ بيمنٍ كافلٍ

بِالأمنِ بين نواهش الثعبانِ

حتّى تناهى ألفةً وترتّباً

فَدعاهُ حينئذ بعهدِ أمانِ

هو ذلكَ القانونُ والعهدُ الّذي

أُوتيتمُ من قبلُ بالإيمانِ

أَمضاهُ سيّدنا وكان لحكمهِ

هُو أوّل الراضينَ بالإذعانِ

جَعلَ الورى فيه سواسيةً فَلم

يَترك لناءٍ عنه بنت لسانِ

وَقضاهُ دُستوراً يسيرا علمهُ

سهلاً على قاصيهمُ والداني

لَم يعدُ فيهِ فقه مذهب مالكٍ

إلّا لفقهِ إمامهِ النعمانِ

لكنّه اِنتخَب الّذي هو لائقٌ

بِزمانِه ومكانهِ والشانِ

حُكمٌ بِه رفع الخلاف وشاد بن

يان الوفاق به على أركانِ

هو سنّةٌ نَفَذت نفاذَ أسنّةٍ

بيضاءَ كأبيض في المَضاءِ يَماني

جَلتِ الحدود صَوارماً تنثني

بِتأوّلِ النصحاءِ والخُوّانِ

حَذراً مِنَ الجريانِ في تَعطيلها

مَجرى البغاةِ بِسالفِ الأزمانِ

مِن صَفحِهِم عَن ذي المكانةِ فيهم

وَالبطشِ بالمستضعفِ الأركانِ

وَالحدّ عَن نهكِ المحارمِ حاجز

في خرقهِ تَسهيلهُ للجاني

وَلذاكَ لا تجدُ المتينَ ديانةً

في رَعيهِ إلّا جريَّ جنانِ

وَاِنظر لشدّة مالكٍ وخلافهِ

فَتوى أيمّة عصره الأعيانِ

في درئِهم عن قاتلٍ لأخيهِ عن

عمدٍ قصاصاً إِذ عَفا الأبوانِ

إِذ لا وليّ سِواهما فسقوطهُ

لَم يَختلف إِذ ذاك فيه اِثنانِ

وَأَبى الإمامُ سوى إِقادته بهِ

أَوَ لَيس يفتى بعدها في شانِ

هَذا وَعفوُ البعضِ يَسقطُ عندهُ

حقّ المُخالِف في ذوي السلطانِ

لَكنّه أَمضى القصاصَ صيانةً

لِلحدّ عَن متطرّقِ البطلانِ

وَرعى بسدٍّ للذرائِع منعةً

لحِمى الشرائِع عن ذوي اِستهوانِ

وَقرائنُ الأحوالِ تُحرج في القضا

ما توسعُ الفتوى بدون عيانِ

للّه قانونٌ أقامَ سياسةً

شَرعيّةً مرصوصة البنيانِ

دانَت لَه أممٌ تدين بغيرهِ

إِنّ الإصابة والوفاق يدانِ

أَبقى الوَرى أَمناً عَلى سَكَناتهم

لا جَورَ يُزعِجُهم عَن الأوكانِ

فَلو اِنّ عيناً تَختشي من نومها

جوراً أجارَ لها على الأوسانِ

مَنع التظالمَ في المكاسبِ بينهم

وَتسخّر الأدنى لذي السلطانِ

وَصيانةُ الأموالِ أصلٌ موجبٌ

مَنعَ الرّبا في سائر الأديانِ

كَصيانةِ الأعراضِ عمّا شانَ وال

ألباب والأنساب والأبدانِ

وَالأمنُ في تلكَ الأصولِ جميعها

هو مَنشأ الإثراء والعمرانِ

يا أيّها الّذي هو في العلى

فذٌّ وَما يتلوهُ من ثنيانِ

أَشهدتنا مِصداقَ قول نبيّنا

هِيَ أمّتي كالوابل الهتّانِ

لَم يُدرَ هل في أوّلٍ أم آخر

مختارهُ فَتشابه الطرفانِ

خِلنا الزمانَ لَنا اِستدارَ فَنَحن في

خَيرِ القرونِ بحكمِ خير قرانِ

عُدنا إِلى عصرِ الخلافةِ بَعدما

مُلكٍ عضوضٍ عضّة السودانِ

لِم لا وَذا الزمنُ الّذي من يحتفظ

فيه بِعُشرِ الدينِ ذو الإحسانِ

مَهّدتَ للمهديّ ما هو جاعلٌ

ذا الشكّ فيه مناهز الإيقانِ

إِن كانَ في طيّ الكتابِ لديننا

نصرٌ فَذا القانونُ كالعنوانِ

سُبحان من أَحيا بِمسعاك الهدى

وَأَعادَ روحَ العدل للجثمانِ

فَكأنّنا بِالدينِ عاوَدَ سرحه

شَرخُ الشبابِ الوارف الفينانِ

وَكأنّنا بِمنارة الخضراءِ قد

أَنِست مغاني الشعب من بوّانِ

وَكأنّنا بِقصورها قَد شيّدت

وقَصيرها كخورنقِ النعمانِ

وَكأنّها بِحضارةٍ ونضارةٍ

وَرفوهِ سكّان رياض جنانِ

معمورةٌ بِجوامعٍ وصنائعٍ

وَمزارعٍ وبضائع ألوانِ

في ظلِّ عيشٍ لا يطارُ غرابهُ

وَجَنى نعيمٍ ليس يبرح دانِ

فَاِهنَأ بذا الوضعِ السعيد ودم به

أبداً حليف بشائر وتهانِ

وَاِسمَع تواريخاً لعام بدوّهِ

مَسرودَةً كَسلاسلِ العقيانِ

ساوَت ليالي البدرِ عند كمالهِ

أنصافُ أبيات على ميزانِ

تهدي إِلى التاريخِ لفظاً مثل ما

تهدي إِليه من صريح معانِ

بِاليومِ من شهرٍ وأسبوعٍ وبالس

ساعاتِ ضبطُ مواسمِ الجذلانِ

في سادسٍ من بعدِ أسبوعٍ ولي

لِجمادة الأولى رسمتَ عهد أمانِ

قَبلَ الزوالِ بيوم الاثنينِ فرض

في موكبٍ حاوٍ زهيِّ الشانِ

مِن عام سبعٍ بعدَ سبعين قَضو

هُ قبل ألف سيق فالمائتانِ

قانونُ عدلٍ صادقٍ عالٍ سَمت

آساهُه رَجباً على آسانِ

هو صادقُ العزماتِ قرّر مجدهُ

صدقاً بذا القانونِ عهد أمانِ

لا زالَ في ملكٍ يشدّ بجدّه

وَأُسوسه تُبنى على كيوانِ

حتّى يَرى العدلَ المشيد بنصّه

يُجبى لتونسَ زينة العمرانِ

هَذي تَواريخُ القوانينِ الّتي

أَصّلتها لِحماية الأوطانِ

وَسَبقتَ أملاكاً ذوي خطرٍ بها

لَم يَشأنوا مِنها لذاك الشانِ

وَأنبت خيرَ الدين في تقريرها

بِفصاحةٍ تزري على سحبانِ

ما زالَ يُمليها بِفصلِ خطابهِ

حتّى وَعتها سائرُ الأذهانِ

كلمٌ يفوتُ بيانُها سَبقا إلى ال

أَذهانِ مَسراها إلى الآذانِ

وَمَقالةٌ فصلٌ كأنّ فُصولها

شَذرُ الفواصِل في عقود جمانِ

يا أيّها المتشرّفونَ بفمهما

أرعوا هنا الأرواع باِطمئنانِ

مُدّوا الأكفّ إلى المهيمنِ واِجأَروا

بِبقاءِ دولةِ صادق السلطانِ

قولوا وَأَنتم في سوابغ أنعمٍ

شُكراً لكَ اللهمّ من منّانِ

بوّأتَنا الخضراءَ خيرَ مبوّأ

صِدقٍ له كرمٌ على البلدانِ

وَجَعلتها حرماً بفضلك آمناً

وَحيالها مُتخطّف الحدثانِ

أَشهدتَنا عَن فضلكَ اللهمّ ما

لا يستقلُّ بِشكرهِ الثقلانِ

حَمداً لكَ اللهمّ ما كنّا لذا

أَهلاً نبوءُ إليك بالإحسانِ

أَبقِ الإمامَ الصادقَ الأسمى لنا

كَهفاً مَنيعاً راسخَ الأركانِ

وَاِشدُد دَعائمَ مُلكهِ وَاِرفع بهِ

فينا مَنارَ العلمِ والإيمانِ

وَاِمدُده بِالنصرِ العزيزِ وحفّه

بِرعايةٍ وعنايةٍ وعوانِ

وَاِجعل مسامعَ كلّ قطرٍ شاسعٍ

مَقروعةً بثنائه المعلانِ

وَثغورَهُ معطارةً من ذكره

بسّامةً عن صيته المرنانِ

وَكما حَفِظت من الهوى أحكامه

فَاِحفظه من سوءٍ وريب زمانِ

وَاِجعل ملوكَ المسلمين بكلّ ما

قَد سنّه فينا ذوي اِستسنانِ

حتّى يعمّ بهِ الصلاح ويحتوي

ميزانه أجراً بلا ميزانِ

وَاِجعله في الخضراءِ شمس هدايةٍ

وَوُلاته فيها نجوم بيانِ

وَاِنظم كمُنتظم الثريّا حزبه

وَاِحصد عِداه بمنجلِ الدبرانِ

وَاِعضده بالشهمِ الوزيرِ المصطفى

دِرعِ الصدورِ ودرّة التيجانِ

وَأَدِم لديهِ برأيه وبوجههِ

سَعدينِ شمسَ هدىً وبدر زيانِ

وَلك المحامدُ إذ جمعت بيمنهِ

كلماتِنا والناس في فرقانِ

هَذا وأنتُم قد تقبّل شكركم

وَأُثبتم خلعاً من الرضوانِ

فَلتَرجعوا لِرحالكم بسلامةٍ

مُستَوثقين بحبل عهد أمانِ

وَلتَحفظوه فإنّكم في حفظهِ

مُستأمنون بأوثق اِستئمانِ

هَذي رِئاستكم وعزّة مجدكم

نيطت بِكم يا معشر الأعيانِ

وَإِلى أَمانتكم وحسن وفائكم

وُكِلَت وَغيرتكم على الأوطانِ

وَلتعلموا أنّ الوفيّ لنفسه

يوفي وَمن ينكث عليها جانِ

وَاللّهُ ليسَ مُغيّراً إِنعامه

حتّى يغيّره ذوو الكفرانِ

وَتَيقّنوا أنّ الّذي غلَب الهوى

وَالنفس يغلبُ كلّ ذي سلطانِ

هَذا وإنّ الصادقيّة دولةٌ

خُصّت بِتأييدٍ من الرحمنِ

لمّا رأت مصباحَ شرعِ محمّدٍ

بِتلاعب الأهواءِ ذا خفقانِ

جَعلت له القانونَ شبه زجاجةٍ

لِتقيه هبّ عواصف الطغيانِ

فَتَدارسوه لِما عَلمتم بينكم

عَوداً على بدء بغير توانِ

واللّه يَشملنا ويشملُ جَمعكم

بِالعونِ والتوفيق والغفرانِ

معلومات عن محمود قابادو

محمود قابادو

محمود قابادو

حمود بن محمد (أبو علي) قابادو التونسي أبو الثناء. شاعر عصره بتونس، ومفتي مالكيتها. أصله من صفاقس. انتقل سلفه إلى تونس، فولد ونشأ بها. وأولع بعلوم البلاغة ثم تصوف، وأكثر..

المزيد عن محمود قابادو

تصنيفات القصيدة