الديوان » تونس » محمود قابادو »

الدهر حرب بالرزايا الفجع

عدد الأبيات : 54

طباعة مفضلتي

الدهرُ حربٌ بالرزايا الفجّعِ

وَبنوهُ نهبٌ لِلمنايا الشرّعِ

وَنوائبُ الأيّامِ لا تنبو ولا

تَكبو وَليسَ وراءها من مفزعِ

تُخني تخونُ تمينُ تمني لا تفي

تُغري تغرُّ تبيحُ كلّ ممنّعِ

إِن كانَتِ الأيّامُ أعماراً لنا

فَبَقاؤُنا لتحسّر وتوقّعِ

جورُ الزمانِ معَ الحياةِ وعدلهِ

في الموتِ قاضٍ باِختيار المصرعِ

وَيحَ النفوسِ قد اِبتلاها ربّها

حيثُ اِدّعت وكذاكَ شأنُ المدّعي

رُدّت لأسفلَ سافِلين طبيعةً

وَهَوىً وَكانَت في المقامِ الأرفعِ

فُطِرَت عَلى التنزيهِ ثمّ تورّطت

بمضائقِ التشبيهِ لو لم تدّعِ

عَمِيَت مسالكَها وَلو لم تغترب

كانَت أدلّ منَ القطا للمهيعِ

وأشدُّ ما بُلِيَت بِه فقدانها

أهلَ العلومِ وكلّ فذّ أروعِ

كالعالمِ العلّامةِ الفهامةِ ال

برّ التقي الماجد المتورّعِ

صدرِ الشريعةِ تُرجمان لسانها ال

بحرِ المحيط بدرها المتنوّعِ

مُغني اللّبيبِ عنِ الكتابِ مفصّل ال

جُمل اللبابِ بكلّ معنى مبدعِ

كشّافِ أسرارِ البلاغةِ قطبِ أف

لاكِ المعارفِ والعلوم النفّعِ

ظَفِرت يدُ الأيّامِ منهُ بماجدٍ

حبرٍ سريٍّ أريحيٍّ أَلمعي

عَضّتهُ آسفةً عليه كأنّما

عَضّت بنانَ النادمِ المسترجعِ

جادَت بهِ واِستَرجَعته وربّما

جادَ البخيلُ لخشية أو مطمعِ

كانَ الطويلَ ذراعُهُ العالي الذرى

فَاِستَنزلته إِلى ثلاثة أذرعِ

فَاِستَأنست منهُ القبور وَأَوحشت

منهُ المساجدُ ذات تفجّعِ

يا دَهرُ مَن للعلمِ من لِلفضائلِ

أَبقيتَ بعدَ نضوبِ ذاك المشرعِ

عاجَلتَنا وَعثيتَ فينا فاِتّئدِ

هَل بَعد مصرع بيرم من مصرعِ

جُرثومةُ المجدِ الأثيلِ ودوحَة ال

أصل الأصيل هوت بريح زعزع

للّه ما أَورى الترابُ وَما حوى

مِن سؤددٍ ومكارمٍ في بلقعِ

وَمهابةٍ ملءَ القلوبِ ونضرةٍ

ملءَ العيونِ وطرفة للمسمعِ

يا قَبرُ أنتَ الآنَ روضةُ جنّةٍ

مَن مرّ حولكَ فليزر وليرتعِ

يا قبرُ إنّكَ قَد سُقيتَ بوجههِ

فَاِشكرهُ وَاِستبشر بهِ وتوسّعِ

يا قبرُ كيفَ سعدتَ أنتَ بقربهِ

دونَ البقاعِ فكنتَ أكرم موضعِ

يا قبرُ أيُّ وديعةٍ أودعتها

فَكن الأمينَ وخف من المستودعِ

يا قبرُ تفترشُ الترابَ لجنبهِ

وَلخدّهِ أخشِن به من مضجعِ

يا قَبرُ لا تبلغ إِليه مُصابنا

فَتروعُه قَد كان غير مروّعِ

يا قبرُ مَن للمُعضلات فليلُها

داجٍ وبدرُ كمالهِ لم يطلعِ

يا قبرُ إنّك إن طَويتَ علومهُ

لَم تطوِ نشرَ ثنائه المتضوّعِ

يا أيّها الجبلُ المنيفُ بقربهِ

طاوِل بهِ ما شئتَ تعلُ ويخضعِ

ناهيكَ مِن علمٍ عَلى علم ومن

شمسٍ مناظرةٍ لقطب أرفعِ

يا أيّها الناعية دونكَ درّةً

شنّف بِها آذان أهلِ المجمعِ

بَيتاً يقالُ لِسامعيه تأمّلوا

كَم مِن خبايا في الزوايا الأربعِ

يَحوي بنصفيهِ ومهملهِ ومع

جَمِهِ منَ التاريخِ أيّ مصنّعِ

مَثواكَ بيرمُ في ربيع الأوّل

روضٌ مِنَ الجنّات أنكه مربعِ

زُفّت إليكَ عرائسُ البشرى برض

وانِ المهيمن في حِماه الأرفعِ

وَوَضعتَ عَن كتفيك أعباءَ الأما

نَةِ غَير مشتطٍّ وغير مضيّعِ

نَبكي فراقكَ عالمينَ بأنّه

عودٌ إِلى الوطنِ الرحيبِ الأوسعِ

فَاِذهَب حميداً مطمئنّ النفسِ مر

ضيّاً لربّك راضياً بالمرجعِ

خَلّفتَ فينا مكرماتٍ قَد هَوى

عَنها الرواقُ كأنّه لم يرفعِ

لا بَل ترَكت لها عماداً قائماً

يَسمو بِها فكأنّما لم تخضعِ

فَرعٌ لِدوحةِ مجدكَ السامي إذا

نَزعَت به تلك السجايا ينزعِ

قَد قامَ وَالأحزانُ تقصده لها

إِذ لاتَ حينَ تحزُّن وتوجعِ

مَهلاً أَبا عبدِ الإله فَلست في

هَذا المصابِ بأوحد لم تشفعِ

إِنّا رُزِئنا ما عَلِمت وَما لها

أَحدٌ سِواك فقم بقلبٍ أطمعِ

وَلَقد رَأَيناك الحريَّ بِنيلها

رأيَ الفراسةِ قبلَ فطم المرضعِ

أوتيتَ أَجر الصابرينَ وحزت فض

لَ الشاكرين فقرّ عيناً واِهجعِ

فلما علمت على التجمّل باعث

فَاِستفتِ نفسكَ في عزائك واِسمعِ

بَيتانِ خيرُهما الأخيرُ توارداً

إِذ قيلَ نجمٌ قَد هَوى في موقعِ

وَسَما إِلى الفُتيا محمّد بيرم

خلفاً لِوالدهِ رصيد المنزعِ

فيهِ تجدّ للسرورِ معاهدٌ

وَيكونُ للأحزان حسن المقطعِ

معلومات عن محمود قابادو

محمود قابادو

محمود قابادو

حمود بن محمد (أبو علي) قابادو التونسي أبو الثناء. شاعر عصره بتونس، ومفتي مالكيتها. أصله من صفاقس. انتقل سلفه إلى تونس، فولد ونشأ بها. وأولع بعلوم البلاغة ثم تصوف، وأكثر..

المزيد عن محمود قابادو

تصنيفات القصيدة