الديوان » تونس » محمود قابادو »

القلب يخشع والمدامع تهمع

عدد الأبيات : 344

طباعة مفضلتي

القَلبُ يَخشعُ وَالمدامعُ تهمعُ

وَالقولُ ما يُرضي الإلهَ وينفعُ

وَالدينُ يَمنعُ وَالنهى تنهى الفتى

عَن أَن يُرى مِن مسّ خطب يجزعُ

مَن ذا يُنازعُ ربّه في ملكهِ

وَمنِ الّذي لِقضائهِ لا يخضعُ

وَبأيّ لبٍّ يُستطاعُ ومقولٍ

أَن ينكرَ المصنوع ما هو يصنعُ

سُبحانهُ مِن خالقٍ ومهيمنٍ

منهُ إليه الإِلتجا والمفزعُ

نَفَذت مَشيئَته بِسابق علمهِ

وَعَنت لِقُدرته الخلائق أجمعُ

فالعلمُ يُملي للإرادةِ ما بلو

حِ الكونِ أَيدي الإقتدار ترصّعُ

وَسَلاسلُ الأسبابِ في السبعين مظ

هرُ أمره فتنزّلٌ وترفّعُ

ما بَينَ مركزِ حكمهِ وَمحيطِ قُد

رَتهِ مَجالُ الكائناتِ الأوسعُ

فَاِنظُر لِهذا الكونِ نظرة سابرٍ

ما حالهُ والمُبتدا والمرجعُ

وَأَجِل قداحَ الفكر فيه إجالةً

بِسوى المعلّى ربّها لا يقنعُ

وَاِقطع علائقَ عادةٍ عُوِّدتها

فهيَ الّتي بك للحضيضِ تكسّعُ

وَاِعرُج بِمعراجِ اِعتبار شامخٍ

فالفكر مرقاةٌ إذا يترفّعُ

يا ساحباً بالعلمِ ذيل فخارهِ

ما العلمُ إلّا خشية وتخشّعُ

إن كنتَ تأملُ في الديانةِ رتبةً

فالدين أخلاقٌ كِرامٌ تتبعُ

أَينَ التجافي عَن مواقعِ غرّة

أَينَ الإِنابةُ للّتي هي مرجعُ

أَهل الإله همُ الّذين إذا رُؤوا

ذُكر الإله بِهم وضاء المجمعُ

نورُ الشريعةِ مِن ظَواهِرهم عَلى

نور الحقيقة بالبواطن يسطعِ

الزهدُ والإيثارُ مِن أخلاقهم

وَالصدقُ في قولٍ وفعلٍ يشرعُ

عَبَدوا الإله كأنّه مرئيّهم

فَتواضعوا لجلالهِ وتخضّعوا

وَتَفكّروا في أنّهم مرأى له

فَرعوا حياءً أمره وتورّعوا

فَمدارُ إِحسانِ العبادةِ منهمُ

رُقبى ورُهبى مِن تجلٍّ يصدعُ

فَاِبرز إِلى مولاك فرداً مثلهم

لا يطّبيه سراب كون يلمعُ

وَتعرّ عن علقِ الحظوظِ جميعها

فهيَ العوائقُ والحجاب الأمنعُ

فَهُناكَ تَعلمُ أنّك الكنزُ الّذي

فيهِ خبايا سرّه تستودعُ

وَترى الدقائقَ مِن مناسبةِ الحَقا

ئقِ بِالسّراية فيكَ طرّا تجمعُ

ما ذرّةٌ في الكونِ إلّا أَنت مر

كَزها وَأنت محيطها المترفّعُ

أَملاكُهُ مُستَغفرون إِليك أو

متسخّرون لِما لرزقك يرجعُ

أَنتَ الخليفةُ في الوجودِ جميعه

وَبكَ اِنطوى ما في الوجود موسّعُ

خُلِقت لكَ الأشيا وَأَنت لربّها

إِذ في فؤادك مُجتلاه الأجمعُ

ما بَعد كونكَ قد خُلقت لأجلهِ

في أحسنِ التقويمِ خلقٌ أبدعُ

أَو مثل نفسكَ وَالبقاء مآلها

لِسفاسفٍ رهن الفناء تضيّعُ

وَتُردّ أَسفل سافلينَ وئيدةً

في قبرِ جسمٍ للبلايا مرتعُ

فَتجافَ عَن مهدِ البطالةِ إنّ تأ

ويلَ السرورِ لنائميه مفزعُ

وَاِنهض وبادِر أن تردّ نفائسُ ال

أنفاسِ فهيَ ودائعٌ تسترجعُ

وَاِلحظ بِلحظِ الإعتبارِ محدّقاً

فيما تسرّ بهِ النفوسُ وتبخعُ

وَترقّ مِن مبدا الأمور لغايةٍ

وَمنَ الجليّ إِلى خفيّ يشسعُ

تَجدِ الحقائقَ في ملابسَ عدّةٍ

تُجلى على حسبِ المواطن تخلعُ

تَلونُّ مِن لونِ الإناء فَدركها

متجرّداتٍ بالبديهةِ يمنعُ

لَكِنّ مَن أَعطى المواطنَ حقّها

يَدري الأمورَ متى تضرّ وتنفعُ

وَيرى الشرائعَ كلّها أدباً على

وفقِ التجلّي لِلحقائق يشرعُ

فَبِسائرِ المتجلّياتِ مشيّعاً

في كلِّ وجهٍ والفؤادُ مشيّعُ

وَلِوحدةِ الحقّ الّتي هي مركزٌ

بِسهامِ أغراضِ المظاهر ينزعُ

حتّى يَكونَ موافقاً لإرادَةِ ال

مولى عَلى علمٍ وفهمٍ يتبعُ

ذاكَ الّذي لَم يُسترقّ وَلم يكن

رَبّاً لشيءٍ فهو عبد طيّعُ

أَفعالهُ مَوجودةٌ معدومةٌ

بِمفازةِ التوحيد آلٌ يلمعُ

تَجري عَلى حكمِ العدالةِ لا ترى

غرضاً يَحوزُ بِها ولا يستتبعُ

كلّ الوجودِ له كتابٌ منزلٌ

بِتعرّف وتنزّلات ترفعُ

مُتمكّنُ العرفانِ عند تلوّن ال

مَعروفِ يقبله كما يتنوّعُ

مُستصبحٌ بِيقينِ علمٍ خائضٍ

فتن المظاهرِ وهيَ ليلٌ أسفعُ

مُتقيّدٌ أبداً ومطلقُ همّةٍ

وَبصيرةٍ مترفّع متخشّعُ

حيٌّ تجرّد عَن علاقةِ جسمهِ

كتجرّد الحيّات سلخاً تنزعُ

والٍ على بلدٍ تغرّب فيه ير

تَقبُ المآبَ فهمّه ما يجمعُ

أَو تاجرٌ بالعمرِ في سوق من الد

دُنيا لأخراه به مستبضعُ

هَذا الّذي هو وارثٌ أو حارثٌ

مُستغبطٌ في حصدهِ ما يزرعُ

وَسِواه مِن كونٍ لكونٍ راحلٌ

بِالموتِ إِن لم يُشقه ما يصنعُ

فَاِستفتِ نَفسك وَاِمتَحن كُنه الّذي

حَصَلَت عليهِ بَسعيها هل ينفعُ

وَاِحذَر عراءَ العارِ يوم تغابنٍ

إِذ لا يُواري الجسمُ ما يستبشعُ

إِذ تُحشرُ الأرواحُ طبقَ علومها

وَتُرى الجسومُ بشكلِ فعلٍ تطبعُ

وَترى الفعالُ كأنّها الأشباح والن

نيّات أرواح لها تستتبعُ

كَم ذا ترقّعُ ثوبَ جسمٍ منهجٍ

وَيدُ البلى في خرقه تتوسّعُ

يوهي الجديدانِ القوى ويقرّبا

نِ العمرَ مِن أجلٍ مباحٍ يقطعُ

فَلو اِفتقدت قواك أَنكرتَ الّذي

مِنها عرفتَ وَلَم يلفكَ المضجعُ

وَعَبرتَ عَن دُنياكَ عبرةَ نازعٍ

عَنها إِلى وطنِ المقامةِ ينزعُ

وَعَرفتها وَحَذرت من لذّاتها

دَسماً تُرقرقهُ لسمٍّ ينقعُ

في الناسِ مَن لو أُمّنوا تبعاتها

لاِستَقذَروها عفّةً وتورّعوا

شُحّاً بأنفاسٍ تعزّ وأنفس

أُنفٍ وَمعطس همّة يترفّعِ

عَن ضيعةٍ وإنالةٍ وإهانةٍ

في عيشةٍ بوشيك بين تفجعُ

وَتفادياً عَن كسفِ نور بصيرةٍ

بهوىً يرين على القلوبِ ويطبعُ

وَتفصّياً عَن فتنةٍ إِن سالَمَت

نَقَصَت منَ الحظّ الّذي هو أنفعُ

فَالطيّباتُ اليومَ مُذهبةٌ غداً

عمّن بِها لِرعونةٍ يستمتعُ

كَم عفّرت في التربِ رأسَ متوّجٍ

كَم لَجلَجت أسلاتِ لسنٍ تصقعُ

لا تَركُنن منها لظلٍّ زائلٍ

إنّ الظلالَ إِلى الشواخصِ تبّعُ

وَاِعلم بأنّك حاسرٌ مستهدفٌ

لِسهامها ولوِ اِزدهاكَ تدرّعُ

وَكنِ الأشدّ تحذّراً منها إذا

كُنتَ الأسرّ بها فثمّ المخدعُ

فَالمطمئنّ بِها إِلى مكروهها

أَدنى من الحذرِ الّذي يتوقّعُ

لَم تُطبع الدّنيا على شكلِ الوفا

فَعلامَ في قلبِ الحقائق يطمعُ

عِش ما تشاءُ بِها فإنّك ميّتٌ

وَاِحبب بِها من شئتَ فهو مودّعُ

وَاِصنَع بِها ما شِئتهُ ترهُ غداً

إِذ لا رَهينَ يفكُّ ممّا يصنعُ

لِلأرضِ يرجعُ ما عَليها إنّما

هِيَ مستقرٌّ بعده مستودعُ

مِن تُربها كنّا وفيه معادنا

وَكَما بُدِئنا منه قبلُ سنرجعُ

يَقضي النّهى وَالطبع أنّ لنوعنا

رِمماً عَلى الدقعاء منها أوسعُ

فَسَلِ الثرى كم من نواصٍ عفّرت

فيهِ وكانَ المسك منها يسطعُ

وَبدورُ تمٍّ قَد هوت لرغامها

كانَت منازلها الصياصي المنّعُ

وَاِنظر فَكم خدّ أسيلٍ قد ثوى

فيهِ وَرأسِ رئاسةٍ يترنّعُ

لِتَرى ذوي التيجانِ والعرفان في

أَثنائهِ كَالخاملينَ تودّعوا

إِنّ الأنامَ فرائسٌ وَالسبعةُ ال

أيّام فيهم بالرزايا أسبعُ

جرّ الزمانُ على الألى ذيلَ البلى

قدماً فكلٌّ تحته متبرقعُ

وَأَناخ كلكلهُ عَلى ما شيّدوا

فَتدكدكت أطمٌ وَأقوت أربعُ

هَذي سبيلُ الغابرينَ وَأنت في

آثارهِم فَاِنظر لماذا المرجعُ

ما أَنتَ فيه كان غيرك أهلهُ

وَيعودُ بعدكَ أهله المتوقّعُ

إنّ الورى سفرٌ يسيرُ بهم إلى

دارِ البقا دولابُ دهرٍ مسرعُ

وَمَسافةٌ ما قَبلها أزلٌ وما

مِن بعدها أبدٌ سريعاً تقطعُ

فَعَلامَ ثمّ علامَ ثمّ إلى متى

يا اِبن السبيلِ بمهده تتولّعُ

أَيضيع مجتازٌ بدار ضيافةٍ

زاداً وما يبقيه فيها يجمعُ

بَين المَنايا والمنى عُمُرٌ به

نعمٌ تَزولُ وَنقمة تتوقّعُ

تَتجدّدُ الآمالُ مع إِبلائهِ

فَالموتُ يَدنو والأماني تشسعُ

لا تبرحُ الآمالُ تُرخي للفتى

طولاً فَيرتعُ ريثما يسترجعُ

هلّا يُريح جوارحاً وجوانحاً

مرءٌ وَبالميسورِ عيشاً يقنعُ

فَالحرصُ والتدبيرُ في رزقٍ كفي

جهل يضلّ وغلّة لا تنقعُ

لا يَمتَطي الدنيا إِلى الأخرى سوى

ثقفٍ بملك عنانها يستضلعُ

لا يَزدهيهِ وَلا يطيش بلبّهِ

مَرحٌ عَلى أعطافها يتدفّعُ

فَهيَ العثورُ وَلا يقال عثارها

وَهي الجموحُ وإن غدت تتطوّعُ

تَنأى حراناً كلّما أكرَمتها

وَإِذا أُهينَت أَصبحت تتخضّعُ

تَجلو عَلى الخطّابِ حسناً رائعاً

وَعَلى مخازي جمّةٍ تتبرقعُ

كَم ذا تغرُّ وتلدغُ الإنسان من

جحرٍ مراراٍ وهو لا يتمنّعُ

ما ذاكَ إلّا أنّ أَنفسنا لها

أَبداً بحبّ العاجلاتِ تولّعِ

أَلِفَت مُعانقةَ الحظوظِ وما درت

أنَّ الحظوظَ هيَ الإسارُ المدقعُ

عنيَت لَها بالرغمِ إِذ عنيت بها

وَبلا فداءٍ أسرُ من لا يقنعُ

إنّ الوجودَ سجلُّ رمزٍ ضمنهُ

سرّ الكيانَ وما إليهِ المرجعُ

تَطوي يدُ الإبطان منه كلّ ما

نَشرت يدُ الإبدا وكلٌّ مشرعُ

فَأَخو الحِجى متدبّرٌ لِرموزهِ

وَسِواه تلهيهِ النقوشُ اللمّعُ

حَتّى إِذا جلَتِ الحقائقُ بان حك

مُ القَبضتَينِ فغانمٌ ومضيّعُ

سُبحانَ مَن حَجَبَ الأنامَ ليع

مروا الدنيا بآمالٍ لهم تتوسّعُ

تَرنو بَصائرهم إِلى الأسبابِ في

لبسٍ وَمِن حسرٍ خواسئ ترجعُ

تَعزو إِلى المرآةِ ما يجلى بها

عزوَ الشرابِ إِلى سرابٍ يلمعُ

تَحجو حقيقَتُها الوجودَ وَلَو دَرَت

مَعنى الوجودِ لكانَ فيه المقنعُ

كَم تلبسُ الأوهامُ كنهَ حقائقٍ

لُبسَ السروجيّ الّذي يتنوّعُ

وَتلوّن الدّنيا لأهليها كَما

تَتلوّنُ الحرباءُ كيما تخدعُ

لا تُمسكَ الأيدي بِها إلّا على

حَبل يدلّى بِالغرور ويقطعُ

يَبني الفتى فيها الرجاءَ عَلى شَفا

وَيقرّ منهُ مقرّ من لا يفزعُ

يَبني بناءَ الخالدينَ سفاهةً

وَالدهرُ يهدمُ عمرهُ ويضعضعُ

يُلهيه حظٌّ هالكٌ مستنزرٌ

عَن حظّهِ الباقي الَّذي هو أرفعُ

وَلو اِنّه يَصفو له أو غبّه

رأساً بِرأسٍ في نجاة مطمعُ

لكنّه حشفٌ وَأَسوأ كيلةٍ

وَغراقةٌ وتباعةٌ وتفزُّعُ

أَولى له يبزى ويوفكُ لبّه

عَن منذرٍ عريانَ لا يتبرقعُ

أَبِمَسمعيهِ صمامُ وقرٍ أم على

بَصرِ الفؤادِ غشاوةٌ لا ترفعُ

أَم كانَ في شكٍّ مريبٍ فليعد

نَظراً فداعيهِ المبينُ المسمعُ

أَوَ ليسَ يذكرُ خلقهُ من نطفةٍ

فَإِذا هوَ الخصمُ الألدّ المصقعُ

وَإِذا لهُ عقلٌ يحكِّمهُ عَلى

ما عن تصوّره بوجهٍ يضلعُ

فَالجهلُ وَالتقليدُ ضربةُ لازبٍ

أَبداً عليه فأيّ حكمٍ يقطعُ

لَوحٌ وَأَيدي الفيض ناقشةٌ بهِ

مثلَ الحقائقِ قدر ما يتوسّعُ

فَإِذا تَعاكستِ النقوشُ تولّدت

نِسبٌ بِها أَفكاره تتوزّعُ

فَنقوشهُ علمٌ ضروريٌّ وما

تستنبطَ الأفكار عنها يتبعُ

وَالوهمُ منهُ وَالمجازُ مكدّرٌ

لِصفائهِ بِلوازم لا تُدفعُ

فَليدّكر إِذ كانَ طفلاً ناشئاً

وَالعقلُ في مهدِ المزاجِ مضجّعُ

عَيناهُ تُبصر وَهو لا يدري ولل

عاداتِ في جلّ المدارك يرجعُ

مُترقّباً طَوراً فطوراً لا يرى

مَرمى ورا ما فيه أضحى يزمعُ

فَالظنّ والحسبان جلّ علومهِ

وَالحقّ ما في الظنِّ منه مقنعُ

أَنّى يرى الأشيا كَما هي ناظرٌ

مِن خلفِ حجبِ عوائدٍ لا ترفعُ

وَلِقصرهِ لِقصوره قد كلّف ال

إيمان بالغيبِ الّذي هو أجمعُ

فَإِذا تَجاوز مُستقلّاً حدّه اِس

توهتهُ ظلمةُ حيرةٍ لا تقشعُ

ما أَحيرَ الإنسانَ لولا شرعةٌ

مِن ربّه تهدي السبيلَ وتردعُ

إِيهٍ وَلَولا فُلكُها لم ينجهِ

سبحٌ وَطوفانُ البلايا يذرعُ

مثل الأنامِ مَعَ الشرائِعِ إذ دعوا

مثل الّذين بمهمهٍ قد ضُيِّعوا

بَينا هُمُ في حيرةٍ إِذ جاءَهم

رَجلٌ مخائلُ رُشدهِ تتوقّعُ

فَتَبادروا وَفضا له فَهداهم

لِمراتعٍ ومشارعٍ تستنشعُ

حتّى إِذا أَنِسوا بِها قال اِعلموا

إِنّي نصيحٌ فَاِحفظوا أو ضيّعوا

ماذا بِمَنزِلكم وَسوف تَذودكم

عنهُ النوى وَلَكم منازل أمرعُ

فَهلمَّ أَهديكم إِليها وَاِحملوا

مِن هذهِ زاداً لَها وتسرّعوا

فَتفرّقوا شيعاً لكلٍّ وجهةٌ

فيه وَأمرهمُ الجميع تقطّعُ

بَعضٌ يَقولُ هو النصيحُ وَحسبُنا

في أَمرهِ أنّا نطيعُ ونسمعُ

فَلَقد بَلَونا صدقهُ مِن قَبلها

وَالحزمُ أَدنى لِلرّشادِ وأنجعُ

وَالبعضُ أَخلد لِلبطالة قائلاً

إنّي بحاضرِ ما تأتّى أقنعُ

وَالبعض رانَ عَلى بصيرة لبّه

ريبٌ فَقالَ مَقالةً تُستبشعُ

إنّا لمثلِ النبتِ هذا مغرسٌ

ننمى بهِ فَعلامَ عنه نُقلِعُ

وَإِذا غصبناهُ فَلا مُستنبتٌ

فيما نظنُّ لَنا إِليه مرجعُ

وَتفرّقَ الحزبانِ كلٌّ مِنهما

شِيعاً عَلى آراءَ لا تتجمّعُ

فَمن الّذين لَه اِستجابوا سابقٌ

جَلى وَمقتصدٌ وآخر يظلعُ

كلّ يولّي الوجهَ وجهاً زاعماً

أنّ الّذي يَنحو لنجح مهيعُ

هَذا تحفّل للدروسِ مقلّباً

ظهراً لبطن ما الصحائفُ تجمعُ

يَتصفّحُ الآراءَ مُنتخباً لما

هو في نفسِ ذوي النباهة أوقعُ

مُتكلّفاً حفظاً وترتيباً لما

يُلقى على طرزٍ يروق ويمتعُ

وَموشّحاً أَعطافه بمباحثٍ

حللُ العلومِ بوشيهنّ توشّعُ

كَيما يقالُ له اِطّلاعٌ واسعٌ

وَذكاءُ فكر مشرق متشعشعُ

هَذا وآخرُ وهو أندر نادرٍ

مَغزاهُ إخلاصٌ بِها وتطوّعُ

فَتراهُ يَدأبُ ليله ونهارهُ

في حلِّ ما يعتاصُ أو يتمنّعُ

كَلفاً بتحريرِ المسائلِ جهدهُ

يَفتنُّ في طرقِ الجدال ويمرعُ

وَيَرى السعادة أَن يبثّ علومهُ

بِالدرسِ وَالتأليفِ أو ما ينفعُ

وَلَهم على حسبِ الفنونِ تباينٌ

كلٌّ بفنّ مغرم متولّعُ

وَلَهم وسائلُ جمّةٌ ومقاصدٌ

شتّى وآراءٌ شعاع شرّعُ

وَسِواهمُ دنياهُ أكبرُ همّهِ

يَسعى لَها سعيَ الكدودِ ويجمعُ

فَالناكِبونُ غَدوا وَأكبر همّهم

دُنيا على غَمَراتها قَد أَزمعوا

وَالمهتدونَ إِلى الصراط تتبّعوا

سُبلاً بنيّاتٍ لهم فتوزّعوا

أضعف بِمن يهوي هواهُ بهِ إلى

مَهوى غرورٍ وهوَ لا يتمنّعُ

وَاِعجَب لَه ما شئتَ في حسبانهِ

دَركَ الهَوى فخراً به يترفّعُ

هَذي سبيلُ الغابرينَ وَأَنتَ في

آثارهِم فَاِنظر إذاً ما تصنعُ

فتوقَّ حتفاً لا يقالُ بمرتعٍ

وَخمٍ يغرُّ بينعهِ من يرتعُ

يا سامياً نحوَ المحيطِ بجسمهِ

إنّ الجسومَ إلى المراكز ترجعُ

الجسمُ للإِنسانِ شبه مطيّةٍ

عاريةٍ كيما المنازل يقطعُ

أَخسر بهِ أَن تُستردّ وقصرهُ

مِنها رعايتُهُ لها إِذ ترتعُ

فَاِعبُر إِلى دنياكَ عبرةَ تاجرٍ

عَجلانَ يلتقطُ الّذي يستبضعُ

وَاِعلَم بأنّ نعيمَها وَبلاءها

مُتوالِجان فذا لذا مستودعُ

كالحيّةِ الرقطاءِ لانَ مجسّها

وَاِخشوشَنت حمةٌ لها تستنقعُ

في الناسِ من لو أُمّنوا تَبعاتها

لاستَقذَروها عفّة وتورّعوا

كَم لَجلَجت من ألسُنٍ لسنٍ وكم

ضَرَبت على أيدٍ تطولُ وتصدعُ

بَرحَ الخفاءُ وإنّما رانَ الهوى

بحجابِ عادٍ كم نرى لو يرفعُ

كَم راتعٍ في أَرضها أو كارعٍ

مِن حوضِها ذي غلّةٍ لا تنقعُ

فَتَكت بِه حبطاً فأصبحَ عبرةً

تَبكيهِ مَنها الباغمات السجّعُ

قَد أَنزلته مِن صياصي عزّهِ

أيدٍ وَأيدٍ بالنواصي تسفعُ

فَليدعُ ناديهُ فتىً في بَطنها

دُعيت زبانيةٌ إليه ومقمعُ

كَم ذا تغرّ وتلدغُ الإنسان من

جحرٍ مِراراً وهو لايتمنّعُ

تَجلو على الخطّابِ حسناً رائعاً

وَعلى مخازٍ جمّة تتبرقعُ

يُسليهِ لينُ مجسّها ويروقهُ

تَرقيشها عن سمِّ نابٍ ينقعُ

فَاِربأ بِنفسك أَن تكون كداجنٍ

في صفوِ عيشٍ عن مآل يخدعُ

سفرٌ بمدرجةٍ يسيرُ بِهِم إلى

دارِ البقا دولاب دهرٍ مسرعُ

وَمسافةٌ ما قَبلها أجلٌ وما

مِن بعدها أبدٌ سريعاً تقطعُ

فَلينزعنّ ثيابَ جسمك نازعٌ

وَليفزعنّكَ من مقرّك مفزعُ

الأمرُ ويحكَ فَاِدّرع جدّاً له

جدٌّ وإلّا أيّ سنٍّ تقرعُ

إيهٍ وشمّر فهوَ أعجلُ واِغتنم

مِن فرصةِ الإمكانِ فوتاً يسرعُ

وَدعِ الأماني فهي مجثمُ عاجزٍ

ذاوٍ وَحوصلةُ المحصّل بلقعُ

لا يُلهينّكَ زينةٌ وتكاثرٌ

فَإِلى الهشيمِ يؤولُ ما هو ممرعُ

تَستعبدُ الدنيا القلوبَ بحبّها

وَتُسخّر الدنيا الجسومَ فتخضعُ

فَنتائجُ الحبّ التزاحُمُ في الهبا

وَالإفتخار به وما يستتبعُ

وَنَتيجةُ الآمالِ إِفراغُ القوى

لِصنائعٍ ومهائنٍ تستبدعُ

فَترى مَهاوي بعضِها يلقي إلى

بعضٍ وَليسَ لخرقِها ما يرتعُ

في نقصِ هذي الأرضِ مِن أَطرافها

عبرٌ تعبّرُ حلمَ عيشٍ يطمعُ

فَاِغضُض قُواكَ عَنِ الفضولِ تجد بها

فَضلَ اِلتفاتٍ للّذي هو أنفعُ

هَيهاتَ ما للمرءِ إلّا ما سَعى

وَالسعي سوفَ يرى ويُجزى أجمعُ

إِنّ الرزايا لِلبصيرِ مواعظٌ

تُثنيهِ عَن ذاك القرارِ وتردعُ

لا مفزع في كلّ خطبٍ فادحٍ

إلّا لِمن منه إليه المفزعُ

لا يستردُّ المرءُ مردوداً مَضى

كلّا وَلا مكروهَ آتٍ يدفعُ

فَالحزنُ تَضعيفٌ لما هو واقعٌ

وَالغمُّ تعجيلٌ لِما يتوقّعُ

عَظمَ المصابُ فَما به مِن مفزعٍ

إلّا لِمَن منه إِليه المرجعُ

إنّ الخطوبَ تهولُ عندَ عُمومها

إِذ ليسَ من يُسلي ولا يتوجّعُ

يومٌ كيومِ الدينِ لا وَزَرٌ بهِ

وَلكلّ مرءٍ منهُ شأنٌ مقنعُ

ما خصّ قطر لا ولا أفقٌ بهِ

بَل عمّ ما شملَ المحيط الأوسعُ

قذفَت عَلى الأدباءِ منه صواعقٌ

لِقلوبِها فمصقّع ومصدّعُ

لا يقرعُ الأسماعَ تعزية به

إلّا وَزاد تحسّرٌ وتوجّعُ

فَكأنّها الكيرانُ مهما أُبلغت

بَرد التأسّي للأسى به تلذعُ

فالقلبُ بينَ تلهّفٍ وتلهّبٍ

وَتحسّرٍ وتأسّفٍ متوزّعُ

وَالعينُ بين تأرّقٍ وتدفّقٍ

وَتقلّب وتشوّف تترجّعُ

والجسمُ في رحضائِه مستغرقٌ

فَكأنّ سائرهُ عيونٌ تدمعُ

تَبكي لِمصباحٍ طَوَت مِشكاته

نوراً به تُجلى القلوب السفّحُ

المُنشئ السهلَ المرام الشاعر ال

قاضي المرامي والخطيب المصقعُ

قَد كانَ طوداً للأنامِ ومروداً

وَاليومَ عادَ ذَخيرة تستودعُ

كانَ الضليع بكلِّ عبءٍ مُثقلٍ

هَيهاتَ يَحمل عبأه من يظلعُ

ما بينَ إفتاءٍ وفصل نوازلٍ

وَإِفادةٍ وخطابةٍ تستبدعُ

شَمل الورى فيهنّ عدلاً باهراً

وَفضائلاً وَفواضلاً لا ترفعُ

يُدنيه حسنُ الخلقِ من ربّ الورى

لُطفا ويبعدهُ المقام الأرفعُ

فَتراهُ بينَ جزالةٍ ودماثةٍ

كالشمسِ تقربُ للعيان وتشسعُ

مَع هيبةٍ وسكينةٍ وصرامةٍ

وَسياسةٍ يعطي بها يمنعُ

وَوفورُ خبرٍ في مداراة الورى

وَبصيرةٌ بِزمانهِ وتضلّعُ

وَفصاحةٌ علميّةٌ وفراسةٌ

حكميّةٌ ونفوذُ رأي يقطعُ

وجَمالُ سمتٍ في جلالِ رئاسةٍ

مَع أنّه أنسُ المجالس ممتعُ

وَكمالُ إنصافٍ وحسنُ رعايةٍ

لِعهودهِ وصيانة وتورّعُ

وَتضلّعٌ بمواردِ الآراء بل

وَتشوّفٌ لِتصوّفٍ يتطلّعُ

يَرتاثُ حيث الريثُ يحمد غبُّهُ

وَيسارعُ الأمرَ الّذي هو يسرعُ

يُغضي عنِ العوراتِ غير مكافحٍ

وَيراها رؤيةَ ناصح يتوجّعُ

أَعزز عليّ بأن أرى أبوابهُ

لا مشتكٍ فيها ولا مستنزعُ

أَعزز عليّ بِأن أرى مستبهماً

يَعرو ورأيه مغمدٌ لا يقطعُ

واهاً على الدنيا فقد طلّقتها

بتّاً وَبالأخرى هناك المرجعُ

واهاً على الدُّنيا تكونُ كَمَن لها

درٌّ غَدا في الصيف وهو مضيّعُ

وَاهاً على الدنيا ستفقدهُ إذا

أَشنانُ من عقدوا الحباء تقعقعُ

جَهلتهُ جهلَ الدرّ في يد خارزٍ

حيناً وبادرهُ النقودُ المسرعُ

واحَسرتاه لروضِ فضلٍ قد ذوى

وَلمشرعٍ صفوٍ يغورُ وينشعُ

فكأنّ روضَ الفضلِ لم يك غانياً

عَن أيّ ما رزءٍ ودمعٍ يهمعُ

وَكأنّ شمسَ الفضلِ لم تكُ أشرقت

إذ عمّ للأحزانِ ليلٌ أسفعُ

كَيفَ العزاءُ وَذي موارد فضلهِ

قَد غاضَ دفقُ فيوضِها المتدفّعُ

كيفَ العزاءُ وذي مَراتع جودهِ

قَد صوّحَت وَاِجتحّ منها الممرعُ

كَيفَ العزاءُ لأمّةٍ كانت بِه

تَأوي لطودٍ عاصمٍ لا يفرعُ

كَيفَ العزاءُ وما له من خالفٍ

وَمصابُ مِن عدم الخليفة أفجعُ

هَيهات يدركُ شأوَ بيرم لاحقٌ

أَو يَهتدي لصنيعه متصنّعُ

يا قبرُ قَد أُودِعت منه طيّباً

حيّاً وميتاً فاِدر من تستودعُ

هَذا الّذي بك نشره متضوّعٌ

ركنُ العلى من فقده متضعضعُ

كنّا نُناجي من ذكاهُ عطارداً

في شمسِ علمٍ مرتد متلفّعُ

حتّى أتاهُ يومهُ فدنا لها

وَزواهُ عنها نورها المتلمّعُ

وَسَما لها متجرّداً بل ممسكاً

عَن غايةِ الدنيا وما تستتبعُ

حتّى توهّمنا لِظلمة فقدهِ

شمسَ الظهيرةِ قَد تلته تشيّعُ

حَصدت جُمادى عمره بهلالها

بل إنّما حَصدته إذ هو ممرعُ

لَم يَكتمل ستّين حتّى يبلغ ال

أعذارَ مِن مَولى إليه المرجعُ

للّه أفئدةٌ هنالكَ أُضرمت

وجداً وأكبادٌ هناك تقطّعُ

لَم يبقَ معتبرٌ ولا مستعبرٌ

غَرُبت مِن الروع النهى والأدمعُ

يا راحلاً لم يبق إلّا رسمهُ

صُحفاً لتيجانِ العلوم ترصّعُ

لكَ في الصدورِ منازلٌ مأهولةٌ

لَكن مقامكَ في المحافل بلقعُ

واهاً لرايةِ مذهبِ النعمان إذ

أسلَمتها إِذ لا زعيم يرفعُ

واهاً عَلى الآدابِ أصبحَ سوقها

لا ناقدٌ فيه ولا مستبضعُ

واهاً لديوانِ الشريعةِ عطّلت

فيهِ الحقوق فما لها من يقطعُ

قَد كانَ فيه للظلومِ صوارم

بترٌ وِللمظلومِ منه أدرعُ

فَاِرتجّ إيوانُ العلومِ وأُرتجت

أَبوابه واِخيبّ من يستقرعُ

قسماً بمَن لا يستردّ قضاؤهُ

وَلحكمهِ كلّ البريّة مهطعُ

مَن كان رزؤكَ في صحيفة وزنهِ

رَجحت وليس يهمُّه ما يصنعُ

إِذ ليسَ يقدرُ رزء مثلك قدرهُ

إلّا اِمرؤٌ للدين منه موضعُ

فَتشابَه الداهي وَمأمون الحجى

وَالجامدُ العبرات والمتروّعُ

وَلو اِنّ رُزءك كان يحتملُ الفدا

لَفداك ما تَحوي الجوامع أجمعُ

يا خطّة الإفتاءِ حسبك خطّةً

ولّاك ظهراً من منارك يرفعُ

يا أوحَدَ العلماءِ غير مدافعٍ

في صدرِ شانيك المكارم تدفعُ

وَمودّعاً شانيه منه مودّع

وَمشيّعاً كلٌّ له متشيّعُ

أمّا مآثرك الكرام فإنّها

فقدت بِفقدك فقد ما لا يرجعُ

وَنودُّ لو أبقيتَ منها عندنا

صبراً جميلاً ريثما نسترجعُ

عَجباً لعلمك وهوَ بحر زاخرٌ

أنّى تحيطُ به الثلاث الأذرعُ

طابَت نفوسُهم بِوضعك في الثرى

علماً بأنّك لست شيئا يوضعُ

إنّ الّذي قَد أودعوه بلحدهِ

جَسد تراب وهو ثوب ينزعُ

ممّا يسلّي أهلَ ودّك علمُهم

أنّ المماتَ سبيل دار تجمعُ

وَيقينهُم أنّ المماتِ ولادةٌ

وَجميعُ مَن في الأرض حملٌ يوضعُ

لا يشمتُ الحسّاد موتك إنّه

كَأسٌ له كلّ الورى متجرّعُ

إن أضمَأتك مدامع مكفوفةٌ

روعاً فَمن رضوانِ ربّك تكرعُ

أَو قصّر التأبينُ عنك فللدّعا

برد بِأعلامِ القبول موشّحُ

وَإِذا عصى فيكَ التصبّر رَيثما

تُرثى فإنّ الحزنَ فيك لطيّعُ

الآنَ شمسكُ قد تقلّص نورها

عَن عينِ جسم قَد عراه تقشّعُ

لكنّ أبصارَ البصائرِ حسّرٌ

لا تَستطيع شهودها أو تسطعُ

إِن ضاعَ ذِكرك بيننا عن سلوةٍ

فَله بِأرجاءِ السماء تضوّعُ

أُفٍّ ليومكَ ليتَ يومي دونه

فالعيشُ بعدك حسرة وتوقّعُ

لَم أقضِ حقّ الودّ إِن أقوى بقل

بي أَو لِساني من خيالك موضعُ

رسمَ الفراقُ مثال فضلك فيهما

رَسماً يحدّده اِفتقاد موجعُ

وَالفقدُ يبدي فضلَ مفتقدٍ وشأ

ن النفسِ زهدٌ في الّذي لا يمنعُ

وَأودُّ لو أعطيت نوماً سرمداً

إِذ فيه ما نفسي ونفسك تجمعُ

علّ التناسبَ أَن تكونَ وسيلة الل

لُقيا فَتنزل لي إذن أو أرفعُ

كُنتَ الشجا في حلقِ مَن هو حاسدي

فاليوم ساغَ له الّذي يتجرّعُ

دبّت إِليّ عقاربُ البغيِ الّتي

كانَت بِنعلك كلّ يومٍ تصفعُ

أَفردتَني إذ لا أنيسَ قطعتني

إِذ لا وصولَ تركتني أتضعضعُ

غادَرتني رهنَ الفجائعِ والأسى

حتّى أكادُ بغير شيء أفجعُ

إنّي لأذكرُ قَولتي لك ما بقى

لي اليومَ غيرك من صديقٍ ينفعُ

فَأَجبتني هل كانَ يوجد قبل ذا

رَمزٌ إِلى التحذير ممّن يخدعُ

ما متّ أنتَ وإنّما أنا ميّت

فَهل أنت ترثي لي وهل تتوجّعُ

حزني لأن غادَرتني مُتوحّشاً

في دارِ بلوى بِالمصائب تفجعُ

لكن نَجاتك سالماً من سجنها

ممّا يسرّ فذا بهذا يدفعُ

مَهما يَكُن في الموتِ حظّك وافراً

ما ضرّني نَقصٌ لحظّي يرجعُ

عِشرينَ عاماً في المودّة لم يكد

بَيني وبينك كفّ واش يقطعُ

لَولا يَقيني أنّني بك لاحقٌ

لطِفقت أسباب الحياة أقطّعُ

في اللّه منك وَمِن جميع قرابتي

خَلفٌ وللّه اللجا والمرجعُ

اللّه يَعلم أنّ فقدك فاجعي

لِمكان ودّك لا لحظّ يطمعُ

اللّه يعلمُ أنّ فَقدك مُوحشي

لِنوازل فيها إليك المرجعُ

اللّه يعلمُ أنّ فقدك مشعري

أسفاً وإنّي الدهر منه مروّعُ

كذبَ الحسودُ وكلّ من هو زاعمٌ

أنّي لِعهدك ناكثٌ ومضيّعُ

كلّ النفوسِ تحنّ نَحو خليلها

وَلفقدهِ ولبعده تتوجّعُ

لَو كنت لَم أفقد بفقدك صادقاً

خِلّاً وَفيّاً كنت لا أتضعضعُ

لَكنّ حَسبي أَن أزوّدك الدعا

نوعاً مِنَ العمل الّذي لا يقطعُ

وَإِطالَتي ذيلَ المقالةِ شاهدٌ

أنّي بِميسورٍ لكم لا أقنعُ

وَأقولُ عذراً آلَ بيرَم إنّني

لِمُصابكم ذو عبرة لا تقلعُ

قَد كانَ لي ممّن فقدتم جانبٌ

رحبٌ إِذا بالعذرِ ضاق الأوسعُ

وَأظنُّكم لا تفقدوني بعده

ما مِن شمائله لبرٍّ يرجعُ

قَد كنتُ أُكثِر قبل هذا مزاره

عددَ الليالي وهو عندي مهيعُ

مع أنّه لَو قال إنّ الهجر عن

وان التصافي لم يكن لي مدفعُ

لكن حجاهُ اِستصحب الحال الّتي

عُهدت وَلم يعرض لها ما يقطعُ

وَرَأى الودادَ دوامه في الرفق فالت

تكليفُ ينصلُ والتغاضي ينصعُ

يا آلَ بيرم لَيس يثوي بيتُكم

وَمشائخُ الإسلامِ فيه تربّعُ

فَمحمّدٌ ومحمّدٌ ومحمّدٌ

وَمحمّد والخامس المتوقّعُ

نُظمت على نسقِ التناسل فيكم

تلكَ الرئاسة لا عراها منزعُ

قَد زُحزِحت عنكم قليلاً ريثما

يَشدو الفتيُّ ويحلم المترعرعُ

لا يَشمتنَّ بموتِ ذا من بعدهِ

فَالموتُ منهُ بالنواصي يسفعُ

فَالعمر ميدانٌ وآجال الورى

تهفو وتَهبط خشيةً وتصدّعُ

اللّه أكبرُ كلّ شيءٍ هالكٌ

ما لاِمرئٍ بدوامِ حالٍ مطمعُ

يا ويحَ من غرّته دنياه فأن

سيَ هول مطّلعٍ وما هو أفضعُ

يا ربّ آجِرني به واِخلف فإن

نَ مُصيبتي اِتّسعت ولطفك أوسعُ

أَبدلنيَ اللّهمّ مِن أنسي به

أنساً بِذكرك إنّ ذكرك أنفعُ

يا نائماً طردَ الكرى عن مُقلتي

نَم في الهنا نوم العروس يودّعُ

جادَت عليكَ سحائبٌ من رحمةٍ

تَروي ثراكَ بديمة لا تقلعُ

وَتَعطّرت بِنَسائم التسليم من

مَولاك أفنيةٌ حَوتك وأربعُ

وَسَرت لِروحك نفحةٌ تهدي لها

بردَ الرضا حيثُ الرفيق الأرفعُ

وَلَقيتَ أُنسا بالّذي قدّمته

مِن صالحٍ يُنميه فضل أوسعُ

وَرأيتَ مِن عفوِ الإله ولطفهِ

ما لَم يكن لكَ في حسابٍ يجمعُ

وَرفلت في خلعِ السعادة خالعاً

وَغَدوت في روض التنعّم ترتعُ

وَإِذا يُشفّعُ في القيامة عالمٌ

وَيفوز بِالتأريخ فاز مشفّعُ

معلومات عن محمود قابادو

محمود قابادو

محمود قابادو

حمود بن محمد (أبو علي) قابادو التونسي أبو الثناء. شاعر عصره بتونس، ومفتي مالكيتها. أصله من صفاقس. انتقل سلفه إلى تونس، فولد ونشأ بها. وأولع بعلوم البلاغة ثم تصوف، وأكثر..

المزيد عن محمود قابادو