الديوان » العصر العثماني » جرمانوس فرحات »

حلول حال أفرقنا مجالا

عدد الأبيات : 52

طباعة مفضلتي

حلولٌ حال أفرقَنا مجالا

هَصوراً يقنص الأُسدَ الدِّحالا

تقمصْنا به جلبابَ حزمٍ

يقينا سردُه الأمرَ المحالا

دعانا دعوةً والعقلُ ساهٍ

فعاد برفده يزهو صقالا

توسَّمْنا به تمثالَ برٍّ

فكان على حقيقته كمالا

عَرَوناه على الأكوار لما

برا من أصلنا داءً عضالا

وذلك يوم حل ببيت عَنيا

شعاعٌ أفعمَ المغنى اشتعالا

يرفرف فوق رسل اللَه جهراً

يضيء بألسنٍ كانت مثالا

يؤثِّل فيهمُ فخراً رفيعاً

يدرِّعهم مع الأبدي الجلالا

وأفشى بينهم سرّاً مصوناً

فكان الرمز عندهمُ المقالا

ففاءوا بالفصاحة مذ تَردَّوا

رداءً بالمعالي قد تلالا

فكانوا ينطقون بكل فنٍّ

لغاتٌ عدُّها يُفضي الكلالا

فسارت فرقةٌ منهم يميناً

وسارت فرقةٌ منهم شمالا

فبعضٌ قابل البُشرى جنوباً

وبعضٌ قابل البشرى شمالا

فجالوا ثم جابوا كل أرضٍ

ولم يعلو المطايا والجِمالا

فبينا أن تراهم في وهادٍ

تراهم يرقلون بها القِلالا

تراموا مفحمِين بكل قفرٍ

تخال الماء في الصحراء آلا

يخوضون الغمارَ بعزم جأشٍ

فيحمي سيرُهم فيها النصالا

يذودون الأذى من كل عانٍ

فكانوا للرويّات اعتدالا

فكم ضاءت حنادسُ من ضياهم

وقد كانت ظلاماً بل ضلالا

تخطُّوا المُخطراتِ وهم مواضٍ

فصادوا كل من خاض النزالا

عليهم جَوشَنُ التقوى تقيهم

ذُبابَ الهند والسُمرَ الطوالا

وشاحهمُ السوابغ مسبغاتٍ

وتلك أمانةٌ تُقصي المِحالا

وسيفُ الروح في يمنى حماهم

فلا يخشون منه الإغتيالا

وتخفق دونهم راياتُ نصرٍ

تعيد بُدورَ أعداهم هلالا

وقد نبذوا الورى عنهم وراءً

وقادوا بالوعيد من استقالا

وطافوا ثم داسوا كلَّّ قَرْمٍ

يَقُدُّ بعزم سطوتِه السَّعالا

تراهم في المشارق شمسَ نُجحٍ

كما كانوا بمغربها ظلالا

لهم من علمهم في كل نادٍ

جهابذةٌ يرون الإكتمالا

شُذورُ كلامهم في سلك نظمٍ

يزيد نحور نائطها جمالا

فكان كلامهم في الأرض ملحاً

يزيلُ فسادها والإغتيالا

فأين العائشون بها بجهلٍ

وأين الشائدون بها الضلالا

وأين بها ملوك الروم طرّاً

فكم صال الغبي بها وجالا

وكم كانت بها اليونان تعلو

بحكمتها ارتقاءً واختيالا

وكم ألقت نفوسٌ من علاءٍ

كأن بفَلق منطقها نِبالا

ففاجتهم على ذُعرٍ رجالٌ

سَراةٌ لا يهابون الرجالا

تراهم مرسَلين وهم سيادٌ

يُحيلُ الذيبَ أضعفُهم غزالا

فأعيَوا كلَّ منطيقٍ قَوُولٍ

فولى وهو يشكو الإنخذالا

فكم من ميّتٍ نشروه لما

أروه بالصليب الإشتمالا

وكم من أكمهٍ أبرَوا عماه

فأبصر بعدها ضَوّاً تلالا

وكم من أحسبٍ قد طهروه

وزادوه جمالاً بل كمالا

وكم متشيطنٍ زانوا حِجاه

برسم صليبهم رسماً تعالى

وكم من مقعدٍ حلُّوا بعزمٍ

شكائمَه فحاز الإنتقالا

وكم من أبكمٍ قد أنطقوه

غدا قسَّ الفصاحة فاستقالا

وقادوا الحائدين إلى هُداءٍ

ولما اندقَّ طودُ الكفر مالا

ولما أشرقت شمس المُعزِّي

بأفق الرسل مزَّقَت المِحالا

فكانوا كالشهور الغر عدّاً

أو الأبراج حكماً واعتدالا

زعيمُهم الصفا وبها عِياناً

يَفُلُّ عناد شانيه انفلالا

ولما أن قضى بديار روما

رئيساً صاب فيها الإنتقالا

وخلَّف بعده حبراً جليلاً

حليماً يَرؤُسُ الدنيا كمالا

فما زالت له الخلفاء تتلو

إلى أيامنا بل لن تزالا

ترى كرسيَّه يوماً فيوماً

به الآثار تُفهمُك الجلالا

له منا السلام ونحن ندعو

بطاعته يميناً أو شمالا

معلومات عن جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جبرائيل بن فرحات مطر الماروني. أديب سوري، من الرهبان. أصله من حصرون (بلبنان) ومولده ووفاته بحلب. أتقن اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية، ودّرَس علوم اللاهوت، وترهب سنة 1693م ودُعي باسم..

المزيد عن جرمانوس فرحات

تصنيفات القصيدة