الديوان » العصر العثماني » جرمانوس فرحات »

أفأي عين لا ترف وتدمع

عدد الأبيات : 73

طباعة مفضلتي

أَفَأَيُّ عينٍ لا تَرُفُّ وتَدمعُ

أم أي قلبٍ لا يرقُّ ويوجعُ

لمصائب الدهر الخؤون لأهله

فكأنه سهمٌ ونحن المصرع

فكأنما أعمارنا وكرورها

ماءٌ هوى من شاهقٍ إذ يسرع

لذّاتُه أضغاث أحلامٍ مضت

ومضيُّها كمضيه لا يرجع

إن كان هذا حاله مع حالنا

ما بالُنا عن وِرده لا نهجع

آهاً لحالٍ لا يحول عن الضنى

فابْعِدْ فؤاداً لا ينوح ويسجع

ما بين جفني والدموع مودَّةٌ

من لي بنمّامٍ يَنِمُّ فيُمنَع

والقلب قد هجر الحشا من حزنه

هل من فتىً شَمْلَ المودة يَجمع

يا بينُ ما لك في ربوعي نازلاً

ومنازلي فيها الأحبة هُجَّع

إني أخاف ولست أولَ خائفٍ

والرعد تسبقه البروق اللُّمَّع

كم غافلٍ قد جئته عن غفلةٍ

ما أنت أول خائنٍ لا يفزع

إن الخبيث يُري السليمَ وداعةً

فيغش منه وهو ذئبٌ أدرَع

فغرابُك النعّابُ قد زجرَ الذي

أضحَت محبَّتُه بقلبي ترتع

فلذاك قد فقد الأنيسُ أنيسَه

وديارُه منه خرابٌ بلقع

ومصدقُ الأيامِ يجهل كذْبَها

والبدر يحجبه الغمام الأسفع

وإذا المُرائي قال إني صادقٌ

فاعلم بأن الصدق فيه مُصنَّع

يا راهباً رَهَبَتهُ أشراكُ العدا

فنجا وأشراك الردى لا تُمنَع

يا من إذا نوَّهتُ باسمك قائلاً

إرسانيوس جاوبتني لا أسمع

دعني فكيف يُجيبُ شخصٌ قائمٌ

غرَضاً وأسبابُ المنية شُرَّع

سَلَّ الحِمامُ عليَّ صارمَ حكمِه

وأنا غريبٌ في البلاد مضيَّع

لم يَبقَ لي من جور ذلك رونقٌ

أو منظرٌ أو مَخْبرٌ أو مسمع

يا بينُ خبِّر قبل موتي إخوتي

فعساهمُ بأخيهمُ أن يشفعوا

فإذا مررت بقبر أمي قل لها

بإشارةٍ يدري بها المتفجِّع

إرسانيوسُ اليوم وافى أمَّه

من بعد غربته يزور ويرجع

كُفِّي دموعك لستِ أولَ ثاكلٍ

بي إنَّ حزنَك هيَّجته الأدمع

يا ساكني الشهباء هل لي عندكم

خلٌّ ولكن بالدلالِ مُقنَّع

فارقتُ في لبنان طلعةَ أنسه

فعدمتها يا حبذاكَ المطلع

فأضعته ما بين لبنانٍ وما

حلبٍ فإني مُضيَّعٌ ومُضيِّع

يا تاركي في حزنه من بعده

مثلاً تسير به الرياح الأربع

قد شقَّ جيبَ القلب فيك حُشاشةٌ

تفديك عني مهجةٌ تتقطَّع

ولقد صدعت عليك قلباً شيَّقاً

ناهيك من قلبٍ عليك يُصدَّع

أخبار موتك لو رأى آثارها

قلبٌ كفورٌ لانثنى يتوجَّع

يوم الثلاثا قد كساني حزنُهُ

ثوباً ولكن بالدموع مرصَّع

يا فقدَ قلبي والحبيبِ ومنزلي

فثلاثةٌ فيها المصيبة أربع

يا مشهداً أضحى بعيني أغبراً

لكنه في القلب أسودُ أسفع

يا راحلاً والقلب معْه راحلٌ

شوقاً فهل يرتدُّ قلبٌ مولَع

قد كنتَ سرّاً في ضميري كامناً

فوشى بك الموت العدو الأشنع

فغدا فؤادي منكم صِفراً كما

أضحيتُ صِفراً منه فهو مضيَّع

فلأيِّكم أبكي أوانَ فراقه

ولأيكم عند الفراق أودِّع

سِلكُ الدموع به فرائدُ ذكرِكم

ما أحسنَ الأشعارَ حين تُرصَّع

فأخي وقلبي سافرا عني معاً

هذا وذاك مُضيَّعٌ ومُشيَّع

ودعت قلبي حين سار مودِّعي

فأنا وذاك مودِّعٌ ومودَّع

إرسانيوس إني عليك ممزقٌ

طول الزمان ومن بعادك موجع

واحسرتاهُ لفقد خلٍّ قد ثوى

في غربةٍ إذ عز عنه موضع

مات الغريب بغربةٍ في غربةٍ

عن ديره ودياره لو تسمع

ونَعيتُ كلّي بعد فرقةِ جزئه

بالموت إذ كلّي لجزئي يَتبع

فالموت حتمٌ من إلهٍ قادرٍ

كل ابن أنثى للمنية يُدفَع

مذ طاف كأسُ الموت مرّاً عافه ال

ندماء إلّا من رآه يَنفع

إرسانيوس ذاكَ الذي أبقى لنا

من بعده عيناً تنوح وتدمع

خشي الإلهُ عليه عند كماله

والنقصُ في أهل الفضيلة مولع

كالبدر حين يتم بعد هلاله

يخشى عليه من خسوفٍ يَشنَع

فجناه في لبنان غُصناً ناضراً

وعليه ثَمْرٌ للفضائل مونِعٌ

شهدت له الشهداءُ مما قد رأوا

من صبره والداء مرٌّ موجِع

ورأت به النساك مَخبَرَ نُسكِهم

إذ شُفَّ منه فؤاده والأضلع

بفضائلٍ نُسكيةٍ لو رمتَها

كادت لأركان الجهاد تُزعزِع

قد شدَّ حِقوَ الزهد حتى أنَّه

لم يبقَ في قوس الزهادةِ مَنزع

وغدا بنذر الفقرِ أفقرَ ناذرٍ

فيه وأطهرُ بالعفاف وأطوَع

فكأنما قانونه ورسومه

حد الصراط بحده يُتتبَّع

يسعى به فكأنه مجموعُه

ويرى به ما لا يراه المَجْمَع

قد زينته عند تربة قبره

روضُ الجنان بها الملائك رُتَّع

طوباك من ميتٍ حييت بنعمةٍ

علويةٍ وبمجدها تتمتَّع

وسقى ضريحَك يا ابن ودِّي مزنةٌ

منهلَّةٌ وبفضلها لا تُقلِع

وتغمد الرحمن نفسك عنده

برَآفةٍ وبرحمةٍ تتوسَّع

وكما لبست الفضل وهو موسَّعٌ

فالبَس رداء المجد وهو مُجزَّع

أوصيك يا من أنت عندي أعزُّ من

نفسي وأنت هو الأعزُّ الأمنع

ألا تَرُدَّ أخاً لعفوك طالباً

بسؤاله وإليك فيه يضرع

وأقرن بمريم ما تروم فإنها

باب السما للتائبين ومَهيَع

تلك التي وسعت إلهاً مالئ ال

أكوان طرّاً وهو منها أوسع

تبّاً لباغٍ غيرِ باغٍ مدحَها

وعدوُّها منها أشرُّ وأشنع

هل تجعليني يا بتولةُ في الورى

وقفاً عليك بمدحةٍ أتوسَّع

فالشمس من نور البتولة غُيِّبَت

والبدر من إشراقها لا يطلع

حزتِ الخلالَ الكاملاتِ بأَسرها

فبك الكمال المستهامُ الأرفع

فتشفعي في المؤمنين ترحماً

إذ أنت أكبر شافعٍ يتشفَّع

معلومات عن جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جبرائيل بن فرحات مطر الماروني. أديب سوري، من الرهبان. أصله من حصرون (بلبنان) ومولده ووفاته بحلب. أتقن اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية، ودّرَس علوم اللاهوت، وترهب سنة 1693م ودُعي باسم..

المزيد عن جرمانوس فرحات