الديوان » العصر العثماني » جرمانوس فرحات »

عج بالحمى يا راكب الوجناء

عدد الأبيات : 85

طباعة مفضلتي

عُج بالحِمى يا راكِبَ الوَجناءِ

فعَساكَ تُحيي مَيّتَ الأَحياءِ

واقرا السلامَ أُهَيلَ ذَيَّاكَ الحِمى

عَنّي فإِني عن حماهم ناءِ

إن كنتَ تجهَلُ مربعي فاِعشُو إلى

نارٍ تُشَبُّ بزَفرَةِ الصُعَداءِ

أو كَنتَ تجهَلَ في الحِمى أَرجاءَهم

يهديكَ منها تضوُّعُ الأَرجاءِ

فأَنِخ بهاتيكَ الرُبوعِ ولا تقُل

أَرَجُ النسيم سَرى من الزَوراءِ

فَسَقى ديارَ أحبَّتي صَوبُ الحيا

بل أدمعي تُغني عن الأنواءِ

عَجباً لقلبٍ سارَ بين رِحالِهم

فكأنَّهُ صاعُ العَزيزِ الرائي

فغدوت صُفرَ القَلبِ بل صُفرَ الحشا

بل صُفرَ رَبعٍ كان فيه عَزائي

يا ساكني الأُردُنِّ رِفقاً بالذي

لم يدعُ يوماً ساكني البطحاءِ

لي فيكمُ دمعٌ يَنِمُّ بسِرِّكُم

أبداً تكفكفهُ يد البُرَحاء

قد أوقدت زفراتُه نارَ القِرى

فلذاك تَعشوها ذوو الأَهواءِ

صَبٌّ صبا نحو الصَبابةِ والصِبا

فصبابتي من صَبوتي وصِبائي

هاتيكمُ النار التي في بابلٍ

قد أوقِدَت من جُذوَةِ الأِحشاءِ

لولا انسجامُ مدامعي في سَفحكم

لقَضَيت عند تحرُّقي وبَلائي

يا قَلبِ هلّا جُزتَ في سُفُن الحشا

بحراً طما من عَبرَتي وبكائي

بل طِرت وا أسفا عليك لغائلٍ

يعروك عند مَواقعِ الإيماءِ

نحوَ الدِيارِ دِيارِ عَقدِ أليَّتي

بِهِمِ وَحلَّ مآزِري وحِبائي

مني السلامُ على رُبوع أحبَّتي

متأَلِّقاً بسواطعِ اللألاءِ

خذ يا نسيمَ الصُبحِ عني أنعُماً

إن كُنتَ ممَّن يَرتَضي ببَقائي

نحوَ البتول الطُهرِ مِنهاج الورى

مَن خُصِّصَت بالنَجمَةِ الغرّاءِ

وانشُر بِمَرِّكَ طيَّ ما استُودِعتَهُ

من مُغرَمٍ دَنِفٍ كئيبٍ ناءِ

وقُل السلامُ عليكِ من صَبٍّ غدا

يحنو أضالعهُ عن الرَمضاءِ

لو كان يُمكِنُ أن يُريكِ ضَناءَهُ

لأَراكِ لكن ليسَ بالمُتَرائي

أصغِي لصوت أنينهِ كي تعرفي

من صوتِه ما فيهِ من بَلواءِ

هذا هو الصوتُ الذي يَدعو بهِ

جَهراً وذاك بَمريم العَذراءِ

يا إِبنةَ الكُبَراءِ بل يا إِبنَةَ ال

كُبَراءِ بل يا إِبنَةَ الكُبَراءِ

مُذ شِمتُ بارقَ نوركِ مُتَنَفِّساً

راعى النظيرَ الطَرفُ بالأَنواءِ

تاللَهِ ما كانت بُروقُكِ خُلَّباً

مذ أُردِفَت بالديمة الوَطفاءِ

لما تَجلَّت للعِبادِ شُموسُها

جَلَتِ الغَياهِبَ عن يَدٍ بَيضاءِ

ورأَوا عُبابَ الفضلِ أَزبَدَ زاخِراً

فَثَنى السِنانَ قريبُهُم والنائي

وتزاحَمَ الوُرّادُ فيكِ لِيَملأوا

من فَيضِ جودٍ حُفَّ باللألاءِ

كم مَنهَلٍ صَدَرَ العُفاةُ صوادِياً

عنهُ وبَحرُكِ وافِرُ الإِعطاءِ

أَفديكِ من قَمَرٍ بَدا مُتَنَزِّهاً

عن نَقصِ مَرتَبَةٍ وَخَسفِ ضِياءِ

تعنو لهُ الأَقمار وهي طوالعٌ

ويخِرُّ للأَذقان ابنُ ذُكاءِ

قد جُمِّعَت فيكِ المحاسِنُ كُلُّها

فَلذاكَ مازِجُ حُبِّكِ بِدِمائي

إن كنتِ شمساً فالأنامُ كواكِبٌ

أو كنتِ بَدراً فَهيَ عينُ سُهاءِ

إّني لأَحوجُ في عُلاكِ منَ الذي

وقِياسُ قُربِكِ مُنتفٍ بخَطائي

إن كُنتِ في شَرَف العُلا كُلِّيَّة

فهَواكِ مِني شاملُ الأَجزاءِ

فلذاك يَمتَنِعُ التَناقُضُ بَينَنا

وقِياسُهُ يأتيكِ بالأنباءِ

شَوقي أَمامي كونَهُ لي فاعلاً

والحظُّ مَفعولاً يسيرُ وَرائي

والصَبرُ مُنخَفِضُ الجَنابِ لِأَنَّهُ

أَضحى مُضافاً في مَحلِّ حِمائي

فكأَنَّني خَبَرٌ لإِنَّ واجبُ ال

تأخير عند أيِمَّةِ العَرْباءِ

إِن قيل مَن تَهوى أَجَبتُ مورِيّاً

مَن كانتِ السَرّاءَ للضَراءِ

يا لائمي إِعدِل لأَنَّكَ عادلٌ

والعَذلُ يوجِبُ في الهوى إِغرائي

أَينَ الشجيُّ منَ الخَليِّ مكانُهُ

باللَهِ يا ذا خَلِّني وَبَلائي

فعَلامَ تَظهَرُ في صِفاتِكَ مُغرِياً

مُتَلَوِّناً كَتَلَوُّنِ الحِرباءِ

إِنّي لأَغرَبُ في مَحَبَّةِ مَريمٍ

عَجَباً مِن العَنقاءِ والزَرقاءِ

أَتَرومُ تَخدَعُني وتِلكَ مُصيبةٌ

هَلّا سَمِعتَ بِقِصَّةِ الزَبّاءِ

سِر يا عَذولي لا كَبا بِكَ مَركبٌ

وَنَبا لِسانُكَ عن نَباءِ هَوائي

كُلّي لِسانٌ عن غَرامي ناطقٌ

والذِكرُ والتَفكيرُ مِن شُهَدائي

وكتَمتُ سِرّي عن نَباكَ مُغالِطاً

كيما أُواري النورَ بالظَلماءِ

فَتَكونُ في ظُلَمِ العَمى مُتَسكِّعاً

وَتسيرُ نور الهُدى أَنضائي

حتى إذا أَشفقتُ منكَ على الأَسى

أَبرَزتُ سِرّي مُعلِناً بهُدائي

وبَدا لِسانُ الشَيبِ نَحوي مُنشِداً

حقَّقتَ عَهدَ مَحبَّتي ووَلائي

وغدَوتُ أَهتِفُ بينَ أهلِ عَشيرتي

في أَشرَفِ الأَلقابِ والأَسماءِ

يا مريمُ البِكرُ ارحَميني إِنَّني

شَوقي أمامي والقَضاءُ وَرائي

يا مريمُ البكرُ ارحَمينِ بنَظرَةٍ

كيما أراكِ ولاتَ حينَ فَنائي

يا مريمُ البكرُ اِرحَمينِ بنعمةٍ

في مأربي مَع أَزمَتي وَعنائي

يا سُدَّةَ المجدِ التي قد شوهدَت

من دانيالَ بلَيلَةِ الرؤياءِ

يا سُلَّماً ألفاهُ يعقوبُ الفتى

في بيت إيلٍ وهوَ في المنفاءِ

يا قُبَّةَ العَهدِ التي قد ضَمَّها

موسى الكليمُ لشَعبهِ الخَطّاءِ

يا منظراً لم يَخفَ رَسمُ ضِيائِهِ

يومَ اعتِلانِ السِرِّ في البيداءِ

آنَستَ يا موسى لَظىً قد أوقِدَت

بالطورِ في عُلَّيقَةٍ خَضراءِ

لا تذهَلَنَّ فإِنَّ أمرَكَ واضحٌ

إذ تَمَّ ذاك بمَريمَ العَذراءِ

يا طورَ سينا حينَ حلَّ بِسَفحهِ

رَبٌّ تعالى عن عِيانِ الرائي

يا فُلكَ نوحٍ إذ نجا بِفنائِهِ

قَومٌ سَراةٌ من ثَجاجِ الماءِ

داود مَثَّلَها بآلة نَظمِهِ

مُذ خُصِّصَت بالنَغمةِ الحسناءِ

حِزقيلُ شاهَدها كبابٍ موصَدٍ

وَلَجَ الإِلهُ بهِ بغَيرِ أذاءِ

دانيلُ شَبَّهها بطورٍ شامخٍ

هَبَطَ العزيزُ عليه بالأنباءِ

شَعيا رآكِ غمامةً مُمتَدَّةً

قد ظَلَّلَت أجزاهُ بالأَفياءِ

يا قِسطَ مَنٍّ يا عَصا هرونَ بل

يا جِزَّةً تَخضَلُّ بالأنداءِ

يا هَيكَلاً قد شادهُ سَلمانُ يا

نَجماً بدا في الليلةِ الليلاءِ

أنتِ عَمودُ الصبحِ يَهدي أمَّةً

ضَلَّت عن الإِرشادِ بالإِغواءِ

ماذا أعدّد من محاسنها فقد

أعييتُ إن الفخر في الإعياءِ

وَلَقَد غَرَستُ بها مُنايَ لأَجتني

ثَمَرَ النَجاة فلا تَني بِوَفائي

أحلى أماني النفس منكِ بما رأَت

من فوزها والفوزُ فيكِ غَنائي

دَرَجُ المعالي حُزتهُ في حُبِّها

ونَجوتُ من دَرَكِ الشقا بِرَجائي

فَدعي الرقيبَ القالِ منكِ بِمَعزِلٍ

مُلقىً فهذي شيمةُ الرُقباء

واقفي مَزاري يا بتولُ أَفُز بما

أهوى على عَين الخَليْ العَوّاءِ

قَسَماً فَلو طرقَت صِفاتُكِ خاطِري

أَطرَقتُ إِجلالاً لها بِولائي

وإذا هَمَمتُ بأن أراكِ بمُقلةٍ

حَوراءِ عُدتُ بمُقلَةٍ شَكراءِ

إِن كان سَجمُ الدمعِ طَرفي طارفاً

فَجَلاؤُهُ بَمراوِدِ الإِنشاءِ

إِني لأُحجِمُ عِندَ ذِكركِ رَهبةً

وأَجلُّ ذِكري إِسمكِ وثَنائي

فِكري بمدحكِ صائغٌ لِقَصائدي

والنُطقُ يَسبِكُها بِنارِ ذَكائي

كَيما أرى سَمعي يَلَذُّ بمَنطِقي

وتَميلَ من طيبِ الشَذا أَعضائي

معلومات عن جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جرمانوس فرحات

جبرائيل بن فرحات مطر الماروني. أديب سوري، من الرهبان. أصله من حصرون (بلبنان) ومولده ووفاته بحلب. أتقن اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية، ودّرَس علوم اللاهوت، وترهب سنة 1693م ودُعي باسم..

المزيد عن جرمانوس فرحات

تصنيفات القصيدة