الديوان » العصر المملوكي » الغزالي »

ما بال نفس تطيل شكواها

عدد الأبيات : 63

طباعة مفضلتي

ما بال نفس تطيل شكواها

إلى الورى وهي ترتجي اللَه

يفسد إخلاصها شكايتها

ذاك الذي راعها وأرداها

لو أنها من مليكها اقتربت

وأخلصت ودُّها لأدناها

لكنها آثرت برتيه

عليه جهلاً به فأقصاها

أفقرها المورى ولو لجأت

إليه من دونهم لأعتاها

تشكو إلى خلقه كأنهم

قد ملكوا نفعها وضراها

لو فوضت أمرها لخالقها

وصححت صدقها وتكلاها

عرضها من همومها مزجاً

ولم يدعها يطول غماها

تسخطه في رضا بريته

تباً له ما أجل يلواها

لو أنها للعباد مسخطة

مرضية ربها لأرضها

لدي نفس أحب أنعتها

لتعرفوا نعتها وأسماها

فاسمع صفاتي لها لعلك أن

تفهم ذا اللب سر معناها

تسعى إلى اللهو وهو غايتها

يا ويلها ما أضر مسعها

أزجرها وهي لي مخالفة

كأنني لست من أوداها

تنظر في عيب غيرها سفهاً

وكم عيوبٍ لها فتنساها

قد ظلَمتني بسوء عثرتها

ولم تدع لي تقوى ولا جاها

كثيرة اللغو في مجالسها

قليلة الذكر في مصلاها

قليلة الشكر عند نعمتها

ضعيفة الصبر عند بلواها

بطيئة السعي في مصالحها

سريعة الجري في بلاياها

كثيرة المطل في مواعدها

كذوبة في جميع دعواها

بصيرة بالهوى وفتنته

عمية عن أمور أخراها

نشيطة عند وقت لذتها

كاسلة عند وقت ذكراها

تؤومة العين عند صحتها

عظيمة الخوف عند ضراها

حليفة الكبر والرياء فقد

أفسدها كبرها وأطغاها

عظيمة المدح والثناء لمن

يرفع مقدارها ومثواها

مطيلة الذم بالقبيح لمن

عرفها قدرها وطغياها

تفرح في أكلها ومشربها

وحبها للمنام أغراها

ذاكرة للورى مساويهم

ناسية ما جناه كفراها

كم بين نفسي وبين نفس فتى

طهرها بالتقى ونقاها

علمها رشدها وبصرها

ثم بقوت الحلال غداها

أقامها في الدجى على قدم

فانهملت بالدموع عيناها

إذا اشتهت شهوة يعودها

بخوف معبودها فسلاها

وراضها بالصيام فانقمعت

بالرغم عن غيها ومغراها

ذاكرة للإله شاكرة

مخلصة سرها ونجواها

للَه نفس امرئٍ موفقة

آوت إلى ربها فآواها

شرفها ربها وكرمها

ومن مياه اليقين أرواها

سمت إليه بحسن فكرتها

ثم صافي ودادها فصفاها

تلك التي أن دعت لحاجتها

أجابها مسرعاً ولباها

إن بليت بالخطوب صبرها

أو سألت ما يريد أعطاها

ليست كنفسٍ لدي عاصية

آمرها جاهداً وأنهاها

وهي لأمر الإله عاصية

ويلي لما قد جنت ويلاها

كيف إلى ربها تنوب وقد

ذلت لشيطانها فأغراها

فكلما قلت نفس أزدجري

وراقبي في أمورك اللَه

صمت عن الحق وهي سامعة

كأنني ما أريد إياها

لو علمت بعض ما له خلقت

أحزنها علمها وأبكاها

لو تعرف اللَه حق معرفة

لصححت برها وتقواها

لكنها جهلها بخالقها

أغفلها رشدها وألهاها

يا ويح نفسي والويح حق لها

أن صدها ربها وأرداها

تغرها لذة الحياة وما

تدري إلى ما يكون عقباها

قد ضقت ذرعاً بها وأحبسها

لم أك أعصي الإله لولاها

إن أنا حاولت طاعت فترت

وأظهرت وحشة وأكراها

صرت مع النفس في محاربةٍ

تأمرني بالهوى وأنهاها

نحن كقرنين في معاركة

أدرع الصبر عند لقياها

وهي بجند الهوى مبارزتي

وأي صبر يطيق هيجاها

إن جبنت بالقتال شجعها

أو ضعفت في اللقاء قواها

أصرعها تراة وتصرعني

لكن لها السبق حين ألقاها

أحبها وهي لي معادية

كأنني لست من أحباها

عدوة لا أطيق أبغضها

يا ليتني أستطيع أنساها

سابحة في بحار فتنتها

جاثية في سدول ظلماها

أحسبها أن أبت موفقتي

خاسرة دينها ودنياها

يا رب عجل لها بتوبتها

واغسل بماء التقى خطاياها

إن تك يا سيدي معذبها

من ذا الذي يرتجي لرحماها

فألطف بها واغتفر خطيئتها

أنك خلاقها ومولاها

معلومات عن الغزالي

الغزالي

الغزالي

محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، حجة الإسلام. فيلسوف، متصوف، له نحو مائتي مصنف. مولده ووفاته في الطابران (قصبة طوس، بخراسان) رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد..

المزيد عن الغزالي