الديوان » العصر الأندلسي » الأرجاني »

عهد هوى كنا عهدناه

عدد الأبيات : 89

طباعة مفضلتي

عَهْدُ هوىً كنّا عَهِدْناهُ

يَفْنَي اصْطباري عند ذِكْراهُ

لا أنا أنْساهُ فأسْلو ولا

تَذكُرُه أنتَ فتَرعاه

لو كان يُفْدَى فيُرَى ثانياً

ماضٍ من العَيْش فَدْيناه

فَلْيَسْقِه دَمْعي بتَسْكابِه

فإنّه أوْلَى بسُقْياه

يا قاتلي ظُلْماً بهِجْرانه

هَجْرُك ما أكثرَ قَتْلاه

سنَنْثُرُ اليومَ العِتابَ الَّذي

كنّا زماناً قد طَويْناه

تَذْكُر كم لَيْلٍ لنا سالفٍ

قُرطُكَ قد كان ثُريّاه

سَهِرْتُه عندك لَهْواً وقد

خِيطَ من الغَيْرانِ جَفْناه

ثَغْرُكَ معْ خَدِّكَ في جُنْحِه

ماءُ أخي الوَجْدِ ومَرْعاه

فَبتُّ مِن وَصْلِكَ في لَذَّةٍ

حتّى جَلا الصُّبْحُ مُحيّاه

والنَّجمُ قد أطَبقَ أجفانَه

والنَّومُ قد أطْلَقَ أسْراه

واللّيلُ سَيفُ الفَجْرِ في فَرْقِهِ

يَقْتلُه والدّيكُ يَنْعاه

والحَيُّ قد حانَ انْطلاقٌ له

وقد حَدا الحادي مَطاياه

ثار وراءَ الرَّكْبِ مُستَعْجلاً

يَلُفُّ أُولاهُ بأُخراه

والإلْفُ قد عانقَني للنَّوى

فالْتَفَّ خَدّايَ وخَدَاه

كأنّه رامٍ إلى غايةٍ

تَناوَلَ السّهْمَ بيُمْناه

حتّى إذا أدناهُ من صَدْرِه

أَبْعَدَهُ ساعةَ أَدْناه

يا مَنْ عَذيري مِن هَوى شادِنٍ

ما كنتُ نَهْبَ الوَجْدِ لَوْلاه

قد ضَمَّنا يومَ غدَوْا مَوقفٌ

ما كانَ لولا البَينُ أَحْلاه

وللهوَى كانتْ غداةَ النَّوى

رسائلٌ بَلَّغْتُها فاه

حينَ بدا كالبَدْرِ بَدْرِ الدُّجَى

يَنوسُ في خَدَّيه لَيْلاه

السِّحْرُ ما تُمليه أَلحاظُه

والحُسْنُ ما يَحْويهِ بُرْداه

والدُّرُّ مِن فيهِ مدَى الدَّهرِ ما

يُسمِعْناهُ ويُريناهُ

أَفْدي الَّذي لم أسْتَجِرْ في الهَوى

إلاّ إليه منه شَكْواه

أَدْنَى المُعنَّى منه حتّى إذا

تَيَّمَهُ في الحُبِّ أَقْصاه

وكلُّ ما لاقَيْتُ من غَدْرِه

قالَتْه لي من قَبْلُ عَيْناه

يومَ صَبا قلبي إلى طَرْفه

فقلتُ إيّاكَ وإيّاه

فاليومَ لو هَمَّ بتَرْكِ الهَوى

ثنَتْهُ عن ذاك ثَناياه

فما تَرى يا بدْرُ في مُدْنفٍ

طَيْفُك لو حَيّاهُ أَحْياه

بلْ يا أَخا الأزْدِ وأعني بها

أزْداً بحيثُ النَّجمُ عُلْياه

لا يُنْكرُ المجدُ إذا ما سَما

أَنّا وإيّاكمْ جَناحاه

نحن بنو ماء السّماء الّذي

يَخْلُفُه في المَحْلِ جَدواه

إن حُبِسَ القَطْرُ على مُجْذِبٍ

كَفاه أَن تُطلَقَ كَفّاه

ما الأزْدُ إلاّ جِذْمُ كلِّ العُلا

ونحن يَومَ الفَخْرِ فَرْعاه

لمّا دعا والنّاسُ أَتباعُنا

داعٍ إلى الحقِّ تَبِعْناه

فالمُلْكُ ما نحنُ سَبقْنا بهِ

والدِّينُ ما نحنُ نَصَرْناه

والعُرْبُ قد سارَتْ إثْرنا

فأدركَتْ سُؤْراً تَركْناه

أما كَفانا أنَّهمْ قَدَّموا

مَجْداً وطاروا بِقُداماه

وأنّ صدْرَ الدِّينِ في عَصْره

قد نصَر الدِّينَ وآواه

نَصْراً بهم ثُمَّ بهِ ثانياً

أَعادَه اللهُ وأَبْداه

فقد غدا النّصْرُ لدينِ الهُدَى

أُخْراه منّا بَعْدُ أُولاه

جَدَّدَهُ ذو كرَمٍ غامرٍ

لا يَستَحِقُّ المَدْحَ إلاّه

عبدُ اللَّطيفِ المُجتلَى مَجْدُه

عن أَن يُرَى في النّاسِ شَرْواه

قَرْمٌ إذا عَنَّ لمَسْعاتهِ

أَعْشارُ حَمْدٍ فازَ سَهْماه

ذو هِمّةٍ تُضْحي وتَمْسي عُلاً

والعِلْمُ والحِلْمُ خَليلاه

فالدِّينُ في ظلِّ عُلاهُ حِمىً

يَحوطُ أَدْناهُ وأَقْصاه

والدَّهرُ قد راحَ له خادماً

يأمُرُه صُغْراً ويَنْهاه

واليُمنُ واليُسرُ طَريقاهُما

للخَلْقِ يُمْناه ويُسْراه

يا راحِلاً يَطلُبُ مَعْروفَه

فُزْ بالغِنَى أوّلَ لُقْياه

ما عنده عنك إذا جِئْتَه

يُذخَرُ لا مالٌ ولا جاه

ما بَرِحَتْ تَتْرى على حالةٍ

في اليَسْرِ والعُسْر عَطاياه

قُلْ للإمامِ ابْنِ الإمام الَّذي

نَرجوه في الدَّهرِ ونَخْشاه

يا مَن عَلا مِنْ مَجْدِه باذخاً

مُهلَّبُ العَلْياءِ وَطّاه

جَدُّك ما اخْتَارَ لأبنائهِ

غيرَ ثلاث مِن وَصاياه

منهنّ أنْ قالَ اعْلَموا أنّكمْ

والفَضلَ لا تَرضَوْا بأَدْناه

ثيابُكمْ أحسَنُ ما أصبحَتْ

على سِواكمْ حينَ يُكساه

مَخْلوعةً منكمْ على كُلُّ مَنْ

يَلبسُ شُكْراً طال ثَوْباه

رُؤيتُه فيهنَّ مَدْحٌ لكمْ

فَسمْعُه للخَلْقِ مَرآه

وسَحبُه الأذيالَ سَحبانُكمْ

يَرتجِلُ الخُطبةَ مُمْساه

يَتْلو ثناءً سابغاً حَشْوُها

إذ يتَثنَّى فيه عِطْفاه

كأنّها لَفْظٌ غدا رائقاً

للمَدْحِ واللآبسُ مَعْناه

وقال قولاً لهمُ ثانياً

ليَحْمَدوا في الدَّهر عُقْباه

لن تَبلُغوا السُّؤدَدَ أَو تَصْبِروا

إذا أطالَ الحَيُّ نَجْواه

على الشُّيوخِ القُلْحِ إن قُرِّبَتْ

منهم إلى الآذان أفواه

وثالثُ الأقوالِ ما قالَهُ

في آخِرِ العَهْدِ بدُنْياه

ألْقىَ لهمْ نَبْلاً وقال اكْسِروا

وما دَرَوْا مِن ذاك مَغْزاه

فلم يُطِيقوا كسْرَ مَجْموعه

واحْتقَروا كسْرَ فُراداه

وقال أنتمْ للعدا هكذا

فاجْتَمِعوا والنّاسُ أشْباه

فالجُودُ والصّبرُ وجَمعُ الفتَى

شَمْلَ بني الجِنْسِ بنُعْماه

ثلاثةٌ هُنَّ إذا عُدّدَتْ

من شَرَفِ الأخلاقِ أَعْلاه

وأنتَ لا تُدفَعُ عنها وقد

نَماكَ مَنْ هُنَّ سَجاياه

يا أيهّا الصّدْرُ الّذي عنده

سِرُّ عُلاً أَوْدَعه الله

أوّلُ ظُلْم الدّهرِ لي أنّه

قد عاقَني عنك جَناياه

من سَقَمَيْ جِسمٍ وحالٍ معاً

واصلَ تَعْويقي ووالاه

وسادَةُ العَصْرِ جُفاةٌ لنا

من غَيْرِ ما جُرْمٍ جَنَيْناه

إلاّ قريضٌ رائقٌ رُبَّما

في نَفَرٍ منهمْ نَظَمْناه

قومٌ مديحي لهمُ ضائع

لكنَّ طَبْعي يَتَقاضاه

والسِّلْكُ يُكْسَى الدُّرُّ معْ أنّه

يَجهَلُ ما أصبَح يُكْساه

وليس صَدْرُ الدِّينِ من شَكْلِهم

فَيقْتَضي قَوْليَ حاشاه

وكيف يُسْتَثنى نَهارٌ إذا

ما ذُمَّ لَيْلٌ طالَ جُنْحاه

دُمْ للمعالي ما همَتْ دِيمةٌ

رِيّاً لرَوْضٍ فاحَ رَيّاه

وخُذْ ثناءً كأزاهيرِه

حُسْناً إذا ما الوُدُّ أمْلاه

حيّتْكَ من بُعْدٍ وقُرْبٍ معاً

شاقا فؤادي واسْتَحثّاه

بُعْدُ ديارٍ كان لكنّنا

بقُرْبِ أسْرارٍ خَلَطْناه

فلم أزَلْ أسحَبُ ذَيْلَ الدُّجَى

على بَعيرٍ مادَ ضَبْعاه

أطْوي الفلا طَيَّ امرئٍ واصل

مُصْبِحَه سَيْراً بمُمْساه

فلم يَزَلْ بي طائشاً خَطْوُه

نِضْوِيَ حتّى حُلَّ نِسْعاه

إلى فتىً آمُلُ من عِنْدِه

عَوْداً على ما أَتَمنّاه

وكيف لا يَحْوي المُنَى مَنْ غدا

مثْلُكَ يا مَوْلايَ مَوْلاه

معلومات عن الأرجاني

الأرجاني

الأرجاني

أحمد بن محمد بن الحسين، أبو بكر، ناصح الدين، الأرجاني. شاعر، في شعره رقة وحكمة. ولي القضاء بتستر وعسكر مكرم وكان في صبه بالمدرسة النظامية بأصبهان. جمع ابنه بعض شعره في..

المزيد عن الأرجاني